06/01/2010

انفصال جنوب السودان ومشروعية المبرر الثقافي
 
تقرير: إبراهيم حمودة (اذاعة هولندا العالمية - 06/01/2010)

 
ما زالت التكهنات والتصريحات والتمنيات تتوارد بشأن مصير جنوب السودان، الذي نصت اتفاقية السلام الشامل بين الحركة الشعبية لتحرير السودان والمؤتمر الوطني الحاكم على مبدأ منحه تقرير المصير، بموجب استفتاء شعبي بين سكان الجنوب في العام 2011. بواعث دفع هذا الموضوع وبقائه في الواجهة ليس اقتراب موعد هذا الاستفتاء المنصوص عليه فحسب، ولكن جملة من العوامل الأخرى علي رأسها أحداث السابع من ديسمبر الماضي عقب الصدامات ا لتي جرت بين رجال الشرطة، وتجمع القوى السياسية الداعية لمظاهرة سلمية احتجاجا علي قانون الأمن العام، والقوانين الأخرى المصاحبة للتحول الديمقراطي المنصوص عليها بموجب الاتفاقية، والتي يتلكأ المؤتمر الوطني في تنفيذ بنودها بحسب الاتهامات الموجهة من الحركة الشعبية، الشريكة في الحكم. في الوقت الذي ما فتئت فيه الحركة من ترديدها وإعرابها، عن تفضيلها لبقاء الجنوب كجزء من السودان الموحد، إلا أن واقع الحال وتقارير المراقبين تشير إلي أن الجنوب عمليا في حالة انفصال الآن، ولم يتبق سوى إكمال هذا الأمر إجرائيا عن طريق إجراء الاستفتاء. مسئول بارز بالمؤتمر الوطني الحاكم اتهم الحركة الشعبية بتضارب المواقف وتعدد الألسنة، فحين تلتقي الحركة مع قوى المعارضة تتحدث عن التحول الديمقراطي، وحين تتحدث إلى الأحزاب الجنوبية تتحدث عن تقرير المصير، أما مع المؤتمر الوطني فيدور الحديث حول الوحدة الجاذبة.
 
الوحدة الجاذبة
 
شكت الحركة مرارا من تلكؤ المؤتمر الوطني في تنفيذ بنود اتفاقية السلام الشامل، الموقعة بين الطرفين في العام 2005، وخاصة فيما يتعلق بقوانين التحول الديمقراطي، مثل قانون الأمن العام وقانون الاستفتاء الذي صوتت عليه كتلة المؤتمر الوطني بالبرلمان في غياب كتلة الحركة الشعبية، التي كانت قد انسحبت اثر خلاف بين الطرفين حول ذات القانون. وهو أمر مضاف إليه أمور وأحداث كثيرة أخرى منها اعتقال وزير دولة بوزارة الداخلية تابع للحركة، ومعه رئيس قطاع الشمال بالحركة السيد ياسر عرمان، والأمين العام للحركة باقان اموم، وذلك أثناء المظاهرة السلمية بالعاصمة السودانية التي قمعتها الشرطة بقسوة حسب ما ورد في وسائل الإعلام. هي كلها عوامل خلصت الحركة بناءا عليها إلى أن سياسة المؤتمر الوطني لا تجعل من الوحدة بهذه الطريقة خيارا جاذبا، مما يعني ضمنيا أن التصويت على الانفصال أمر لا مفر منه. غير أن مسئولي الحركة ومنهم قائدها سلفا كير ميارديت ظلوا يؤكدون أن الانفصال ليس قرارا سياسيا يتم اتخاذه في قيادة الحركة الشعبية، وإنما رغبة شعبية ستنصاع لها الحركة حال تصويت أغلبية الجنوبيين بذلك في الاستفتاء القادم.
 
مطلب متواضع
 
تشير الوقائع إلي أن مثل هذا الانفصال بين جنوب وشمال السودان إن حدث، فسوف لن يكون أمرا غريبا من نوعه في تاريخ الدول والشعوب. ولكن نظرة البعض من ساسة ومفكرين ورجال صحافة سودانيين يشوبها نوع من ا لتقديس لفكرة الوحدة بين شقي السودان دون الأخذ في الاعتبار دواعي ومحركات الفكرة من أساسها، ورغبات مواطني جنوب السودان الذين طالبوا منذ عشية استقلال السودان بنوع من الفيدرالية، تضمن لهم الحكم الذاتي كشرط لموافقتهم علي إعلان الاستقلال، وهو مطلب متواضع تم رفضه من قبل كل الحكومات المتعاقبة منذ الاستقلال، باستثناء نظام الرئيس نميري الذي وقع اتفاقية أديس أبابا في العام 1972 مع الجنوب ليعود وينقض ذلك بعد عشر سنوات في العام 1983.
 
الثقافة وإعادة صياغة الإنسان
 
واحدة من الشعارات التي رفعها المؤتمر الوطني ونظام الإنقاذ حين وصوله لسدة الحكم، هو شعار صياغة الإنسان السوداني وفق تصورهم وبرنامجهم الإسلامي، وهو أمر أدى لإكساب الحرب بين الحركة الشعبية والجيش السوداني بعدا دينيا جهاديا، وهو طابع لم تأخذه الحرب بين الشمال والجنوب منذ اندلاعها في الخمسينيات من القرن الماضي. كما انطبع ذلك على عقيدة الجيش السوداني القتالية، وهو جيش يضم مختلف السودانيين باختلاف ديانتهم بما فيها المسيحية. وبما أن حركة الثقافات وتأثيراتها المتبادلة داخل المجتمع لا يحكمها مبدأ القسر، إلا أن المؤتمر الوطني وحكومته واصلوا محاولة تسريع عملية الذوبان الثقافي في الشخصية السودانية حسب تصوره، الأمر الذي شمل حتي المظهر الشخصي حيث تتعرض الفتيات من جنوب السودان للاعتقال والمحاكمة بتهمة ارتداء البنطال، أو أزياء أخرى ترى السلطات أنها غير محتشمة، في الوقت الذي تكون فيه الأزياء التقليدية لبعض القبائل الجنوبية لا تستر إلا القليل مقارنة بالبنطال قياسا بالمواصفات المطلوبة للمظهر.
 
المسيحية مقابل الإسلام
 
بهذا الفهم تحدث الطيب مصطفى، أحد قادة المؤتمر الوطني بضرورة التخلص من جنوب السودان بتسهيل عملية الانفصال باعتبار الفروقات الاثنية والدينية بين الشمال والجنوب. وهو حديث يفترض بداهة الانسجام في الشمال السوداني، العربي المسلم. وهي فرضية تقفز على حقيقة وواقع التعدد والتباين الكبير أيضا من الناحية الاثنية والثقافية والدينية. ربما يكشف هذا الاتجاه عن نية المؤتمر الوطني في حصر المضي قدما في إعادة صياغة الإنسان السوداني على شمال السودان، وتوطيد نظام الحكم فيه علي أساس إسلامي مقابل دولة مسيحية جنوبية. في المحصلة النهائية فإن انفصال الجنوب، إن حدث فإنما لعوامل تاريخية وجغرافية وتنموية
وانعدام ثقة نتيجة للمظالم التي تعرض لها سكان الجنوب، أما العامل الثقافي فلم يكن يوما في الواجهة قبل أن تتحول الحرب بين الشمال والجنوب إلي حرب دينية جهادية في عهد الإنقاذ، ضحايا الجيش السوداني فيها للجنة وضحايا الحركة للنار بحسب الآلة الإعلامية للإنقاذ طوال سنوات الحرب.
 
نقلا عن اذاعة هولندا العالمية
للتعليق على التقرير
الإسم:
العنوان الإلكتروني:
التعليق