20/05/2006

 

      


 

 

مصطفى محمد البركي

 

 عبدالله عابد الذي عرفت

 

كانت أول مرة اسمع فيها باسم السّيد عبدالله عابد السنوسي عندما كنت طالبا في مدرسة الأمير الليلية أواخر الخمسينيات، يوم أن دخل علينا الأستاذ الفاضل المربّي محمد السّنوسي المرتضي ـ وكان ناظرا متطوعا للمدرسة الليلية ـ قاعة التدريس وقال بأن اليوم اتصل به السّيد عبدالله عابد ليبلغه بأن الكتب المدرسية قد غادرت مصر الآن وهي في طريقها إلى المدرسة. سأل احد الناشطين من الطلبة عن علاقة السّيد عبدالله بالكتب المدرسية، عندها أبلغنا الاستاذ محمد السّنوسي بأن السّيد عبدالله هو المتكفل بجميع مصاريف المدرسة، من كتب وقرطاسية وغيرها من لوازم التدريس، ومتكفّل ايضا بمرتبات المدرّسين. هذه هي المرة الأولى التي اسمع فيها باسم السّيد عبدالله عابد.

 

لم اتعرّف على السّيد عبدالله عابد شخصيا وعن قرب إلاّ بعد ان هاجرت من ليبيا وحطّت بي الرّحال عام 1979 فى القاهرة، وكنت قبل ذلك قد تعاملت مع شركاته في النقل، حيث كانت سياراته تعمل معي، واتقاضى عليها عموله تعادل 10 في المائة، في الوقت الذي كان بإمكان السّيد عبدالله تشغيل سياراته رأسا مع شركات النفظ دون وسيط، مثلما كان يفعل السّيد مصطفى بن حليم الذي كان له باع طويل مع شركات النفط.

 

بعد مرور حين من الدهر علمت ان السّيد عبدالله كان رئيسا لـ لجنة جمع التبرعات لـ فلسطين والجزائر، وانه اشترى 20 سيارة بالمقطورة ـ جميعها سيارات جديدة ـ لتنقل السلاح من مصر عبر ليبيا إلى قوات الجزائر بعد موافقة الملك إدريس رحمه الله. نتيجة لهذه الأعمال الجليلة منحه الرئيس جمال عبدالناصر وسام الجمهورية و وسام الاستحقاق من الدّرجة الأولى، وقد استولى غوغاء سبتمبر على هذه الأوسمة بعيْد انقلابهم المشؤوم حينما فتشوا بيته، وقد كتبت طلبا إلى الرئيس حسني مبارك لمنح السيد عبدالله نسخة من هذه الاوسمة، فأعطاه أياها مع الرسائل المرفقة معها.

 

 سألت السّيد السّنوسي الأشهب بعد وفاة السّيد عبدالله حيث كان شريكا له في شركة ساسْكو المعروفة. سألته عمّا إذا كانت هذه السّيارات على نفقة شركة ساسْكو أم على نفقة السّيد عبدالله الخاصّة، فأكّد لي على ان جميع ما أنفق على الثورة الجزائرية كان على حساب السّيد عبدالله الخاص، رغم ان الجزائر لم تقدّر للسّيد عبدالله معروفه وصنيعه هذا حينما ساءت ظروفه المالية. كتب السّيد عبدالله عدة رسائل لدولة الجزائر كي تتوسّط له عند حكومة عصابات ليبيا بأن يحوّلوا له جزءا من أمواله المجمّدة في ليبيا، وبما أني قمت بتسليم هذه الرسائل معه إلى سفارة الجزائر بالزمالك بالقاهرة، فلم يردّوا عليه حتى بالإعتذار،، سامحهم الله.

 

والسّيد عبدالله كان كثير الصلاة، كثير الدّعاء، صابرا على ضيم الزمان غير متذمّر، يمشي في حاجات الناس ويرفع عنهم الحرج. ذات مرّة كنت معه في بيته فجاءه مبلغ قيمته 500 جنيه مصري، فقسّمها وأعطاني نصفها، وطلب مني ان ابعث هذا المبلغ إلى شخص ما كان يمر بضائقة مالية، فقلت له: يا سيّد حتى انت في حالة مادية صعبة فاستبقي هذا المبلغ لك، وسوف أقوم بجمع مبلغ آخر لهذا الرجل، فأجابني: بأن فلان هذا محتاج الآن، ويجب ان يسعف اليوم، فصدقت فيه الآية الكريمة ،، ((ويؤثرون على انفسهم ولو كان بهم خصاصة)). وكان عليه رحمة الله يلتمس الأعذار لكل من نسوه ايام محنته.

 

والسّيد عبدالله هو اوّل من تنبه لغوغائي الانقلاب وحاول تكوين جيش في تشاد هو والسيد عمر الشلحي أيام فرانسوار تمبلباي رئيس تشاد، فبعثوا شخصين إلى الولايات المتحدة الامريكية، يبلغونها عن نيتهم في السعي لتغيير هذا النظام، فرفضت امريكا مطلبهم، وأمرت السّيد فرانسوا تمبلباي بإيقاف مساعدتهم، فطلب من جميع الليبيين في تشاد مغادرتها إلا السّيد عبدالله عابد الذي اعطاه قصرا في انجامينا وتكفّل بمصاريفه، لكن السّيد عبدالله رفض الإقامة في تشاد، طالما لم يسْمح له بمزاولة عمله السياسي المعارض من أجل ليبيا.

 

وحين أسّسنا الرّابطة الليبية في القاهرة عام 80 م كانت بطاقة عضوّيته تحمل رقم (1) ، وكان اوّل المؤيدين لها، وأوّل من ساعدها ماديا. وحين زحف السّيد عبدالحميد البكوش على الرابطة الليبية لحساب نظام القذافي كان السّيد عبدالله اوّل المنتقدين علنا للسّيد البكّوش، وبعدها حاول السّيد البكّوش اقناعي بالتصالح مع عصابات ليبيا، فغضب السّيد عبدالله غضبا شديدا عندما سمع هذا الكلام.

 

ولو اردت الكتابة عن السّيد عبدالله عابد لكتبت كتابا من 200 صفحة، ولكني اكتفي بهذا المقال الذي اختمه بقصة مرض السّيد عبدالله ودخوله مستشفى السلام بالمعادي في القاهرة. فقد كنت في زيارة للسّيد عبدالله في بيته برفقة السّيد ياسين بوسيف الذي كانت تربطه بالسّيد عبدالله علاقة قديمة، وخرجنا من عنده حوالي السّابعة مساءا، وكان متحاملا على نفسه، ولا يريد ان يشتكي من المرض، لكنني ما ان وصلت بيتي حتى أبلغْنني السّيدات زوجاته بأن السّيد عبدالله قد نقل إلى مستشفى السّلام، فذهبت في نفس الليلة إلى زيارته حيث وجدته يأنّ من المرض، فعاتبته على عدم اخباره لي بشدة مرضه عندما كنت معه في بيته منذ ساعات خلت، فأجابني بأنه علم ان بعض افراد عائلتي قد وصلوا اليوم من ليبيا وفضل ان ابقى معهم على البقاء معه، ونقل لغرفة العناية المركّزة بعد 3 أيام من دخوله للمستشفى، وفي اليوم التالي من دخوله غرفة العناية المركّزة حمل إلى قسم التصوير الإشعاعي بالمستشفى فوقف قلبه في الطريق، وبعد تدليكه عادت دقات القلب من جديد، ففرح الجميع لهذا الحدث، وفي نفس اليوم طلب مني الدكتور المعالج ان ادخل إليه بدون ذكر اسمي لقياس مدى عودة وعيه وادراكه لما يحيط به، فأطلقت عليه السلام، وكان مغمض العينين، ثم سألته هل عرفتني يا سّيد عبدالله؟ فأجابني،، حبيبي مصطفى ،، حبيبي مصطفى،، فكانت هذه آخر كلمات تصل إلى مسامعي منه.

 ولله في خلقه شؤون، بعد ان كنت تلميذا أتلقى العلم في مدرسة الأمير الليلية على نفقة السّيد عبدالله عابد دون سابق معرفة به،، إذا المطاف ينتهي به في اليوم التالي من وقوفي بجوار سريره حينما كانت تنازع جسده الطاهر سكرات الموت، يردد حبيبي مصطفى حبيبي مصطفى.

 

قمت بواجب العزاء بإنشاء سرادق نستقبل فيه التعازي،، و اتذكّر في ليلة من ليالي المأتم كنّا حوالي 12 شخص تقريبا منهم العزيز نوري الكيخيا الذي التفت إلىّ متأسّفا لقلّة تواجد الليبيين لتقديم واجب العزاء قائلا لي بأنه لو كانت وفاة السّيد عبدالله في ليبيا أيام ان كان يصول ويجول لما وجدنا مكانا نقيم فيه واجب العزاء من كثرة المعزيين.

 

هذا هو السّيد عبدالله عابد الذي عرفت، كان كريما ودودا عطوفا وطني حتى النخاع، ولو أردت ان اعدد مناقبه لما كفتني هذه الصفحات الإلكترونية. رحم الله السّيد عبدالله على جميع ما قدم لـ ليبيا ولـ شعبها ولـ أمته العربية.

 

رحم الله السّيد عبدالله رحمة واسعة بعدد الحروف والكلمات التي حفظناها على نفقته. وأتساءل كما يتساءل الكثير غيري، أين هم أغنياء إنقلاب سبتمبر من اعمال الخير؟. إنهم لصوص لايعرفون للخير طريقا ولا يعرف الخير إلى قلوبهم سبيلا. إن أموال أغنياء الأنقلاب كلها سرقات ورشاوى وبلطجة. يخافون ان يرى الشعب غناهم الفاحش، فيقومون بتهريب اموالهم المسروقة إلى الخارج في حسابات وبنوك لا يعلم إلا الله مكان وجودها. أما اغنياء عهد الملك المبارك فكان غناهم نتيجة لمثابرتهم واجتهادهم وإخلاصهم و تفانيهم في العمل، ولأن اموالهم طاهرة زكية نجدهم يتنافسون في اعمال الخير. والقصص الرائعة في حقهم اكثر من ان تعد وتحصى.

 

ومن هذا المنطلق وغيره ازكّي السّيد الأمير محمّد الحسن الرضا الّسنوسي ليكون لنا زمزا حتى ننقذ ليبيا مستقبلا من أي تداعيات غير محسوبة. إنه خير خلف لخير سلف، فتوكلوا على الله وزكوه معي لننقذ ليبيا من مخالب الطامعين. حفظ الله ليبيا وأهلها، وسدّد خطاهم،، إنه سميع قريب مجيب الدعاء

 

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

 

اخوكم المحب لـ ليبيا وأهلها

مصطفى محمد البركي

mmelbarky@yahoo.com

 


أرشيف الكاتب


إضغط هنا لإرسال تعليقك على المقال


 

جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع >>>> ليبيا المستقبل منبر حر لكل من يطمح ويسعى لغد أفضل لليبيا الحبيبة

 

libyaalmostakbal@yahoo.com