13/01/2010

الأخوان في مصر: صراع غامض...
ومستقبل أكثر غموضا
 
طارق القزيري

 
في وقت تستعد فيه جماعة الأخوان المسلمين لإعلان اسم مرشدها العام الجديد، من بين القياديين، محمد بديع ورشاد اليومي، وذلك بنهاية ولاية أولى لم يتم تجديدها للمرشد السابق مهدي عاكف، تمر الجماعة بواحدة من أخطر المنعطفات في تاريخها، خاصة وأن خلافاتها، باتت شأنا عاما ولم تقتصر على أروقة الجماعة ودهاليزها... لكن حجم تأثر الجماعة فعلا بذلك وكيفية ذلك، هي مدار جدل كبير، في واحدة من أكثر الأطراف السياسية والإيديولوجية تأثيرا في التاريخ السياسي العربي الحديث.
 
صراع.. وغموض
 
ولم ينف القيادي اللامع في الجماعة عصام العريان في مقال كتبه وجود أزمة قائلا " هناك أزمة حاليا، ولكن سبقتها في تاريخ الإخوان أزمات أشدّ وأخطر (...) وقد كان إصرار الإخوان على تجاوز تلك الأزمات (...) قوياً مهما كانت الخسائر." ولكن طارق كحلاوي أستاذ دراسات الشرق الأوسط بـ "جامعة روتجيرس" بفرجينيا بالولايات المتحدة، يرى غموضا مختلفا في الأزمة "القضية ليست في وجود الصراع من عدمه، بل في طبيعة هذه الصراع، فما ينشر في الإعلام يصوّره خلافا بين إصلاحيين ومحافظين، لكن استقالة محمد حبيب – وهو يعتبر إصلاحيا - الذي أعترض سابقا على تصعيد العريان لمكتب الإرشاد، وعدم وجود برنامج إصلاحي محدد الملامح لدى أي طرف، يجعل القضية غامضة بالفعل". كما يقول للقسم العربي بإذاعة هولندا. وبلغت شدة الخلاف إلى أن السيد محمد حبيب قال رويترز تعليقا على انتخابات الجماعة الأخيرة أنه "يمكن للحكومة أن توفر أجواء ومقدمات ما للوصول إلى نتيجة تريدها... الأجواء التي وفرها النظام توافقت مع أهداف الفريق المستفيد من إجراء الانتخابات في الوقت الحالي."
 
مربع التحديات ومثلث الرهانات
 
ولكن هل كانت الأزمات السابقة فعلا أخطر؟ وهل يمكن للجماعة تجاوز الأزمة الراهنة؟ ربما يمكن النظر في ذلك عبر تحليل (مربع من التحديات) و(مثلث أخر من الرهانات) ومدى تأثر الثانية بالأولى حيث يتحدد بتلك المعادلة وآلية إدارتها مستقبل الجماعة الأشهر في تاريخ الإسلام السياسي المعاصر.
 
التحديات:
 
► أولها المواجهة الأمنية
 
أسهمت الضربات الأمنية بالغة العنف وحتى الدموية، من قبل النظام المصري تاريخيا لتأسيس نمط وعقلية ومنهج تعامل لدى الجماعة يعتمد على شكل من السرية والانكفاء الداخلي، والاهتمام بتقوية الجماعة عموديا عبر التنشئة "الإيمانية"الداخلية بضمان ولاء الأعضاء للجماعة، وأفقيا بزيادة تمدد الجماعة ضمن المؤسسات المدنية والنقابات والجامعات والمجتمع عموما. لكن المواجهة الأمنية، ومع تزايد شعارات حقوق الإنسان والحريات محليا ودوليا، أدى لتراخي تلك القبضة، ما حدا بالتفاعلات الداخلية للجماعة بان تتغير تبعا لذلك لصالح نوع من الاسترخاء أدى لتغيير أنماط التفكير لدى أجيال لم تعش الأزمة فعلا، مقابل نواة التنظيم او القطبيين، وارثي محنة 1965، الممسكين حتى الآن بزمام الجماعة. ولاشك ان هذا التغيير يفرض مهمة تفكير جديد مختلف ومناسب. من هنا يشكو القيادي عبد المنعم أبو الفتوح لوكالة رويترز كون الجماعة "زادت محافظة في فكرها بعد سنوات من القمع وحجب حريتها في التجمع والمشاركة" ويضيف "مساحة الاتفاق بين شخصي الفقير وبين قيادات أخرى (هي) مساحة كبيرة. لكن شكلا من أشكال الأداء عند البعض عندنا يتسم بالتزمت والتشدد وأنا ضد هذا."
 
► ثقل الثقل السياسي
 
والتحدي الثاني هو الثقل السياسي، فالمشاركة السياسية للجماعة، ودخول الناجح للعبة الانتخابات البرلمانية، وثقلها النيابي الحالي بمجلس الشعب، فرض على الجماعة حقيقة أن لها جناحين، احدهما قيادة الجماعة، والثاني أعضاؤها البرلمانيون، ولا يدل على بروز الاختلاف من دعوة فريد عبد الخالق أحد الشخصيات التاريخية للجماعة "الذي دعا برلمانيي الجماعة لتشكيل حزب سياسي وأن يفصلوا بين الأداء الدعوي والسياسي". فالجسم السياسي للجماعة يتزايد وعيه بذاته أولا، وبتغير رؤيته لظروف الجماعة، نسبة لقيادة الجماعة.
 
► السلفية وتأثيراتها
 
"النمو السلفي" هو ثالث تحديات الجماعة، فالجماعة التي عرفت دائما، كيف تستوعب مختلف الإسلاميين مهما اختلفت توجهاتهم وتباينت مستوياتهم، تواجه اليوم انتشار التوجه السلفي في المجتمع المصري عموما، يقول السيد كحلاوي في حديث لإذاعة هولندا "لم يكن معروفا على الإخوان تمسكهم بالإسلام الخارجي كاللحية واللباس وغيره، واليوم بات النقاب والحجاب والمظاهر الخارجية، ترتبط بالجماعة أكثر فأكثر، ولا يقتصر الأمر على هذا، ولكن مع نمو هذا التوجه داخل قيادة الجماعة، فسيكون له تأثير على تفكيرها العام، وحتى تحالفاتها الإقليمية، ضمن رؤية التيار السلفي الذي يرى نفسه ضمن إطار أهل السنة والجماعة، بما يعني هذا من دلالات طائفية ربما، في مواجهة مشاريع أخرى لدول وجماعات مختلفة كإيران وحزب الله مثلا". وقد قال ناجح إبراهيم احد قيادي الجماعة الإسلامية المصرية أن جماعته بعد مراجعاتها باتت في مربع واحد مع "الإخوان المسلمون".
 
► الإنترنت والميديا الجديدة .. الشفافية والكفاءة
 
رابع التحديات هو "ثورة الاتصالات وتحدي المعلوماتية" فالجماعة التي كانت هي مصدر أخبارها لأعضائها، وترسم توجهات الرأي العام داخلها، باتت اليوم مجرد طرف واحد من أطراف عدة تتناولها، ولم تعد قاعدة الجماعة ترضى بالغموض أو التصريحات التعبوية والإيمانية، وعلى موقع مثل الفيسبوك، او مدونات شخصية أخرى، يكتب نشطاء الإخوان نقدا مريرا لقيادتهم، سواء لعدم شفافيتهم أو عدم كفاءتهم الإعلامية مثلما حدث عند استضافة قناة الجزيرة للأمين العام للجماعة محمد عزت. وهو ما حدث أيضا عند نشوب أزمة تصعيد عصام العريان لمكتب الإرشاد.

الرهانات:
 
ربما يمكن الاختلاف حول مدى تأثر الجماعة بهذه التحديات، وكذلك مدى قدراتها على الاستجابة لها، لكن أيا يكن الحال، فإن الرهانات القادمة على الجماعة تتطلب منها لتخرج من عنق زجاجتها، وبلغة السيد عصام العريان نجاح "الإخوان في استعادة الثقة في أنفسهم (...) وبالتالي يستعيدون ثقة الناس". تتطلب مراعاة الفصل في قضايا منها ثلاث جوهرية:
 
► آلية القيادة ومدى التجديد:
 
وفي مقاله يحدد العريان مواد معينة في لوائح الإخوان يجب تفعيلها، لكن مجرد تفعيل القوانين ربما لم يعد كافيا ويرى كحلاوي أن "رفض الفصل بين الدعوي والخيري والسياسي، يعني أن الإصلاح مجرد أمنية، بعيدة عن الجماعة، ويحيل مشروعها ذلك لتكرار تجربة في ظروف مختلفة. رهان الجماعة في تطوير مؤسساتها وهيئاتها، وفق نفس اللحمة السابقة، وهذا ما يعني عدم الاكتفاء بالشعارات "والحب في الله" وحتى الآيات القرآنية، بل بالاعتراف بأن الخلاف السياسي نفسه ليس عيبا، وأن هذه الأزمة لا تعني سوى عدم قدرة الجماعة مؤسساتيا على تفريغ حمولة تناقضاتها الطبيعية بشكل سلس وديمقراطي.
 
► الرهان الثاني النظر في نمط الأداء السياسي:
 
فتجربة الأخوان بقدر ما هي مقيدة بمنافسها الحزب الوطني الذي يحتكر المنافذ في الغالب المطلق، فهي لم ترق لتشكل بديلا سياسيا فعليا، واقتصرت مداولاتها البرلمانية على قضايا أخلاقية محض، أو مناصرة قضايا مثل غزة. وتطوير الأداء السياسي، سلاح ذو حدين فمن جهة يبدو ضروريا لتكون مشاركتها حداثية ومناسبة، وتمنع عنها النقد بقصورها ومراهقتها السياسية ومن جهة أخرى فكما يرى طارق كحلاوي "كلما توغلت في السياسية كلما تخلت عن خطابها المقدس وصارت أكثر دنيوية، ووافية". والرهان هو مقاربة جديدة من الجماعة للموازنة بين الحدين، بما لا يصرف عنها قاعدتها، ولا يثنيها عن مشاركة سياسية فاعلة تحتاجها هي نفسها، في خدمة مشاريعها وأهدافها.
 
► الرهان الثالث الأجيال الجديدة:
 
برغم كل الضجيج الذي يقال عن الأجيال الشابة في جماعة الأخوان المسلمين، إلا أن هذه الشريحة أثبتت عدم فعاليتها على الأقل بالشكل الذي ترسم به من خارج الجماعة، فانتخابات مكتب الإرشاد، بينت أن تأثيرات تلك الأصوات محدودة في داخل جسم الجماعة، ويرى كحلاوي إضافة لهذا أنن "ثمة تضخما في صورة الجيل الجديد، لا يعكس وزنه الحقيقي، ولكن ربما يؤدي هذه التمايز لتوعية المجموعة بنفسها أكثر، وجعلها أكثر انتقادا". وفي هذه الحالة فإن عدم قدرة الجماعة على استيعاب هذه الأصوات وهي نوعية بالفعل، سيحرمها من مدد شبابي يزيل – أو يخفف ترهلها – بعد تجاوزها للثمانين عاما.
 
مستقبل الأخوان يبدو غامضا، بسبب أن قدرة الجماعة على تفعيل قدرة مؤسساتها الداخلية، لازال مثار سؤال كبير، وهل يمكن ان يكون هنا أبلغ من كلام ابوالفتوح "اذا دارت عجلة الديمقراطية وانفتح المناخ الديمقراطي قد يكثر الاخوان المسلمون ويصبحون عدة (جماعات)... ممكن أن ينشأ تنظيم أقوى من الاخوان كما هم الان أو ممكن أن يكونوا خمسة أو ستة تنظيمات أو أكثر." إذا بتحدياتها ورهاناتها... سيظل المشهد السياسي المصري – وخلفه العربي عموما – في انتظار لون الدخان الأخواني المنبعث، وستكون الانتخابات البرلمانية المصرية القادمة، إشارة حاسمة، لمعرفة هل استطاعت الجماعة فك إسار تجربتها، والدخول في جدلية واقعها؟ أم تعزز انكفاءها، على اجتماعات الأسر، وقراءة الأوراد.. وانتظار المجهول أو ربما حتى "أسمى الأماني"؟؟.
 
abusleem@gmail.com
 

* سبق لي نشر هذه المادة على موقع إذاعة هولندا العالمية يوم الأحد، 10 يناير 2010 على الرابط التالي >>> هنا  <<<
للتعليق على التقرير
الإسم:
العنوان الإلكتروني:
التعليق