06/03/2010

"نرفض توظيف قضية المآذن للإسـاءة إلى سويسرا"

 
في الأشهر الماضية، نظمت تظاهرات متفرقة للمطالبة بالإفراج عن الرهائن المحتجزين في ليبيا واليوم ينضم مسلمون سويسريون إلى هذه التحركات

 

بينما تتوالى فصول الأزمة بين ليبيا وسويسرا تباعا، متراوحة بين مؤشرات إنفراج محدودة وانتكاسات تعيد توتّر الأوضاع من جديد، تمثلت آخر التطوّرات في إعلان الزعيم الليبي "الجهاد" ضد سويسرا، وفرض بلاده مقاطعة تجارية وإقتصادية "شاملة" عليها. الإجراءات الليبية قوبلت بالرفض والإنتقاد من جانب الإتحاد الأوربي والأمم المتحدة، ولدى شريحة مهمة من الأقلية المسلمة في سويسرا، ودعا مسلمون إلى التظاهر يوم السبت 6 مارس في العاصمة برن ضد "إعلان الجهاد ضد سويسرا"، وللتعبير عن دعمهم لماكس غولدي، الرهينة السويسرية الذي لا يزال يقبع في أحد السجون الليبية. swissinfo.ch حاورت عبد المولى لمهنغر، العضو في المجلس البلدي لمدينة "رومون" بكانتون فريبورغ وأحد المشرفين على تنظيم مظاهرة برن وإستوضحت منه مبررات هذا التحرك والرسائل التي يرغبون في إيصالها للداخل وللخارج.
 
Swissinfo.ch: لماذا هذه المبادرة الآن؟
 
عبد المولى لمهنغر: تأتي هذه المبادرة في لحظة تواجه فيها بلادنا ضغوطا من عدة جبهات، على الجبهتين الأوروبية والأمريكية. وقبل أيام حاول الزعيم الليبي معمر القذافي أن يفرض نفسه طرفا في الجدل الدائر حول المآذن في سويسرا فكانت هذه القطرة التي أفاضت الكأس لأنه سبق وأن وظّف اليمين المتطرف ملف المسلمين لتحقيق أغراضه الإنتخابية وهذه المرة يهاجم القذافي باسم الجهاد وباسم الإسلام سويسرا، لذلك قررنا الخروج عن الصمت ورفض أي توظيف لقضايا المسلمين من أجل الإساءة لصورة هذا البلد ومصالحه، وأردنا أن نقول لا نريد أن نكون طرفا في الصراعات التي يخوضها النظام الليبي على الساحة الدولية مرة باسم القومية العربية، وأخرى باسم التضامن الإفريقي، واليوم باسم الإسلام والجهاد ضد الكفر. نريد أن نكون مواطنين سويسريين كغيرنا، مواطنين قرروا هذه المرة النزول إلى الشارع للتعبير عن تضامنهم، ولكي يقولوا بصوت عال: نرفض أي إساءة لسويسرا.
 
"لا للإساءة لبلدي".. لماذا اخترتم هذا الشعار للتعبير عن حركة المواطنة هذه؟
 
عبد المولى لمهنغر: هذا الشعار لم نبدعه نحن بل يعود إلى سنة 2003 بعد تعرض الدار البيضاء المغربية لموجة من الهجمات الإرهابية وتعددت آنذاك تحرّكات الشارع المغربي للتعبير عن رفضه لتلك الأعمال التي تسيء إلى الوحدة الوطنية وإلى الإسلام. نحن نعرف جيدا الأضرار التي تنتج عن العمليات الإرهابية لأننا عشناها عن قرب والعالم الإسلامي يعاني أكثر مما يعاني الغرب من هذه الظاهرة. الخوف من الإرهاب هنا نظري أما هناك فالناس يواجهون العنف كل يوم. اخترنا هذا الشعار لأن هذا بلدنا، وهو جزء منا، ونحن جزء منه. نحن سويسريون وثقافتنا إسلامية، ونشارك مواطنيه قيمهم الديموقراطية واحترام حقوق الإنسان. ربما أدت نتائج (استفتاء) 29 نوفمبر 2009 إلى تحول المسلمين إلى مواطنين من الدرجة الثانية، هؤلاء المسلمون هم أنفسهم يقولون اليوم إنهم فخورون بانتمائهم إلى هذا البلد، وإنهم مستعدون للدفاع عنه وأن ولائهم الأول سيظل له.
 
ما هي ردود الفعل التي وصلتكم على هذه المبادرة؟
 
عبد المولى لمهنغر: هي ردود فعل متباينة خاصة بعد التغطية الإعلامية الواسعة التي حظيت بها هذه الحركة والتي أكدنا من خلالها على بُعد المواطنة مستبعدين الحديث عن الآليات التي تقف وراءها وأكدنا على تلقائيتها. فقد تلقينا تأييدا شعبيا واسعا وهذا في حد ذاته مهم جدا بالنسبة للمسلمين الذين يجب أن يأخذوا أمورهم بأيديهم، وألا يفوّتوا الفرصة لأن الوقت مناسب. أما داخل الأقلية المسلمة فردود الفعل في غالبها إيجابية لكن لا ننكر وجود بعض المؤاخذات والانتقادات، وبالتأكيد نحن في أعين البعض عملاء أو مستأجرين لخدمة أجندات الآخرين، وبإمكان أي جهة أن توجه الاتهامات التي تريد. نحرص على الوضوح والشفافية مع مواطنينا السويسريين وإن جاءت المؤاخذة من بعض الجهات داخل الأقليات المسلمة. الإحساس بالمواطنة عملية تُبنى مع الوقت وعبر الإلتزام والفعل، ستظل هناك أطراف مقاومة لهذا المسعى، وسنلتزم تجاهها منطق الإقناع والحوار عبر آليات الديمقراطية وتأكيد الولاء الأول لبلدنا وثانيا لديننا وثقافتنا.
 
تضم الجالية المسلمة في سويسرا العديد من المنظمات والاتحادات، لماذا اخترتم العمل من خارجها؟
 
عبد المولى لمهنغر: لم نختر العمل على هامش هذه المنظمات. حرصنا منذ البداية أن تكون حركتنا حركة مواطنة ووجهنا النداء للجميع، لكن البيان الرسمي الذي أصدره اتحاد الجمعيات الإسلامية بكانتون فو كان مخيبا للآمال على مستوى الصياغة والمضمون. وعلى هذه المنظمات أن تعتني أكثر بخطابها. ثانيا نحن أردناها فعلا حركة تلقائية غير ممأسسة. والمظاهرة التي ننظمها في برن ليست إلا مظاهرة رمزية.
 
يمثل الزخم الإعلامي الذي وجدته هذه الفكرة نجاحا مهما في حد ذاته، إذ استطعنا خلال ثلاثة أو أربعة أيام إعادة بناء صورة المسلمين في سويسرا، أمر عجزت عن فعله جمعيات ومنظمات عملت على امتداد أكثر من 15 سنة. ما كشفت عنه هذه المبادرة أيضا هو الحاجة الماسة اليوم لانخراط المسلمين كأفراد في التعريف بوجودهم إلى جانب الهيئات والمؤسسات، حركة أفراد يقدمون الإنتماء للوطن في علاقتهم بمحيطهم على الانتماء الديني. نحن مواطنون في هذا البلد قبل أن نكون مسلمين.
 
وقوفكم في هذه الأزمة مع طرف دون آخر، ألا يشكل انحيازا غير محمود؟
 
عبد المولى لمهنغر: صحيح هناك في هذه الأزمة طرفان: طرف يلتزم مبادئ القانون والديمقراطية، وطرف آخر يحتكم لمنطق آخر. وإذا خيرتني مع أي طرف أكون أختار الطرف الأول لأنني متمسك بمبادئ الديمقراطية. هذه الأزمة كان يمكن أن تُحل ببساطة من خلال هيئة تحكيم دولية، لكن ليبيا لم تف بالتزاماتها التي تعهدت بها خلال زيارة هانس رودولف ميرتس، رئيس سويسرا، الصيف الماضي، ولم تلتزم بأي تعهدات قطعتها على نفسها في هذه القضية. كذلك يعود هذا الفشل إلى جهل السويسريين بمفهوم "الشرف" الذي يحتكم إليه المنطق القبلي. ولو استعانت سويسرا بعالم أنتروبولوجيا لوجدت حلا لأزمتها مع ليبيا منذ زمن طويل.
 
هذا عن الرسائل الخارجية، فما هي الرسالة التي أردتم إيصالها للمنظمات والاتحادات التي لم تستجب لندائكم؟
 
عبد المولى لمهنغر: رسالتنا إليهم هو أن المواطنة قبل كل شيء لأنها الضمانة الوحيدة لتحقيق المساواة بين الجميع أمام القانون، وباسم القانون فقط نستطيع حماية الحق في الإختلاف. هذان الحقان لا يمكن الظفر بهما إلا من خلال الفعل والمبادرة والاحتكام إلى القانون عند الضرورة. نحن لا نرفض أي تأييد للمسلمين في سويسرا إذا كان صادرا عن بلدان ديمقراطية أو عن منظمات دولية أو عن محكمة حقوق الإنسان أو منظمة العفو الدولية... أما أن يُعلن الجهاد ضد سويسرا باسم الإسلام والمآذن فهذا منطق خاطئ لا نقبل به.
 
تتهمون الزعيم الليبي باستخدام قضية المآذن في صراعاته الدولية، البعض يتهمكم أنتم أيضا باستخدام الأزمة الليبية ذريعة لكسب الشرعية على حساب المكونات الإسلامية الأخرى في سويسرا؟
 
عبد المولى لمهنغر: ليست لدينا أي خطة أو نية لتمثيل أي طرف، ونحن مواطنون تحركنا بدافع المواطنة البحتة وبشكل تلقائي وليس للبحث عن زعامات مهما كانت طبيعتها. وإذا كان من بُعد مستقبلي لهذه الحركة فهو تعزيز للانتماء لهذا الوطن وإرساء طريقة جديدة للتواصل معه، ومنهج للعيش المشترك برغم الاختلاف. نحن لا نبحث عن أي شرعية، لأننا لسنا في منافسة مع أي طرف لا على المستوى الفردي ولا الجماعي. ليست هذه أولى مبادراتنا حيث سبق أن خرجنا يوم 23 ديسمبر 2009 إلى الشارع لمشاركة المواطنين احتفالاتهم أعياد الميلاد وتقاسمنا معهم أفراحهم. حدث هذا برغم نتائج استفتاء 29 نوفمبر 2009، وبالتالي فمبادرة 6 مارس ليست سوى فرصة أخرى لـتأكيد انتماءنا لهذا الوطن الذي وفّر لنا الأمن والعيش الكريم.
 
أجرى الحوار في لوزان: عبد الحفيظ العبدلي
 
نقلا عن سويس إنفو
http://www.swissinfo.ch/ara/detail/?cid=8423046
 
للتعليق على الخبر
الإسم:
العنوان الإلكتروني:
التعليق