23/10/2007
 

مصطفى البركى.. (الإنسان) الذى عرفته
 
بقلم: عبدالنبى أبوسـيف ياسـين

 

 
هذا ليس برثاء.. فى فقيد وطننا القدير.. فلقد رثاه قبلى, كِبار الكتّاب, بما لا أقدر على مثله.. ولا هو بعزاء, لزوجه, ولأبنائه, ولكريماته الكريمات, ولأصهاره, أو لأحفاده, الأعزاء.. فعزائنا واحدُ.. أيّها الأعزاء.
 
ولا وألف لا.. لأنّ (الميّت كرعيه اطوال).. كما يقولون.. فالفقيد كان عملاقاً حقيقيّ, فى حياته.
 
سمّّوها إنّ شئتم.. شهادة عصر, لمعاصر ما, وشهادة صادقة.
 
عرفت الحاج مصطفى, جاراً بركاويّاً - عن بعد - منذ أن كنت صبيّاً.. عن طريق شقيقه الأصغر وزميل دراستى, عقيلة.. فى أواخر الخمسينيات, عند انتقال أسرتى إلى البركة, من البلاد, فى بنغازى.. وكان ذلك الإنتقال فى حدّ ذاته, خطباً مرعباً.. فى تلك الأيام.. أيام عبدالحق.
 
ولكن.. وفى أحد زياراتى للوطن, أثناء دراستى خارجه عام 68.. فوجئت بوجود الشاب مصطفى البركى فى صالون الوالد!.. يجالس شيوخاً وأعياناً, لعلّ أصغرهم, هو أكبر منه, بعدة عقود.. ومصطفى, حينها, شاب لم يتعدّى الثلاثين من العمر.
 
لفت انتباهى له, جدّية إنصاته, وبشاشته, وسموّ أدبه وخلقه, وحيويته.. وحديثه ومنطقه.. وعفويته, وراحته.. وكأنه قرين لهم, حتّى قبل أنّ يولد.
 
فى ذلك المجلس.. أدركت سرعة بديهة هذا الرجل, وهي ملكة, ظلّ يملكها طوال حياته.. ولاحظت عنده.. ذلك الكمّ الهائل من المعلومات, بفضل إطلاعاته المستمرّة- والتى استمرّ يعزّزها, ويتحقّق منها, ويصحّّحها – بدون عناد - على الدوام.. ولكنّه, لم ينسى أصغر تفاصيلها أبداً – حول هذا الأمر أو ذاك - .. واختر ما شئت من حوار.. سياسة أم آخر أخبار.. شعر فصيح, أم شعر ليبي شعبي.. ثقافة أم فكاهة.. شئون بادية أم حضور.. حتّى غناوى العلم.. كان له فيها باع غير بسيط.
 
ستفاجأ, يا جالسه, بكلّ تأكيد.. بهذا الكمّ الهائل من معلومات يلم بها بمجهوده الشخصى والمستمر.. حول هذا الأمر, أو ذاك. ومع كلّ ذلك.. كان وعلى الدوام, مُستمعاً جيّداً, حريصاً, على استماع كلّما تريد قوله, دون مقاطعة منه.. وبإنتباه من عنده منقطع النظير.. ومتعاطفاً, وصادقاً معك.. فوق كلّ ما تتصور.
 
لم أرى فى حياتى مثله, غير القليل.. فى ذلك المرء الذى يسعد لمجد ونجاح ليبي, ولا يعرفه!.. ويهبّ لنصرة ليبي آخر وآخر, وخصوصاً, ليبي آخر لا يعرفه.. ولو لم يكن بإمكانه أن يطوله بعونه, وبالوقوف بجانبه ومؤازرته, قدر ما استطاع, وبدون كلل أو ملل.
 
هكذا كان مصطفى البركى.. الذى أتذكره/ بكلّ فخر.. وهكذا اختار وقرّر أنّ ينشأ وأن يكون.. بدون تصنّع أو رياء.
 
لقد تشرّفت كثيرا بصدقً, أن عرفت فى حياتى أخى الفاضل الراحل, مصطفى محمد البركى, منذ الستينيات.. كصديق لى, شخصياً, ولنا ولعائلتنا الكبيرة, أسريّاً.. ونعم الصديق الصدوق كان..
 
ذلك الساعد الصادق, الذى تتأكّد أنّك ستلقاه فى الضراء, قبل السراء.. طوال أربعة عقودٍ قصيرةٍ من الزمن, مع الأسف.. غير أن (هذه) الحياة هي محطّة عبور, ليس إلاّ.
 
والآن, ها قد حان, زمان ومكان, رحيله من محطّة هذه الدنيا, إلى الفردوس.. ونحن هم اللاحقون قطعاً.. فقط, لا ندرى متى؟.. أو إلى أين؟
 
ولا غرابة فى استعجال مصطفى فى سباق هذه الحياة.. فلقد كان دائماً - عندنا - هو السبّاق.. أدباً, وشهامةً, ورجولةً...
 
فوداعاً, أيّها الصديق الوفيّ .. وداعاً أيها الأخ الكريم.. مصطفى محمد البركى.
 
عبدالنبى أبوسـيف ياسـين
abuseif@maktoob.info
 

 

 
 
 

للتعليق على المقال
الإسم:
العنوان الإلكتروني:
التعليق

 

تعليقات القراء:

 

نار: عظم الله أجرنا وأجركم فى المناضل سيدى مصطفى البركى.

 

 

جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع >>>> ليبيا المستقبل منبر حر لكل من يطمح ويسعى لغد أفضل لليبيا الحبيبة

 

 

libyaalmostakbal@yahoo.com