16/06/2007

      


 
تلك الأعراض وليس المرض ..
 
بقلم: صقر بلال

 

 

التاريخ الماضي كالسيارة القديمة الخردة .. يمكنك أن تحتفظ ببعض الصور والذكريات الجميلة لها .. ولكن من السَّفه جرّ هيكلها الصدئ خلفك أينما ارتحلت.
 
ما أشبه المجتمع بجسم الإنسان !! فهو أيضا يصاب بالكثير من الأمراض والجراثيم المتفاوتة الخطورة، والمختلفة في طرق العلاج، فمنها ما تتغلب عليه المناعة الطبيعية للجسم، ومنها ما يكفي لعلاجه قليل من المضادات الحيوية، ومنها ما يستوجب التدخل الجراحي.
 
التخلف العلمي لأي مجتمع مرض، الفوضى وعدم الانضباط واحترام القانون مرض، الكذب والنفاق وخيانة الأمانة مرض، الكراهية والعنصرية والجهوية مرض، التسيب والإهمال واللامبالاة وتحييد عنصر الزمن في معركة التقدم مرض، خذلان الحق والتخلي عن نصرته والرضوخ والانصياع للباطل مرض.
 
هذه بعض الجراثيم الخطيرة والتي تكفي واحدة منها فقط وبمرور الزمن ودون علاج إلى تفسخ وانحلال جسمَ مجتمع ٍ بأسره ودخوله في غيبوبة. لكن كل هذه الأمراض وعلى خطورتها قد تصبح أعراضا فقط لفيروس نقص المناعة (الإيدز) المسمى (دكتاتورية) ففي هذه الحالة من الطبيعي جدا أن تنتشر كل هذه الأمراض دفعة واحدة، وقد لا يشعر بها المجتمع المريض إلا بعد سنوات حين تنتهي فترة الحضانة وتستحكم جراثيمها في كل الجسم وتبدأ الأعراض في الظهور ولنتحدث قليلا عن هذه الأعراض:
 
الدكتاتورية تسمى أيضا بالحكم الشمولي لأن الشخص المتسلط (الدكتاتور) عادة ما يكيل له العامة والمنافقون المديح والثناء دون حساب، وتسخر للإشادة به كافة الامكانات الإعلامية والدعائية للدولة، فتكتب الأشعار وتلحن الأغاني له، وترى صوره وبأحجام ضخمة ترفع في كل مكان وخاصة على مداخل المدن وفي الساحات العامة، الأمر الذي يجعل هذا الدكتاتور يخرج عن طوره الإنساني ويصدق أنه عظيم بالفعل .. بل وأن العناية الإلهية قد انتخبته لإنقاذ البشرية كلها (راجع تاريخ كل الطغاة فستجد هذا الادعاء) و يشرع عادة في تأليف كتاب أو ميثاق باسم الثورة أو الفكر البشري ويلزم به الكل؛ بل عادة ما يوصف مخالفية بالأعداء والرجعيين الذين تحركهم قوى الإمبريالية، ومخابرات الدول الأجنبية (وما أسهل كيل التهم) ويبرز أهل الأطماع واللقطاء والحثالات فيتبنوا هراء الزعيم المسمى فكرا، ويبدؤون في إخضاع المجتمع، وعادة ما تنصب المشانق باسم الحرية، والدفاع عن مكتسبات الجماهير - المقصود بمكتسبات الجماهير وإنجازاتها هو بقاء الدكتاتورية - وتحت الضغط والتهديد والإرهاب تبدأ طبيعة المجتمع تتغير، يبدأ الناس في التحول ؛ فيصمت الشرفاء و أهل العلم والمعرفة والدراية وينزوون أو يهاجرون أو يموتون غيضا نتيجة أمراض ضغط الدم وارتفاع السكر، ويخلوا الجو لأهل الفساد فيسودون المجتمع، وتدار الدولة باخس وأحط البشر ، ويتسابق الجميع في التزلف والنفاق وكتابة التقارير، ويتضاعف عدد الأجهزة الأمنية حتى يصل المعدل إلى رجل أمن لكل خمسة مواطنين، وبوابة لكل ألف مواطن، فتقدم جوانب المحافظة على الدكتاتورية، وتهمل جوانب احتياجات المجتمع؛ فلا تعليم ولا صحة، ولا صناعة، ولا شيء .. ومن الطبيعي أن ينتشر الفساد وتنهب الأموال ويصاب المجتمع بالتفاوت الطبقي، فتجد الأغنياء حتى التخمة، والفقراء المعدمين الجوعى.. ويعجز النظام الشمولي عن الإصلاح حتى لو أراده - وهذا مستبعد طبعا - لأن يد الدكتاتور المسيطر أصبحت شبه مشلولة بسبب تكون مراكز قوة في الدولة ممن يسمون اصطلاحا بالحرس القديم وهم في الواقع اللصوص المجرمون الأوائل، فيفقد المجتمع الأمل .. و تبدأ أعراض المرض تطفوا على السطح، الفساد الأخلاقي، وانتشار المخدرات، واللصوصية والإجرام، وكل الموبقات تبدأ في الظهور .. ونتيجة ضيق الناس بواقعهم المرير يلجأ صغار النفوس إلى الماضي ينبشون فيه عن الحزازات والعداوات وكيل التهم بعضهم لبعض بالتسبب فيما هم فيه من ذل وهوان، بدل توجيه التهم للنظام الدكتاتوري، ويبدأ البعض ينادي بالأثنية العرقية أو الثقافية، بينما البعض الأخر بالإقليمية، والثالث بالقبلية .. ليس هذا فقط بل يلجأ الجميع بالاستقواء بالدكتاتورية وإظهار الإخلاص لها لينتصر على عدوه .. ويستمرئ نظام القهر والتسلط ذلك فيجند الجميع ضد الجميع .. ويدخل المجتمع في مرحلة الموت السريري.
 
وهنا يأتي دور عراقة المجتمعات و أصالتها فنجد المجتمع الملفق مجتمع الرعاع يكره المستقبل الآتي، ويخضع للحاضر الذليل، ويعيش في الماضي البعيد .. يترك اشراقاته ويجرجر كل نفاياته ليصنع منها مبررا، ولسانُ حاله يقول لقد أديت كل ما علي .. ولكن في الماضي !!!؟؟ ولا يتنبه أن هذا الماضي يشبه السيارة القديمة الخردة والتي يمكنك الاحتفاظ ببعض الصور والذكريات الجميلة لها .. ولكن من السَّفه جرَ هيكلها الصدئ خلفك أينما أرتحلت.
 
وأما المجتمع الحضاري الأصيل فيأخذ من تاريخه زادا لمستقبله، يتذكر نضالات رجاله؛ فيفرز أبطالا جددا يسعون لتغيير المنكر بشتى الطرق المتاحة، ولا يلتفتون لعجز غيرهم واستسلامه، أو يؤثر في عزائمهم قتامة الصورة وظهور الباطل، لإيمانهم بالله أولا ثم بنصره المحقق للعدل وللمنادين به فيزرعون الأمل في النفوس، ويزيلون الغشاوة عن القلوب والعيون، وينشرون الوعي ويذكرون الناس قول الحق: (بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق ...) وتلتف حولهم قوى الخير في المجتمع فيتوقف التردي والانهيار، ويندحر الباطل وأعوانه والمطبلين له.
 
صقر بلال
Saqr1490@hotmail.info

أرشيف الكاتب

جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع >>>> ليبيا المستقبل منبر حر لكل من يطمح ويسعى لغد أفضل لليبيا الحبيبة

libyaalmostakbal@yahoo.com