12/10/05

 

أرشيف 2004

 يناير 2005

فبراير 2005

مارس 2005

أبريل 2005

 مايو 2005

 يونيو 2005

 يوليو 2005

اغسطس 2005

سبتمبر 2005

اكتوبر 2005

 

              

 طارق القزيري

 

أمـوكّب*

 

إهدء خاص للقاص اللّيبي: عمر بلقاسم الككّلي واليها ... طبعا

 

من عز النوم بتسرقني/ بهرب لبعيد بتسبقني/ ياحبي صرت بآخر أرض/ عم أمشي وتمشي في الأرض/ لوينك بعدك لاحقني ......                                    فيروز

 

 

..... ضاحكنا الشيخ عبدالسلام في الزنزانة الثانية/ القاطع الأول: ومد يده (ت لطاسة) الشاي وأنشد:

 

نعنع كؤوسك إن أردت سقاءنا       لا خير في شاي بلا نعناع!!!


ماذا عن القهوة ياشيخ؟؟ سألته مشاغبا.....( يا ودّي مش أصحاب). رد الشيخ منهيا إجابته برشفة من طاسته ……. قبل إحدى الإعتقالات السابقة، كنت قرينا للشيخ في علاقته بالقهوة، لكن إعتقالا من بين العديد منها، جعلني شغوفا بها، لحد لايطاق
….. إلا لي!!.

 

في مصراته، كنت ضيفا عليهم، وكأن الجميع يريد رفع الحرج عن نفسه، فمن يبدأ عمله، أو ينهيه، يعزمني على قهوة، فكان عشقي للقهوة أمني الطابع، فصرت لا أشرب قهوتي إلا مقطبا عابسا، ولا أنتهي منها حتى تبرد!!

 

قهوة (الأمن الداخلي) نبهتني إلى قهوة أخرى تذوقتها فور الإفراج المؤقت، بدت قهوة أمي كنزا بجانبي فاتني إدراكه منذ أمد بعيد جدا.

 

اليوم أجلس وأحتسي من قهوتها التي أرسلتها لي عبر (طائرة الخطوط الهولندية K.L.M)، وكأن تلك الطائرة جلبت لي كل الحنين الذي خبأته أمي في قهوتها المعدة بعناية، لا تفعلها إلا أمي!!!! ربما كنا لا نبكي من فقدناهم  لأننا لن نراهم !!، بل لأننا لم نستنفد معهم كل اللحظات التي أتيحت لنا بجوارهم.

 

هذا الحنين الذي لا يعادله إلا قدرتها على إسباغه دون حديث عنه البتة،..... عندما كنت صغيرا، وقبل ذهابي للمدرسة، كنت مكلفا على الدوام ( أنجيب خبزه) من (دكان الحاج علي)، ذات يوم أصررت على أن لاأذهب حتى أسمع منها كلمة ( سلم أوليدي!!)، لم يكن من السهل الحصول على تصريح لفظي بهكذا  وصف في الأحوال العادية، مع هذا، لم تكن عنايتها الفائقة بكل التفاصيل، تسمح للحظة في الشك بمحبتها أن ينال حظا من الوجود.

 

  - مافيه حد مرمر كبدها فينا كيفك!!!

  

    هكذا قالت شقيقتي في الهاتف: وهي تعاتبني، على كل مافعلت. وكانت تراه هي لاداعي له.

 

في إجدابيا ، كان أصدقاء الشارع يسمونني ( لموكّب)، فحتى السيارات لا تفرمل إلا عليّ، فيما يمر الآخرون بسلام ودون أي ضجة، أستاذ ( زيدان) مدير المدرسة لا يتجول في الممرات إلا عند وجودي للشرب في دورة المياه، فتتلبسني تهمة التدخين، التي فعلها من كان قبلي وخرج!!! كنت الوحيد في البيت الذي لايسمح له بالحلاقة (عالزيرو)، كي لاتظهر نتائج المغامرات المؤلمة.

 

ربما لهذا السبب أعتادت على وضعي، ومع هذا ظلت تتحاشى نقاشي في ما أفعل، إذ ستكون كلمتها، (أنت باللسان مايغلبك حد!!)، ستكون هي خاتمة الحوار الذي تحير فيه جوابا.

 

في أخر أيام فبراير 1995، كان (المصراتية) يستعدون لآخر أيام رمضان، في ليلة ذلك اليوم، وقفت سيارة أمام البيت:

 

- الحاج قاعد ؟؟

- ..........

- خلاص سلملنا عليه!!، وقولا يمشي بكرة لطرابلس ويروح بطارق، راهو بيطلع بكرة.

لم يكن هذا الخبر (من مبعوث الأمن) ، يصل لمسامعها، عبر أشقائي، حتى جلست بما هو أشبه بالسقوط وهي تتمتم: إن شاء الله ياربي ياسيدي... إن شاء لله ياربي ياسيدي ...... السنوات الست، لم تمر عليها بسهولة أبدا، وعندما بانت لها النهاية، لم يكن الجسد الذي جلبني لهذا العالم بقادر على مواصلة الإحتمال ولو لحظة....!!! ( قعمزت وتقول طايحة طياح!!!) قال شقيقي فيما بعد.

 

بعد أكثر من عامين على دخولي المعتقل، جاؤا إلى طرابلس، فقد سمح لهم بإجراء إتصال هاتفي، من بوابة السجن ، وعندما وصلوا كان الشرط: أن المسموح لهم بالحديث الأم فقط، وإن لم توجد فالأب أو الأخ .. وهكذا.

 

في ذلك اليوم بدت وكأنها تنصت بحرص بالغ، (ومن قال أنت؟) هكذا قالت لي بعد خروجي!!!بعض السجناء تعرضوا لتحقيق مرير من ذويهم، وأسئلة شخصية، ليتأكدوا بأن المتحدث هو أبنهم!!!.

 

    - (باهي ليش ماخلونا أنشوفوكم مالا؟؟)

 

سؤال ظل يتردد لسنة أخرى تقريبا. قبل السماح بالزيارات الشخصية لسجناء معتقل أبوسليم. الذين لم يثبت  تورطهم في أي قضايا عنف ضد الدولة!!!.

 

ذات يوم، توالى استدعاء سجناء على تمام التاسعة صباحا، وبدون أي إبلاغ مسبق، وبدأت التأويلات، والتحليلات تتوارد، وكان كل شئ مقبولا، إلا بداية التحقيقات من جديد، فمن ناضل ليخفي مالديه، أو فرح لعدم تسرب شئ من الآخرين ضده، سيستشعر الخطر ولابد من عودة التحقيق وغرفه، ومافيها !!!!....

 

 ..... عودة الدفعة الأولى ممن خرج، كانت  خبرا ببدء الزيارات العائلية للسجناء، وكان عليّ الانتظار إلى اليوم الثالث، لأسمع في الصباح أسماء بعض من كانوا معي من (مصراته)، في ذلك اليوم خرجت من الزنزانة بعد أن طلب مني ارتداء بدلة السجن ( الزرقاء).

 

دخلت إلى صالة الزيارات، تأخرت إلى المدخل قليلا، لأستطلع من سأقابل، مرت اللحظات والثواني ثقيلة، وبدأت الصالة أمامي تعج بالزوار، والضجيج يرتفع ويبالغ في الإرتفاع: بكاء أشبه بالضحك، ونداء أشبه بالعويل، عناق هو للعراك أقرب، نساء ورجال يحيطون بسجين متعانقين ببعضهم ربما دون أن يدري أحدهم من يعانق، كانت حالة فرح هستيرية، وكأن الزيارة هي لميت عاد إليهم اليوم، على غير موعد. حتى (الزغروتة) ظلت تتردد في أرجاء الصالة المعدنية، خيل إليّ يومها أنها تتحدى السجن والآلام، أكثر من تعبيرها عن سرور.

 

وبرق أمامي وجه أمي، وهي تقف وتشير مرشدة الجميع إلىّ، هل كان صدفة أن تكون أول من رأني؟؟، وهي التي تعاني من ضعف البصر!!،  لم تكن أول من وصل إلي، وعندما عانقتها، بدأ المشهد غريبا جدا، فأمي كانت قصيرة، بل ربما بالغة القصر، ووالدي كأن اقصر مما كان، وبعض من حضر من أشقائي ربما لم ألحظ عليهم التغيير.

 

واحتجت أن أظل في حيرتي حتى أعود للزنزانة لأعرف أن الكثيرين قد شعروا بذلك، ثم لندرك أن ثلاث سنوات أو أكثر كانت كافية لتنمو جسومنا الصغيرة، ولنرى ذوينا فجأة وقد صغرت أجسادهم نسبة لنا .
 

طيلة الزيارة ظلت أمي صامتة تتأملني، ولاأدري اليوم هل تحدثت إليها في الزيارة الأولى أم لا؟؟  صمتها كان بليغا جدا، سمعته بوضوح، كان يملأ أذنيّ، بأكثر مما فعل الجميع، أقوى من ضجيج الصالة والزوار، وأعلى من زعيق الحرس، وهم يزأرون خشية تسريب أي شئ من الزائرين إلينا أو العكس. وأوضح من كل التحيات والسلامات التي وصلتني عبر عائلتي من باقي العائلة والإصدقاء.

 

خرجت من الزيارة، وفي ذاكرتي تلك المرأة التي التصقت بي، وظلت ترقبني وتدور بعينيها بيني وبين الجالسين معها حولي، شعرت بعينيها تغوص في بشرة وجهي، وترنو من مسام الجلد إلى داخلي، وعندما سألوها :

 

     - (شنـو شفتيه وتريّـحتي؟؟) ........

 

ظلت تحدّق فيّ وعيناها تترقرقان، ولم تنبس ببنت شفة.


في الزيارة الثانية، تحدثت أمي أكثر من الجميع، سألتني: ( شنو تأكلوا؟؟)،......( أيطلعوا فيكم في الشمس؟؟)،....(يضربوا فيكم؟؟)، وأخبرتني:(يسلمن عليك خالاتك... وعماتك...وعرب إقزير كلهم...(لكن):


- مافيش أخبار عالطلعة؟؟.....

 

كان كمن يتحدث ليتخلص من الكلام، و يتكلم لكي يستنفذ حديثا يثقل عليه. وفي كل زياراتها ظلت كما هي منذ البداية تجلس بجانبي، وتطيل النظر، وتبدأ الحديث من حيث شاءت، لا من حيث أنتهى من معها.

 

وفي أخر يوم من أيام رمضان (الأربعاء1995-03-01 م 415-09-30 هـ)، كان علينا التقاط أخر صورة شخصية لوثيقة التعارف المطلوبة عن ( سجين سياسي مفرج عنه)، كان السجن مملوءً بضباط أمن صغار السن والرتب، وكانوا يظهرون بشاشة مبالغ فيها، لدرجة أنهم يتبادلون النكت مع السجناء.  .... وفي صباح ذلك اليوم، أختفى رجال الشرطة العسكرية، وبدأ الأمر أشبه بمكان يعيش عقدة الذنب عما جرى فيه من ست سنوات.

 

قبيل أخر آذان مغرب من ذلك الـ(رمضان)، كانت العائلة والإصدقاء، يخففون من عناقهم ويستعجل بعضهم بعضا( ياجماعة وسعوا الله يهديكم .... أعطوه الطريق .... بعدين ياراجل بعدين!!! أمه تراجي ... خلو أمه أتشوفا بس).

 

لم أتمكن من تقدير هل عانقتني أمي أم تعلقت بي؟؟، بدت وهي تجذبني تارة، وتجذب ملابسي تارة أخرى، وتدفن رأسها في صدري، وكأنها تريد من يوقظها من حلم تجبر على العيش فيه، فرب حقيقة أبعد من أن تقبل بهدوء، ربما أحتاجت أن تطرد أي وهم بأنها ليست في الواقع فعلا، وحولها كانت نسوة كثيرات، يبكين بلا استثناء، وينهي بعضهن بعضا عن البكاء بالبكاء.

 

وحينما كانت ليبيا تعانق  صباح عيد الفطر كانت أمي تنتظر في وسط البيت، ممسكة بساعتي التي خبأتها من حاجياتي قبل الإعتقال، وقنينة عطر كنت أستعمله من ست سنوات مضت.

 

ترى لماذا كان قدرها أن تدّخر الساعة والعطر؟؟، كانت كمن يخبئ لي ساعاتي التي تنفرط ذاهبة بدونها، وتعايشني في غيابي بعطر يفرض وجودي ماثلا أمامها، كما أنا دائما حيث لا أفارق مخيلتها.

 

ظلت تستحضر زمني الذاهب والمفقود وتسترده بالعطر، الأمر أكثر من حياة على ذكرى، وأعمق من وقوف على أطلال، طالما أن قلبها كان يحدثها دائما، أن اللقاء سيحدث لامحالة.

 

..... مرور الوقت، لم يكن يعني لها نهاية السجن، اشعر الآن أنها طيلة الفترة التي تلت سجني، تعتقد أنني سأذهب للسجن من جديد، ومن دون إي علامة على ذلك مما أفعل أو أقول.  وطأة التجربة، جعلتها تعيش على أنها أمر لاينجلي ، وإن أنجلى فلا بد أن يعود.

 

حدثها ( هاشم) من (لاهاي)، شاغبها وشاغبته، وأخبرها عن الحديقة، والملاهي، وعن بابا، بابا الذي لم تتمن إلا أن يرى (هاشما) بجانبه.

 

وعندما سألتني: ها... ماقريبش أتروحوا؟؟؟.... أجبتها ضاحكا (كعادتي حينما تسأل هذا السؤال).... قريب ياحاجّة قريب !!.

 

وأحسست بصوتها متسربلا بنشيجها أكاد ألمسه، وهو يلاحقني من أخر الأرض، ويردني هناك... إلى إقزير...... معلنا أن لاجدوى من هروب، وهي تردد:

 

( إن شاالله ياربي ياسيدي.... إن شاالله ياربي ياسيدي).

 

 طارق القزيري

 مايو /2005

abusleem@gmail.info

 


 (*) إموكب : كلمة من المشرق الليبي: تعني من يلازمه سوء الحظ والطالع (تقريبا).

 


libyaalmostakbal@yahoo.com

 

إن جميع المقالات التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع