10/03/2007
 

المقتبس النفيس من سيرة الملك ادريس (3) 
 
بقلم: أحمد عبد الرحمن

 
(... مع مرور الزمن وتقدم السن رأى الملك (رحمه الله) أن يتخلى عن الحكم، وأن يقدم إستقالته،ويترك إلى الشعب أو ممثليه إسناد الأمر إلى من هو أحق منه، وأقدر على تحمل الأمانة والقيام بالواجب المطلوب، ولذلك لم يتردد الملك إدريس (رحمه الله) في عام 1965م في عهد حكومة السيد - محمود المنتصر- الثانية أن يقدم أستقالته بسبب التقدم في العمر وخشيته نتيجة لذلك من التقصير في القيام بما عليه من الواجب والمسؤوليات إلى البرلمان الليبي تاركا له أن يتخذ من يراه مناسبا من نظام للحكم لصالح البلاد،ومن رئيس للدولة فيها،ولكنه عندما تقاطرت إلى مدينة (طبرق) - حيث كان يقيم الملك (رحمه الله) - الجماهير الغفيرة من مختلف أطراف البلاد بما في ذلك قادة المعارضة ،وأحاط الآلاف منهم بالقصر عدة أيام يطالبون بإلحاح الملك المحبوب بالعدول عن إستقالته،ولم يكن أمام الملك سوى الرجوع عن هذه الاستقالة، وموضحا أن أستقالته كانت بسبب تقدم السن به وخشيته من أن يؤدي ذلك إلى التقصير في حسن القيام بما عليه من المسؤوليات،وأنه أمام هذه المعارضة للإستقالة فلا يسعه إلا العدول عنها على أن يكون لهم الحق في رفع يده عن الحكم إذا ماشعروا مستقبلا بعجزه عن حمل ماعليه من الواجبات ،وتكليف من هو أقدر منه علي حملها.
 
الملك يقدم استقالته- لتقدمه في السن- والشعب يرفضها:
 
كانت استقالة الملك الثانيه والاخيره هي تلك المؤرخه في 4/8/1969م والتي وجهها اثناء رحلة استشفائيه الي تركيا ثم اليونان، إلى كلا من رئيس واعضاء مجلس النواب ورئيس مجلسالوزراء ورئيس مجلس الشيوخ عبد الحميد العبار ورئيس مجلس النواب مفتاح عريقيب عندما جاء الي تركيا للاجتماع بالملك بناء عليطلبه وفي هذه الاستقالة اكد الملك ادريس انه وقد تقدم العمر به حتى وهن العظم منه وبلغ من العمر عتيا ولهذا قرر التخلي عن العرش الي ولي العهد (السيد الحسن الرضا السنوسي) مشترطا موافقة البرلمان على ذلك ومن ثم عليه حلف اليمين واعتلاء العرش ومطالبا في هذه الاستقالة الشعب الليبي بتقوى الله ومخافته وحمد الله تعالى وشكره على ما اكرم به بلاده من النعم وافاض عليها من الخيرات وان عليه الامر با لمعروف والنهي عن المنكر وذلك خوفا من ان يرفع الله تعالى عنها نعمه وخيره ويوليها الاشرار من عباده وكان نص الرسال:
 
بسم الله الرحمن الرحيم ... الحمد لله رب العالمين والصلاةوالسلام على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين ... أما بعد: يا أخوتي الأعزاء....رئيس واعضاء مجلس الشيوخ واعضاء مجلس النواب ... السلام عليكم ورحمة الله وبركاته... أقدم لكم هذا الخطاب قائلا: منذ أن قلدتني هذه الامه الكريمه الليبية ثقتها الغالية بتيوئي هذا المقام الذي شغلته بعد إعلان استقلال بلادنا العزيزه ليبيا ... قمت بما قدره الله لي مما أراه واجبا علي نحو بلادي وأهلها، وقد لايخلوا عمل كل إنسان من التقصير، وعندما شعرت بالضعف قدمت استقالتي قبل الآن ببعض سنوات فرددتموها فطوعا لإرادتكم سحبتها، وإني الآن نسبة لتقدم سني وضعف جسدي أراني عاجز عن حمل هذه الأمانه الثقيله، ولايخفى أنني بليت في سبيلها خمسة وخمسين ستة قبل الاستقلال وبعده، وقد أوهنت جلدي مداولة الشؤون وكما قال الشاعر:
 
سئمت تكاليف الحياة ومن يعش .... ثمانين حولا لا أبا لك يسأم
 
وقد مارست هذه القضية وعمري 27 سنه والآن في الثانية والثمانين. ولله الحمد أتركها في حالة أحسن مما باشرت في بلائي بها، فأسلمها الآن لولي العهد السيد الحسن الرضا المهدي السنوسي الأول على ان يقوم بعبئها الثقيل امام الله وامام اهل هذه البلاد الكريمة على نهج الشريعة الاسلامية والدستور الليبي بالعدل والانصاف فاعتمدوه مثلي مادام على طاعة الله ورسوله والاستقامة.
 
وبعد اعتماده من مجلس الامه يحلف اليمين الدستوريه امام مجلس الامه قبل ان يباشر سلطاته الدستوريه والتي شاء الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون، فالله الله مما يغضب الله، وتعاونوا على البر والتقوى ولاتعاونوا على الإثم والعدوان ولاتفرقوا قال (صلي الله عليه وسلم): لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليسلطن الله عليكم شراركم فيدعوا خياركم فلا يستجاب لكم] ... والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
 
محمد إدريس المهدي السنوسي
في 21 من جمادى الاولى 1389هـ
الموافق 4 من اغسطس 1969م
 
وحينما وقع انقلاب العسكر في سبتمبر 1969م كان الملك في رحلة علاجية إلى تركيا واليونان، ولم يكن معه مال خاص ينفق منه، ومع ذلك فحينما عرض عليه المسؤول المالي للرحلة العلاجية استلام ماتبقى في عهدته من مخصصات رفض الملك ذلك بعزة نفس وقال: "يا بني أنا بالأمس كنت ملك ليبيا، وكنني لم أعد كذلك اليوم، وبالتالي فإن هذا المال لم يعد من حقي ويجب أن يسلم إلى خزينة الشعب".
 
تقول الملكة - فاطمه - زوجة الملك - رحمها الله - في رسالة لها بتاريخ 12 سبتمبر 1969م تصف فيها حالها وحال زوجها الملك بعد وقوع الانقلاب العسكري: "إننا نحمد الله على أن تيجان الملكية لم تبهرنا قط ولانشعر بالأسف لفقدها فنحن كنا دائما نعيش حياة متواضعة ولم يغيب عن اذهاننا مثل هذا اليوم، كما نحمد الله كثيرا على إننا لانملك مليما واحدا في أي مصرف حتى يشغل بالنا المال، ولم نغير معاملتنا لأصدقائنا وهي لم تتغير مع الأيام".
 
يتبع ان شاء الله
 
أحمد عبد الرحمن -السويد
 
Libyans4libya@yahoo.com
www.libya-tomorrow.info
 

* عن مقال ماذا تعرف عن الملك ادريس السنوسي للاخ: سعيد الجطلاوي بتصرف
 
راجع:
 
المقتبس النفيس من سيرة الملك ادريس (1)
المقتبس النفيس من سيرة الملك ادريس (2)