18/10/2007
 

رحيل الفارس سيدي مصطفي البركي ... دروس وعبر
 
بقلم: احمــد .أ. بوعجيـــلة

 
ليس كلماتي السريعة لتأبين أو ذكر مآثر فقيدنا الحاج مصطفي الكثيرة، فمحطة القطار النهائية قادمة لا محالة في المكان والزمان، والكيفية المكتوبة لنا جميعا دون إستثناء، فاجعلها اللهم "شـهادة " صادقة، وخالصة للعاشقين لها، والعاملين من أجلها.
 
قال لي في أخر حديث هاتفي معه وبلهجة بنغازية صرفة " ياخويا احمد إن شاء الله نلتقي في بلادنا ونديرلك عزومة مسوطة بالكسكسو وبريكات ليبية، مع طاسة شاي خضرة أو فنجان قهوة قد .. قد بيد العجيز الكريمة، ثم نجتر معا ذكريات بنغازي الحبيبة وقضية وطننا، بعد ما أصابه ما أصابه من هذا الظالم المستبد ". وقد فرح كثيرا عندما عرف إن قريبا لي هو من احدي اقرب أصدقائه، الذي ترعرع معه في شوارع البركة وأزقتها وملاعب الكورة ".
 
هكذا كانت، شئ من الأحلام والآمال المنتظرة، كثيرا ما سطرها في مواضيعه البسيطة في كلماتها، العميقة في معانيها ومصداقيتها ووطنيتا حيث كان سيدي مصطفي محبا لوطنه، غيورا عليه، وتهمه مصلحته ومصالح شعبنا الكريم، يحب أهله ويقدر ويحترم صغيرهم وكبيرهم، ويضع كل واحد يعرفه مقامه وقدره غير منقوص، وشاهد وعاصر استقلال البلاد، والكثير من رجالات بنغازي علي الأخص، وأحب عمله وتفنن فيه إتقانه وإجادته، فندعو وليه تعالي أن تكون أعمالهم الصالحة، وجهوده الكبيرة نورا يستضئ بها في قبره، وصدقاته برهانا له ومشاعل نورانية مضيئة يوم الظلمات ... رحل فارس في ديار الغربة والمهجر لم يتمكن من الحصول علي الإقامة الدائمة أو الجنسية البريطانية لأسباب كثيرة، ربما كما يقال ضغوطات الحكومة الليبية علي الانجليز حسب اتفاقيات مصالح ربما مع بلير في احدي زيارته لخيمة الصديق الجديد خادم الغرب، ومعينهم علي مكافحة علي الإرهاب، المهم لم يحصل علي الإقامة في الدنيا الفانية، ولكن سيعوضه الله تعالي خيرا من ذلك كثيرا " أقامة دائمة، ومتجددة وأبدية دوام السماء والأرض في جنات النعيم، يوم الحق الذي لا يظلم فيه الخالق مثقال ذرة، فشتان بين هذا وذاك، لو علم القوم وعقلوا.
 
رحل عنا سيدي مصطفي ببدنه، وتواجده الدائم في كافة الأنشطة واللقاءات الوطنية الليبية من مظاهرات والاعتصامات، وكل جهد يصب في تلكم الغايات الوطنية .... فرحل عنا روحا ونفسا تواقة للعمل والعطاء رحل جسدا، وسيكون نبراسا مضيئا يرفع من الهمم، ويشحنها قوة وبذلا، وعطاء ... رحل الجسد الطيب سيدي مصطفي، وستبقي الذكري الطيبة لأهله، وأقاربه، وأصدقائه، ومن عرفه وخالطه عن كثب وقرب، رحل سيدي مصطفي، وكان كل أملي معلقا أن أزوره، والتقي به، فذهب ولم يبقي لنا إلا الدعاء أن يجمعنا معه تحت ظل عرشه، يوم لا ظل إلا ظله، وذلك يوم ليس ببعيد.
 
رحل سيدي مصطفي في ديار الغربة، وقدر الله المحزن انه سيدفن في وطن ليس بوطنه وبين أهل ليس بأهله وبين عادات وتقاليده ومواريث ليست لنا، لكن "كرامة الميت دفنه "أينما كانت المنية فارض لله اولا وأخيرا ولن يضير دفنه هنا أو هناك فخير له من أن يرمى جثمانه الطيب للأسماك في البحر المتوسط كما فعل من سخر قلمه وجهده لمعارضته وفضح ألاعيبه وعبثه بخيرات البلاد ونهب أموالها وثرواتها مع أولاده وأقاربه واللصوص المرتزقة النبع منهم.
 
دروس وعبــــــــر
 
بالأمس القريب قبيل رحيل سيدي مصطفي عنا رحل الكثير في ديار المهجر والغربة ومع ذاكرتي الضعيفة اذكر منهم والعذر كل العذر لم تخونني الذاكرة أو لاتسع المقال لذكرهم الأمس فقدنا والفقد الوطن احدي ساستها الأخ عبد الحميد البكوش، والاخ حسين مازق والأخ حسين الفيتوري والأخ عبدالرحيم صالح، والدكتورة الصلابي ودكتور شعبان اسماعيل، والشيخ محمد بن غالي قتل برصاص غادر في محلة يوم عيد الفطر المبارك والشاب الاثرم والدكتورة مروة التاجوري ثم والدها رحمة الله عليهم جميعا، والأخ علي ساسى منذ يومين فقط.
 
رحل سيدي مصطفي ويكون من عجائب القدر أن يكون أخر مقالاته مقالا مدافعا علي أخي حسن الامين منطلقا من غيرته الوطنية اولا ثم بمدي معرفته الشخصية بالأخ حسن فالناس بشر وان اخطئوا وتعثروا وزلت ألسنتهم أو صارعتهم الغيرة الوطنية "ولا اقصد هنا أخي حسن كما قد يفهم البعض" فمن أنا أو أنت لتحكم أو تقيم هذا فلان أو ذلك ؟ وتصنف الناس حسب الأذواق والأمزجة أو العلاقات الشخصية أو التنظيمية. أو توزع رحمة ربى لهذا وتحرمها علي ذاك.
 
لقد تربينا ولله الحمد أن ننظر إلي الناس كل الناس كبشر، لا هم بملائكة معصومون من الخطأ، ولا هم أيضا إبليس شيطاني، يصب الحقد والحسد في أصولهم ومعادنهم، بل الإنسان كإنسان فقط، تتواز عه جوانب الخير والفضيلة الملائكية تارة، وتتجاذبه جوانب الشر والإفساد والاعتداء والحسد والحقد الابليسية الشيطانية اللعينة حين آخر، وبقدر قوتي الإيمان وتماسك المعتقد يكون الإنسان وينطلق ،، فلإسلام يجب ما قبله كقاعدة ذهبية جسدها وسطرها ديننا العظيم ومن أصوله الاجتماعية ففي الأسبوع الماضي حدثني صديق جديد قائلا "يااخي احمد لا تتصور بالأمس كنت شيوعيا بل يساري متطرف، ورجعت لبلادنا ورمي بي في غياهب السجون، وهناك فتح الله قلبي ونور بصيرتي فما أسعدني اليوم بعظمة الإسلام والإيمان واتمني من أعماق قلبي أن يفيض الله بهداه ونعمته علي أصدقائي من ذلك التيار العودة أو حتي محاولة التعرف علي عظمة وسماحة ويسر ديننا، ذلك الكنز الروحي العطر والقيم السامية والتصورات الراقية للحياة مصداقا لقوله" ونزلنا الكتاب تبيانا لكل شئ" انتهي هذا ما قاله شيوعي بالأمس القريب.
 
وبالأمس القريب هاتفني صديقا كريما توقف علي الكتابة عسي ان تكون استراحة المجاهد مباركا بالعيد اولا ثم عرجنا للحديث عن همنا الأول والأخير "الوطن الحبيب" ليبيا الغالية.. إلي أين ؟ وما الدور الحقيقي لمن يحبها ويعشقها ويسعى حقا من اجل خدمتها حسب موقعه ومكانه ومؤهلاته والتفاني في ذلك بالغالي والنفيس.
 
قال لي "يااخي احمد حدثني صديق راجعا لتوه من البلاد موضحا مالت اليه بقلب متوجع وعين دامعة لا تصدق أخي ماذا يجري في البلد ؟ ماذا حصل للشعب الليبي ؟ حالات التغييب الفكري والثقافي والعقائدي المتعمد ؟ حالات الإحباط والقهر والإذلال المتعمد، حالات الإمراض المتشفية من سرطان والسكر وهيبيتات، وفقدان الأسنان، وتساقط الشعر، والسمنة للسيدات، والكآبة .. الناس غير مبالية بما يجر ي في المؤتمرات الشعبية ولا تبالي ما تردده الفضائيات الليبية، ولا تسمع لتخاريف القائد الملهم المفكر العجوز، الناس في ذهول وإحباط يوميا، الغني ازداد غني وثراء، والفقير ازداد فقرا، ومرضا، وهموما.... يؤاخي إن اخطر ما تمر به بلادنا الحبيبة الإعلام الكاذب المزيف، والمزور والمضلل بتعمد، الممجد لأحلام القائد وفكر القائد وهرطقيات القائد، وتفسيراته البهلوانية في الشيعة والسنة والامازيغية .. والوعود المعسولة المسكنة لأي تحرك شعبي حقيقي يهز العروش ويحطم الأوثان .... هل لاحظت لقاؤه في شهر رمضان الكريم بالمرضي الرفاق" رفاق مظاهرة 61م ذكري انفصال سوريا علي مصر، وبالأمس القريب ضيع الملايين من الدولارات، وأثمن الأوقات في سبيل الوحدة العربية، وهيج الغوغاء من الجماهير، ثم طلقها بدون استحياء بالألف، ليهيم بخيالاته في أفريقيا ووحدتها وثرواتها وجيوشها، تلكم الدعوة الساقطة التي سلخت الجسد العربي، وحتى اتحاد المغرب العربي وطعنته في مقتله وسفهت أحلام شبابه، وتطلعات العقلاء المخلصين من أبناءه وساسته ومفكريها وعلماؤها وفقهاءها .... ولن تقام الوحدة الإفريقية بدون وحدة عربية اولا.
 
بالأمس فتح حدود بلادنا الحبيبة للآلاف من الأفارقة، قد يكون منهم المرضي وقطاع الطرق، وعاثوا في الأرض ما يعرفه الشعب في الداخل، واليوم أيها السادة فتح البلاد للإيرانيين الشيعة، وسيفتح لهم "الحسينية" لتعليم الشعب الليبي المذهب الشيعي وبطولات الحسن رضي الله عنه، ويدوخ الشباب ويلخبط عقولهم، وقد تزوجت العشرات من الفتيات الليبيات العانسات العراقين دون إدراك للخطر المحدق في المستقبل القريب ، ليس هذا فحسب فقد أغدق علي الأقباط بترميم كنائسهم وأمر بتنظيفها وإعادتها لهم، مثل اكبر كنيسة قبطية في مصراتة كما قال. فهل أدرك شعبنا في الداخل والمعارضة الداخلية والخارجية إنذارات سيدي مصطفي البركي المتكررة، وكتاباته التي تسطر دمعا، ودما، وصدقا، وحرقة علي وضع بلادنا ، ومستقبل أجيالها ؟
 
والدرس السريع الأخير في هذه العجالة أن "الوطن" أيها الاحبه باقى، شامخا لن تغيره وتؤثر في أركانه معاول الهدم والتنكيل بالمخلصين من شعبه، ونشر الذعر والخوف بين صفوفه، "الوطن" باقي يفتح صدره للمخلصين لخدمته، وتطويره، وتعليم أجياله، واستحداث مشاريعه ومخططاته وإعلامه ومسارحه، وفنونه وإبداعات أولاده، واختراعات علماءه، وتقنين شريعته ، والسعي به إلي ركب الحضارة ، ومنح كل إنسان حقوقه، وأماله والفرص لإعماله، واجتهاداته ومواهبه ،،، " الوطن باقي حيا ،، والنظام في ذاته أو لجانه الغوغائية، عدوة شعبها وتطلعاته والمعروفة فردا فردا في كل قرية، ومدينة استعدادا ليوم القصاص العادل سيزول حتما وينتهي .. فماذا أعدننا لفترة ما بعد سقوط النظام ؟
 
إنه لمن دواعي الألم والحزن أن يعجز المؤتمر الوطني للمعارضة الوطنية أن يعقد لقاءه الثاني، أمل سيدي مصطفي وغيره من الوطنيين لأسباب متعددة، وكثيرة لأمر مؤسف مخيبا للآمال والتطلعات الداخلية لشحذ أمالها ، وزيادة ثقتها في إخوانهم في الخارج، ثم نعجز أن نتصل بألف ليبي ثري مهاجر للتبرع بألف دولار فقط، وتلكم مليون دولار، كفاية لتغطية كافة المصاريف وزيادة ... ولكن الاختراق، وتخلخل الثقة وتصدعها، وعدم استشارة الخبير في جمع التبرعات، والتخوف المغشوش، وكثرة معاول الهدم والتشكيك في انعقاده، وكثير مما تعرفوا، ربما السبب الحقيقي في عدم انعقاده بعد.
 
أن مسئوليتنا اتجاه وطننا الحبيب، واحتراما لرغبات فقيدنا الحاج سيدي مصطفي تقتضي من المخلصين الجادين لخدمة الوطن، واستمرار المحاولة، والمسيرة والصبر، والسهر، واستحداث كافة الوسائل الشرعية والحضارية في هذا الشأن، تدفعنا لمزيد من العمل، والمراجعة والتقييم والاستشارة، واحترام الرأي والرأي الأخر، والتغاضي علي الخلافات الشخصية، وتقديم مصلحة البلاد علي المصالح الشخصية الآنية، ثم التجرد والصدق والأمانة، ومعرفة أصول الخلاف .. خلاف ذلك مازال النظام قائما، ومليون معمر ورثته، وربما سيورثه لأحد أولاده، وليذرف الشعب الليبي والعاملين لقضيته الدموع، والحسرات... كي يفهموا حسن العمل.
 
وختاما مع تقديم أحر التعازي والمواساة في فقيدنا الراحل لزوجته الكريمة الصابرة المحتسبة اتقد لبناته هند وأخواتها وأبناءه، وأقاربه، ومحبيه، وندعوه تعالي أن يلهمهم الصبر والسلوان، ونعاهد الفقيد المضي قدما للمزيد من العمل، ولن تضيع جهوده، فسيذكرها تاريخنا، وتكون مشعلا مضيئا، ودروسا وعبر للأجيال القادمة بإذنه تعالي .. واعملوا وعليه توكلوا، فالوطن باقي وأحلام فقيدنا ستخرج للنور في القريب.
 
المحب/ أحمــد أ بوعجـــيلة
Ablink95@yahoo.com
www.thenewlibya.info
 

 


أرشيف الكــاتب


 


للتعليق على المقال
الإسم:
العنوان الإلكتروني:
التعليق

 

تعليقات القراء:

 
 
 

 

جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع >>>> ليبيا المستقبل منبر حر لكل من يطمح ويسعى لغد أفضل لليبيا الحبيبة

 

 

libyaalmostakbal@yahoo.com