15/05/2006

 

      


 

 

مصطفى محمد البركي

 

دينْ في عنقي للسيّد حسين مازق لم أسدّده

 

في منتصف الخمسينيات من القرن الماضي كنت أمام المقهي الرياضي في ميدان الشجرة ببنغازي، وكانت الساعة حوالي الثامنة والنصف مساءا، وكنت على دراجتي أتسامر مع صديق لي لانهي حديثا كنا قد بدأناه. قبل أن استعد لأخذ طريقي نحو منطقة البركة (التي احبها كما لم احب منطقة اخرى في حياتي مثلها)، إذا بصديقي يشير إلى شخص راجلا على قدميه صائحا،، حسين مازق ،، حسين مازق، فإذا به خارجا من شارع العقيب ذاهبا إلى شارع سينما النهضة، وكانت هذه اوّل مرّة ارى فيها السيّد حسين مازق رحمه الله، فنزلت من على دراجتي وتوجهت إليه وكنت وقتها اشتغل مع الجيش البريطاني في النافي بمرتب 12 جنيه شهريا. كان حلمي ان اعمل في الحكومة حتى بنصف هذا المرتب. ولما دنوت منه بادرته بالكلام قائلا له: أريد ان اشتغل في الحكومة، وقالوا لي بأن الذي لا واسطة لديه، لا يشتغل في الحكومة، وأنا لا واسطة لي، فقال لي: تعال قابلني غدا في المكتب، فاجبته قائلا: لن يسمحوا لي بالدخول إلا بورقة منك، فأخرج من جيبه بطاقة تعريف به (كرت) وكتب عليه: السيّد حسين الغنّاي نرجوا السّماح له بالدخول.

 

في صبيحة يوم الغد ذهبت إليه مبكرا في محل عمله وكان حينها واليا على برقة، فقابلني سكرتيره الخاص عبدالله كدوم وأدخلني على السيّد الغنّاي، فلمّا قرأ السيّد الغنّاي الرّسالة الموجّهة إليه في الكرت وقف وذهبت خلفه، وأدخلني على السيّد حسين مازق، فوجدته جالسا خلف مكتبه وامامه شخصيْن جالسيْن على كراسي الضيوف، فدعاني السيد مازق للجلوس معهم وطلب لي شاي مثلما طلب لضيفيه، ثم بعدها بقليل اتصل هاتفيا بالسيّد امطوّل سليمان وكان ناظرا للحكومة وطلب منه تعييني اليوم، وأثناء حديثه مع امطوّل سألني عن اسمي بعد ان غطّي سماعة الهاتف بيده حتى لا يشعر السيّد امطوّل انه ليس لي علاقة شخصية بالسيّد حسين مازق. في نفس اليوم عيّنت في نظارة المالية في الخزينه تحت رئاسة السيّد محمّد صالح الضبيْع بمرتب قيمته 16 جنيه شهريا. هذا الصّنيع لم اتمكن من ردّه إلى السّيد حسين مازق إلى هذه اللحظة.

 

حاولت بعد قيام هذا الانقلاب المشؤوم ان ارد الجّميل إلى السيّد مازق بعد ان حكمت عليه محاكم النظام تسديد مبلغ قيمته 56 ألف جنيه، فذهبت إلى السيّد فوزي غرور صهْر السيّد مازق، وكنت قد عرفته في شركة الـ بي بي  (B.B.) البريطانية قبل ان أبدأ أعمال التجارة.

 

ذهبت إلى السيّد فوزي وقلت له بأنه عليّ ديْن للسيّد حسين بمبلغ 56 ألف جنيه، وآن الأوان لي ان ادفعه واعطيته شيكا بالمبلغ، فرفض السيّد غرور تسلّمه حتى يستشير عائلته، فرجعت إليه بعد عدة أيام، فقال لي بأن العائلة تبلّغني بأن النظام لم يطلب المبلغ بعد، وحين يطلبونه فسوف نتصل بك. إلى هذا اليوم لم اسدد جميل السيّد حسين مازق

 

رحم الله السيّد مازق على ما قدمه لبلده من خدمات. هؤلاء هم رجال العهد (الباهي)، لا يفرقون بين مواطن وآخر، شرفاء لا كأشباه رجال هذا العهد المستبد المرتشون اللصوص.

 

رحم الله الملك ادريس على حسن اختياره لهؤلاء الرجال العظماء الذين قامت على اكتافهم دولة ليبيا الفتية. رحم الله السيد حسين مازق وألهم أهله وذويه جميل الصبر والسلوان، وعوّض الله ليبيا برجال أمثاله حتى نستطيع بناء ليبيا الجديدة.

 

اخوكم المحب لـ ليبيا وأهلها

مصطفى محمد البركي

mmelbarky@yahoo.com

 


أرشيف الكاتب


إضغط هنا لإرسال تعليقك على المقال


 

جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع >>>> ليبيا المستقبل منبر حر لكل من يطمح ويسعى لغد أفضل لليبيا الحبيبة

 

libyaalmostakbal@yahoo.com