23/10/2006

 
 

 

هيئة المتابعة

 
بسم الله الرحمن الرحيم
 
تقرير سياسي عن ليبيا
 
من إعداد اللجنة السياسية (7 أكتوبر 2006)
 
تمهيد
الدستور الليبي ودولة الاستقلال
 
لم تكن ليبيا دولة مستقلة، ذات حدود واضحة، معترف بها دوليا، إلا بعد الحرب العالمية الثانية، عندما صدر قرار الأمم المتحدة رقم 289، والذي نص على أن تكون ليبيا دولة مستقلة ذات سيادة، في موعد أقصاه الأول من يناير، 1952 وعلى أن يوضع دستور للبلاد، بواسطة جمعية وطنية، تضم ممثلين عن السكان، وبمساعدة الأمم المتحدة.
 
لقد كانت ليبيا أول دولة تنال استقلالها بقرار من الأمم المتحدة. وأول دولة يشرف على صياغة دستورها مفوَّض خاص من الأمم المتحدة.وأول دولة يُقر دستورها قبل استقلالها.ففي حين صدر الدستور في 7 أكتوبر 1951، تم إعلان الاستقلال في 24 ديسمبر 1951. كان الدستور الليبي متقدما على أنظمة الحكم في المنطقة، حتى وصفه قانوني مصري شهير بأنه:"فوق المستوى السياسي لأيّ قطر عربي". وقد صرح السيد أدريان بلت، مفوّض الأمم المتحدة، في ليبيا:"إن دستور ليبيا قد توخى تطبيق الروح الديمقراطية واحترام الحريات الإنسانية. "
 
وبناء عليه تأسس نظام حكم ملكي دستوري قائم على فصل السلطات في وجود برلمان منتخب، ومؤسسات مجتمع مدني ناشئة، تمثله جمعيات أهلية، ونقابات مهنية، واتحادات عمالية وطلابية، تتمتع بالاستقلالية عن السلطة، وتعبر عن مطالبها بحرية في ظل دستور يضمن الحقوق الإنسانية، والحريات المدنية، ومساواة المواطنين أمام القانون، وحق الانتخاب للمرأة، وحرية الصحافة. وطوال سنوات الحكم الملكي، من يوم قيام دولة الاستقلال في 24 ديسمبر 1951، إلى يوم قيام الانقلاب العسكري في الأول من سبتمبر 1969، تمتع الشعب الليبي بنظام حكم ديموقراطي رشيد، وإن لم يكن مثاليا، إلا أنه كان يتطور إلى الأفضل، سياسيا واقتصاديا واجتماعيا. فعندما نالت البلاد استقلالها كانت في أقصى حالات الفقر والتخلف. ولم يكن في ليبيا في بداية الخمسينيات أية بنية تحتية تذكر، فقد كانت البلاد تفتقر إلي أبسط احتياجات الصحة والتعليم والمواصلات، ولم يكن في البلاد عمالة ماهرة أو جهاز إداري قادر. وكان اغلب سكان البلاد، الذين لم يتعدى عددهم المليون نسمة، يتعيشون على حد أدني من الكفاف.
 
رغم كل هذه الصعوبات، قامت الحكومات المتعاقبة تحت رقابة البرلمان المنتخب بوضع سياسات اقتصادية ومالية في إطار الدستور الشرعي الذي أقرته الأمة بإرادتها للنهوض بالبلاد اقتصاديا؛ وبدا الحث السريع في وضع أسس المجتمع الحديث وتطوير البنية التحتية للبلاد. وتمت إقامة المؤسسات الإدارية وتشريع القوانين التجارية، وتأسيس البنك المركزي، وتحديد ميزانية الدولة من مداخلها ومصروفاتها. وقد كان الاهتمام الكبير بقطاعي الصحة والتعليم وإنشاء الجامعة الليبية وإيفاد الطلبة إلى الجامعات بالخارج ثم مشاريع الإسكان لذوي الدخل المحدود والضمان الاجتماعي خير دليل على التوجه الوطني الصحيح الذي ميز ذلك العهد الذي كان حرصه في المقام الأول الاستثمار في الوطن والإنسان الليبي.
 
ولقد صاحب هذا التطور الاقتصادي بناء مؤسسات المجتمع المدني من اتحادات ونقابات وجمعيات خيرية. ولابد هنا من الإشارة إلى أن هذا الرعيل الأول من المسؤولين، رغم قلة الإمكانيات المتاحة له ماديا وتعليميا، إلا أنه اتخذ موقفا متقدما ومميزا في موقفه من قضية المرأة الليبية. ففتح باب التعليم على مصراعيه للنساء وتم حث الأباء والأمهات في الإعلام على تعليم أبنائهم وبناتهم. ولم تكن هناك عقبات أمام التعليم المختلط في الجامعات وتوظيف النساء وسن القوانين التي تضمن للمرأة حقوقا مساوية في العديد من المجالات. وفي ظل حالة الاستقرارهذه، استطاع القطاع الخاص أن يساهم في حركة البناء وعاشت ليبيا خلال هذه الفترة ازدهارا اقتصاديا غير مسبوق في تاريخها وشهدت ارتفاعا كبيرا في كافة مؤشرات التطور و النمو كمستوى المعيشة ومتوسط مستوى الأعمار، وعدد الخريجين من الثانويات والمعاهد والجامعات.
 
تدهور الأوضاع منذ انقلاب 1969

لكن المسار توقف عندما قامت مجموعة غير معروفة من الضباط الصغار بانقلاب عسكري في سبتمبر 1969. ولا شك أن الانقلاب لاقى تأييدا شعبيا في السنوات الأولى عندما رفع شعارات قومية (بعد سنتين فقط من هزيمة يونيو 1967) كالوحدة العربية ودعم قضية فلسطين ثم جلاء القواعد الأجنبية، الأمر الذي أعطي الانقلابيين شعبية مكّنتهم من الانفراد باتخاذ القرارات وإصدار القوانين التعسفية. فكانت النتيجة إلغاء الشرعية الدستورية، التي أشرفت على تأسيسها منظمة الأمم المتحدة، والتي كان اعترافها بالنظام الانقلابي بتأثير الدول الكبرى انتهاكا واضحا لقرار الجمعية العامة رقم 289 في سنة 1951.
 
لقد قام الانقلابيون بإبطال العمل بالدستور، وإعلان قيام "الجمهورية العربية الليبية"، دون أي اعتبار لرأي الشعب الليبي.كما أصدروا بإشراف عميل المخابرات المصري فتحي الذيب إعلانا دستوريا، قيل أنه مؤقت، حتى اعتماد دستور دائم البلاد، الأمر الذي لم يحدث أبدا. وكان العقيد القذافي يقبض بواسطة "مجلس قيادة الثورة"، على السلطتين التشريعية والتنفيذية، ويرأس "المجلس الأعلى للهيئات القضائية" في الوقت نفسه معززا بذلك موقعه كحاكم مطلق للبلاد. ولقد كان العداء للديموقراطية واضحا، من خلال القرارات والقوانين والإجراءات القمعية مثل قرار حماية الثورة، المؤرخ في 11 ديسمبر 1969، والقانون رقم 45 لسنة 1972 بتحريم الإضرابات والإعتصامات.ثم القانون رقم 71 لسنة 1972 بتجريم الحزبية.ثم إنشاء المحاكم الخاصة والاستثنائية. وبعد أن فرض العقيد القذافي، على الليبيين، نظاما سياسيا مستنسخا طبق الأصل عن نظام "الاتحاد الاشتراكي" في مصر، قام، في العام 1977، بفرض ما أسماه "سلطة الشعب". وغيّر أسم الدولة إلى "الجماهيرية" أي "دولة الجماهير"، تطبيقا لكتابه الأخضر الذي يحتوي حسب وصفه على الحل النهائي لجميع مشاكل البشرية!
 
أما الوقائع والحقائق فقد كشفت عن نتائج مأساوية وكارثية. فقد اتسمت سنوات الحكم الشمولي، السبعة والثلاثين، بانتهاكات مستمرة لحقوق الإنسان والحريات الفردية والعامة، مثل حقوق الملكية الخاصة والعمل والتجمع والتنظيم والتظاهر، وحرية التنقل والإقامة، وحرية الصحافة والتعبير. وُحصرت مهمة وسائل الإعلام في تقديس "الأخ القائد" وترديد آرائه. وبالنتيجة تعرض الآلاف من خيرة أبناء الوطن للاعتقال والسجن و التعذيب، وتم إعدام المئات خارج نطاق القضاء. ومن ذلك جريمة القتل الجماعي النكراء في صيف 1996، داخل سجن "بوسليم"، حيث اعدم أكثر من ألف ومائتين سجين سياسي بسبب احتجاجهم على المعاملة اللإنسانية بحقهم، وسوء الأوضاع الغذائية والصحية داخل المعتقلات، واستمرار حبسهم دون محاكمة. ومن اخر الجرائم ما حدث في مدينة بنغازي يوم 17 فبراير 2006 حين قتل اكثر من عشرة مدنيين عزل بدم بارد في مظاهرة سلمية أمام القنصلية الإيطالية.
 
ولقد مارس النظام أساليب إرهابية أخرى منها تفجير الطائرات والمحال العامة و الاغتيالات السياسية والاختطاف والاختفاء القسري التي وقع المئات من الأبرياء الليبيين والأجانب ضحية لها. ومن ذلك جرائم "التصفية الجسدية" في الثمانينات والتسعينات و جرائم الاختطاف التي من اشهر ضحاياها الإمام الشيعي المعروف موسى الصدر، والسيد منصور الكيخيا وزير الخارجية الأسبق. هذا بالإضافة إلى عمليات الإعدام شنقا، في مشاهد علنية، بثها التلفزيون من الملاعب الرياضية والميادين العامة وساحات الجامعات. ولعل من أسوأ مظاهر الاستبداد والقمع إصدار قانونا للعقوبات الجماعية يجيز معاقبة عائلات المعارضين وأقاربهم وقبائلهم.
 
الوضع الاقتصادي
 
عندما أصبحت أمور الدولة برمتها تسير برؤية الفرد الواحد بدأت الأوضاع الاقتصادية في أواخر السبعينات في تدهور سريع، وتم تأميم القطاع الخاص بكامله. فمنعت التجارة والصناعة الخاصة وتحت شعارات مثل "شركاء لا أجراء" و"البيت لساكنه" نزع بشكل رسمي حق الملكية واختفت حوافز الإنتاج. كما تحولت أملاك المواطنين إلى غنائم لمن لديه القوة والسلطة، وتم حرق السجل العقاري، وجمدت أموال المواطنين الموجودة في المصارف، ووضعت قوانين لتحديد مرتبات موظفي الدولة التي جمدت منذ أكثر من خمس وعشرين سنة ونتيجة لذلك، ارتفعت مستويات البطالة، وواجهت ليبيا الغنية بالنفط أحوالا معيشية سيئة لم تواجهها منذ الحرب العالمية الثانية.
 
تواكب كل ذلك مع إلغاء أجهزة الرقابة المالية كديوان المحاسبة وفقدت البلاد القدرة على معرفة دخولها ومصروفاتها العامة؛ وتحول الدخل العام، وفي مقدمته الدخل النفطي، إلى حساب خاص للسلطة الحاكمة الذي لم تعد سرقته سرا خفيا عندما أعلن القذافي في أحد خطبه " لا تسألوني عن شيئين: النفط وأولادي!" ومع انتشار ظاهرة اختلاس المال العام في غياب أية مؤسسات رقابية بما في ذلك مصرف ليبيا المركزي، الذي تحول إلى مصرف خاص بالسلطة غير قادر عن أداء مهامه الأساسية مثل محاربة التضخم. ولقد واجه الاقتصاد الوطني خلال فترة الثمانينيات والتسعينيات فترات في غاية الصعوبة، حين تواكب ضعف المرتبات والدخول مع ارتفاع مستويات البطالة، وانعدام فرص العمل الخاص، وارتفاع معدلات التضخم، وانحفاض قيمة العملة الليبية، زد على ذلك تأثير الحصار الاقتصادي الذي فرض على ليبيا بسبب جريمة لوكربي. وكانت النتيجة، تدني مستويات المعيشة للمواطن الليبي، وتراجع الاقتصاد الليبي بشكل متسارع على امتداد اكثر من عقدين كاملين بما في ذلك القدرة علي إنتاج وتسويق النفط الليبي.
 
إن حالة الانخفاض في مستوى المعيشة، والمسؤولة عنها السلطة الحاكمة في ليبيا، لم تنحصر في ضعف الدخل الفردي فقط، بل تعدته إلى الانخفاض الكامل في مستوى "الرفاهية العامة". فقد توقف النظام عن تخصيص أية موارد فعلية للميزانية الإدارية، وميزانية التنمية. ونتيجة لذلك توقف البناء والصيانة في مجالات التعليم، والصحة، والمواصلات، وجميع مرافق البنية التحتية. وقد انخفض مستوى النظام التعليمي، نتيجة عدم بناء المدارس أو صيانتها، وعدم صرف مرتبات المدرسين، وتوفير لوازم التعليم من كتب وأدوات؛ ناهيك عن تأهيل المدرسين، وتطوير المواد التعليمية. أما المستشفيات فلقد تحولت إلي شبه مقابر للأحياء في غياب الأدوية والنظافة والكوادر المؤهلة. وأصبحت الأدوية المستوردة تشترى، ليس من صيدليات ليبيا، بل من أسواق الدول المجاورة لها. إن لجوء الالاف من المرضى الليبيين إلى مستشفيات الدول المجاورة أقل امكانات مدية من ليبيا مثل مصر وتونس والأردن وغيرها، والأردن وانتشار الأمراض المعدية كالأيدز ومرض الكبد الوبائي هو ابسط الدلائل على تردي المستوى الصحي في ليبيا.
 
إن حقبة "الانفتاح الحالية" لا تختلف في معالمها الاقتصادية العامة عن الفترة التي سبقتها؛ فتدني مستوى المعيشة للمواطن والمواطنة الليبية لم يتوقف، ووضع المؤسسات الاقتصادية لم يطرأ عليه أي تحسن ملحوظ إلا في تصاعد وتيرة الاختلاس للمال العام. ومع شعور النظام باحتمال فقدانه للسيطرة في جو الانفتاح الاقتصادي، نجد أن اضطراب الأجهزة الحاكمة قد تحول إلى سباق محموم فيما بينها حول اقتسام الغنائم؛ فقيمة الصفقات، ونسبة العمولات والرشاوي بلغت أرقاما قياسية.
 
ولعل من اخطر ما تقوم به الأجهزة الحاكمة الآن، هو وضع مستقبل البلاد الاقتصادي رهينة عقود تبرم مع دول وشركات أجنبية . هذه العقود، منها ما تتراوح مدته اكثر من خمسين عاما. إن ذلك يعني، باختصار، انه حتى في ظل زوال هذا النظام ستعاني البلاد من وطأة استحقاقات هذه العقود، وسيكون الاقتصاد الوطني في قطاعات النفط، والسياحة، والملكيات العقارية مجبرا للالتزام بهذه العقود وتوابعها. وهذا ضرر بالغ وضريبة عالية ستدفعها الأجيال القادمة. إن ما يحدث اليوم هو نهب لإقتصاد ليبيا وخيراتها ومزاد علني على ثروة البلاد الحالية واختطاف لدخول ومقدرات الأجيال القادمة.
 
سياسة ليبيا الخارجية ودوافعها
 
منذ سيطرة القذافي على السلطة في ليبيا وإلى يومنا الحاضر لم يُرى لليبيا نهجاً واضحا تسلكه تجاه محيطها الخارجي. فلم توضع سياساتها بناء على قضايا مبدئية أو مصالح اقتصادية. ففي الحالة الليبية حيث يمسك القذافي بمقاليد السلطة الكاملة هناك دوافع ثابتة خلف السياسات الداخلية و الخارجية لم تتغير منذ الانقلاب هي بالتحديد:
 
1. المحافظة على أمن النظام
2. إشباع رغبة العقيد القذافي في الزعامة والشهرة
 
فإذا سلمنا بما تقدم، يمكننا أن نفهم سياسات القذافي الخارجية على كل المستويات، الدولي منها: (الأوروبي الأمريكي) و(العربي والإسلامي) و (الإفريقي)، فعلى المستوى الأوروبي حرص القذافي على نهج سياسة نفطية مستقرة ضمنت إمدادات النفط مقايضاً بذلك دول أوروبا بتغاضيها عن انتهاكاته الصريحة لحقوق الإنسان في ليبيا و قواعد العلاقات الدولية في التعامل مع الآخرين عندما انتهك سيادة هذه الدول من قيامه واغتال معارضيه المقيمين فيها إلى قيامه بإسقاط طائرتي Pan Am وU. T. A أما علاقاته مع الولايات المتحدة فكانت المناكفة معها رصيداًً آخر لزعامته في الشارع العربي الذي تسيطر على مشاعره أجواء الصراع العربي الإسرائيلي.
 
وعلى مستوى العالم العربي لم تخل سياساته من مفارقات عجيبة، فشعار الوحدة العربية نفسه كان سبباً في خلق التوتر والخصومة مع دول الجوار وفي العالم العربي بأسره، حتى وصلت إلى حد الاشتباكات المسلحة مع مصر والسودان وتونس وعمليات تخريب لم يسلم منها أحد بما في ذلك التخطيط لاغتيال زعماء عرب (السعودية)، ولم يتراجع القذافي عن هذه السياسات الرعناء إلا عندما تحولت دول الجوار إلى ساحات لنشاط المعارضة الوطنية الليبية فاضطر عندها إلى تطبيع علاقاته معها مرغماً ومتنازلاً عن مخططات زعزعة الاستقرار في هذه الدول، بعد أن أعد العدة لها عبر لجانه الثورية بواجهاتها السياسية التي أنشأها لهذا الغرض (الأمانة العامة لمؤتمر الشعب العربي)، (مؤتمر الحوار العربي الديمقراطي) وإلى ما شابهها من مؤسسات إعلامية مهمتها اختراق مؤسسات الدول العربية التي تنشط بها. لكن حالة الضعف والوهن العربي وتعطيل مشروع الديمقراطية وتعثر التنمية والنهضة الاقتصادية في معظم أرجاء العالم العربي يبقى عامل جذب لمؤامرات القذافي في هذه الدول، كما أن حرب الخليج وتداعياتها وزيادة أهمية المنطقة للولايات المتحدة ثم حادثة لو كربي وما ترتب عليها من عقوبات دولية على ليبيا حدّ لبعض الوقت من أحلام الزعامة لدى القذافي والتي تطفو على السطح بين الفينة والأخرى عند كل انفراج أو مشاكل أخرى تلهى المجتمع الدولي عنه.
 
ولقد أدى قيام الولايات المتحدة عبر حلف الأطلسي بضرب يوغسلافيا بدون مظلة الأمم المتحدة وتقديم رئيسها إلى محكمة لاهاي الدولية، وغزوها للعراق واعتقال صدام حسين أدى كل ذلك لحالة هلع أصابت القذافي جعلته يكشف طوعا عن برنامج امتلاك أسلحة "الدمار الشامل". كما دفعته حالة الهلع هذه للبحث عن ملعب آخر لتأمين سلطته واستمرار زعامته المطلقة لليبيا، فاستهدف منطقة من فراغً لا يقل ضعفاً وهشاشة عن العالم العربي وهي المنطقة التي سماها بمنطقة دول الساحل الصحراء وأنشأ لها هيئة يُرمز لها بـ (س ص) وهي منطقة تتركز في الصحراء الكبرى من السنغال إلى تشاد والقرن الإفريقي معتقدا أنها أنسب لفرض زعامته عليها لشدة فقرها وصعوبة أوضاعها.
 
السياسة الحالية للنظام الليبي
 
أما السياسة الراهنة للنظام وإن لم تتغير دوافعها الأساسية فلقد تغيرت أساليبها في مواجهه تبدل موازين القوي العالمية والحملة الأمريكية على ما يسمى بالإرهاب و حرب العراق ثم ظهور بوادر معارضة سياسية محدودة بالداخل، حيث عمل النظام على تطوير استراتيجيات دفاعية واستباقية. وتهدف تلك السياسات في المقام الأول إلى تفادي غضب إدارة بوش الأمريكية و الهروب من الملاحقات القضائية في جرائم حقوق الإنسان وتفادى استحقاقات الديمقراطية والحريات والى تطويق أو تحجيم المعارضة الوطنية الديموقراطية المتنامية.
 
ومن هذه السياسات الجديدة :
 
1. العمل على قبول الولايات المتحدة للنظام كشريك في الحرب العالمية ضد ما يسمى بالإرهاب
2. تطوير العلاقات الاقتصادية والتجارية مع الغرب وبالأخص شركات النفط الأمريكية
3. السماح بهامش محدود للإصلاحات، مع استمرار الهيمنة الكاملة علي النظام السياسي
4. إحكام السيطرة الأمنية بأساليب قمعية سافرة واقامة التحالفات القبلية و الإقليمية
5. تشويه سمعة المعارضة الديمقراطية كدعاة لغزو خارجي أو كحركات إسلامية إرهابية
 
رؤية المعارضة الوطنية للمستقبل
 
لقد أجمعت فصائل المعارضة الوطنية الممثلة في المؤتمر الوطني للمعارضة الليبية الذي انعقد في لندن في سنة 2005، على مجموعة من الأهداف الوطنية تضمنها بيان التوافق الوطني و توصيات المؤتمر المعتمدة بتاريخ 26 يونيو/ 2005، و تعهدت بالعمل على تنفيذها بالوسائل السياسية والنضال السلمي. ودعت أيضا إلى الاعتماد على الإمكانيات الذاتية للشعب الليبي داخل البلاد وخارجها، كما أعلنت عن رفضها المبدئي للعنف، كما رفضت بشكل قاطع الاعتماد على الجهات الخارجية لفرض التغيير.
 
وتتضمن رؤية المؤتمر الوطني للمعارضة الليبية لمستقبل البلاد ما يلي:
 
1. إقامة دولة دستورية ديمقراطية مؤسسة على فصل السلطات، و التعددية السياسية والثقافية، وضمان العدالة وحقوق الإنسان بالمعايير المتعارف عليها دوليا، وإطلاق الحريات العامة كحرية الفكر والتعبير والإعلام والتنظيم والتجمع والاحتجاج والتظاهر والإضراب عن العمل وحق مساءلة و مقاضاة الدولة من قبل المواطنين أو من يمثلهم كمجموعات وأفراد، وحق تأسيس الأحزاب والنقابات والجمعيات والنوادي والمؤسسات المدنية السياسية والاجتماعية و الدينية، ومنع احتكار أو سيطرة الدولة على وسائل الأعلام وتحريم استخدام المال العام لأغراض الدعاية للدولة أو تمجيد قياداتها السياسية وإنجازاتها.
 
2. اعتبار الدستور الليبي المعتمد من ممثلي الشعب الليبي في سنة 1951 أساسا للشرعية الدستورية مع الاعتراف بحق الشعب الليبي في تعديله أو استحداث دستورا جديدا، بإرادته الحرة التي تتعهد كافة القوى الوطنية باحترامها بالكامل.
 
3. الدعوة إلى ضمانات دستورية قوية لضمان استمرار الديموقراطية والتداول السلمي للسلطة في المستقبل. ومن ذلك الرفض المبدئي للتوريث، و تحديد فترة الخدمة في المناصب القيادية العليا بمدد قصيرة نسبيا وغير قابلة للتجديد.
 
4. إقامة علاقات خارجية متوازنة مؤسسة على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة مع مراعاة القضايا المبدئية المهمة للشعب الليبي.
 
5. بناء اقتصاد وطني يرتكز على دور القطاع الخاص كمحرك أساسي لعملية التنمية الاقتصادية الاجتماعية مع دور أساسي للقطاع العام في الحفاظ وتطوير الثروة الوطنية وتقوية البنية التحتية للبلاد.
6. تحقيق العدالة الاجتماعية التي توفر الضمانات الأساسية للمواطن الليبي في الصحة والتعليم و فرص العمل بأجور عادلة و توفير الخدمات الضرورية لذوي الدخل المحدود، ورصد الموارد للارتقاء بمستوى الفئات الشعبية الاقتصادي الاجتماعي، وحمايتها من الاستغلال وتغول رأس المال تحت دعاوى التنمية والعولمة، واعتبار هذه الحقوق الأساسية جزئا لا يتجزأ من منظومة حقوق الإنسان الواجب حمايتها دستوريا.
 
7. نشر ثقافة حقوق الإنسان كحزمة واحدة لا تتجزأ، واعتبار أي انتهاك لأحد جوانبها انتهاكا لمجمل حقوق الإنسان. والعمل على تحريم إرهاب الدولة لمواطنيها تحت أي ذريعة، و تحريم سوء استخدام الأجهزة الأمنية ووجود السجون السياسية واستخدام التعذيب و إنهاء القوانين والمحاكم الاستثنائية ومنع استخدام قوانين الطوارئ في وقت السلم.
 
8. المساواة الدستورية والقانونية والاقتصادية في الحقوق بين كافة المواطنين في مختلف المجالات بما في ذلك المساواة في فرص العمل والأجور وصنع القرار السياسي والانخراط في حركة المجتمع المدني دون تميز..
 
9. إعادة الاعتبار، الشعبي والرسمي، للوجود الامازيغي باعتباره إحدى مكونات الهوية الوطنية، بتشارك وتكامل مع باقي مكونات وأبعاد الهوية الوطنية الليبية وفسح المجال أمام الثقافة الامازيغية، كرافد من روافد ثقافتنا الوطنية الليبية المتنوعة، و كجزء مساهم ومثري في ثقافتنا الليبية و اعتبار اللغة الامازيغية لغة ليبية يحق استخدامها وتداولها.
 
10. التأكيد على قيم وثوابت الشعب الليبي الراسخة والمستمدة من عقيدته الإسلامية السمحاء وعلى رأسها مبادئ نبذ العنف والاعتدال والوسطية التي غمرت كافة ربوع ليبيا، وأصّلت روح التكافل والإخاء والتضامن لمختلف شرائح المجتمع الليبي دون تعصب أو تمييز أو هضم للحقوق تحت أي مسمى كان .
 
استراتيجية المرحلة القادمة
 
1. التعريف برؤية المعارضة لمستقبل البلاد المتمثلة في النقاط العشرة المبينة أعلاه والتي تمثل البديل الوطني الديموقراطي، وتحدد بوضوح الفارق بين ما يطمح إليه الشعب الليبي وما قدمه النظام خلال اكثر من ثلاثة عقود من الدكتاتورية والفساد.
 
2. رفض كل أشكال العنف وتبني العمل المعارض السلمي ومن ذلك العصيان المدني والتجمع الشعبي والتعاون بين هيئات المجتمع المدني الليبي في الداخل والخارج، والضغط السياسي الإعلامي والقانوني في المحافل الدولية.
 
3. تشجيع واكبار الحراك السياسي داخال الوطن على مختلف المستويات والذي يصب في مصلحة شعبنا الليبي، والترحيب باية انفراجات من شأنها التخفيف من معاناة الليبيين . أما على المدى الأبعد فلا يجوز المساومة علي المطلب الوطني الأول في إحلال البديل الديموقراطي الدستوري، أو التنازل عن الملاحقة القانونية للمسؤولين عن الجرائم التي ارتكبت في حق الوطن.
 
4. إنشاء هيئة حقوقية إنسانية وقانونية تختص بمتابعة مجال حقوق الإنسان في ليبيا، بالتنسيق مع منظمات حقوق الإنسان الليبية في المهجر، بما يخدم قضايا حقوق الإنسان في ليبيا (من إصدار لتقارير دورية، ومخاطبة للجهات المعنية، وملاحقات قضائية لجناة انتهاك حقوق الإنسان في ليبيا).
 
5. إنشاء مركز وطني ليبي للإعلام والتوثيق تتظافر فيه جهود جميع القادرين من تنظيمات المعارضة الوطنية والمستقلين. ويعنى بالأنشطة الإعلامية والثقافية المختلفة المتصلة بالقضية الوطنية وتدريب الكوادر اللازمة لها. ومن المشاريع ذات الأولوية:
 
• مشروع إنشاء إذاعة مرئية أو شراء ساعات بث مرئي يسد النقص الإعلامي الذي تعانيه المعارضة. وتطوير موقع المؤتمر الوطني الإلكتروني بحيث يكون مفتوحا لكافة التيارات السياسية المعارضة والمنضوية تحت سقفه.
 
• فتح قنوات اتصال مباشرة بالمنابر الإعلامية العربية والدولية، وتوطيد العلاقات معها. وإتاحة المجال أمام المعارضين الليبيين لعرض القضية الوطنية، سواء بالكتابة الصحفية، أو الظهور في برامج الفضائيات العربية التي يتابعها أغلب الشعب الليبي.
 
6. الضغط السياسي والإعلامي والقانوني على النظام في المحافل الدولية ، ومن ذلك:
 
• الرقابة الدقيقة والدائمة لسياساته التعسفية وملاحقة أفراده المسؤولين وتوفير المعلومات اللازمه لإعداد الملفات القضائية لجرائم النظام ضد الإنسانية (ومنها جريمة سجن أبو سليم البشعة) ورفع الدعاوى القانونية في المحاكم الدولية المختصة.
 
• المطالبة بإلغاء التشريعات التعسفية والقوانين المنافية لحقوق الإنسان و المطالبة بإلغاء كافة المحاكم الاستثنائية وإلغاء كافة الأحكام الصادرة عنها وتعويض المتضررين منها، والمطالبة بإطلاق سراح جميع المعتقلين السياسيين وسجناء الرأي دون تمييز. والتحقيق العلني في مصير المختفين قسريا، وفي حوادث الإعدام والاغتيال خارج إطار القانون.
 
• المطالبة بإطلاق الحريات العامة الأساسية (حرية التفكير، والتعبير والإعلام، والتجمع والتظاهر والاعتراض، والانتظام وتأسيس الجمعيات).
 
• المطالبة بالإيقاف الفوري لسياسة وممارسات النظام العنصرية المستهدفة للوجود الامازيغي في ليبيا، في أبعاده الإنسانية والثقافية واللغوية، ومن ذلك إلغاء القوانين المحرمة لاستخدام غير اللغة العربية في جميع المعاملات.
 
• المطالبة بتقديم جناة انتهاك حقوق الإنسان في ليبيا لمحاكم معلنة وأمام قضاء مستقل ونزيه، بأشراف مؤسسات حقوقية دولية.
 
• المطالبة بحل الأجهزة الأمنية غير الشرعية (اللجان الثورية ومحاكم أمن الثورة وفرق الحرس الثوري) والحد من طغيان الأجهزة الأمنية الأخرى بتقييدها باحترام كرامة وحقوق الإنسان ومراعاة أحكام القانون.
 
• المطالبة بتحقيق علني ونزيه، وطني وبإشراف دولي في جريمة "مذبحة بوسليم"، المرتكبة في حق حياة مئات من السجناء العزل، المسجونين بسجن بوسليم السياسي، وذلك في يونيو 1996، ونشر نتائج التحقيق وتقديم الجناة والمسؤولين على المذبحة لقضاء مستقل ونزيه.
 
• المطالبة بتحقيق علني ونزيه، وطني وبإشراف دولي في جريمة "ضحايا كارثة الإيدز"، المرتكبة في حق أطفال وأمهات كانوا نزلاء بمستشفى الأطفال بمدينة بنغازي، وذلك خلال سنة 1998، ونشر نتائج التحقيق وتقديم الجناة والمسؤولين على الجريمة لقضاء مستقل ونزيه.
 
• المطالبة بتحقيق علني ونزيه، بإشراف دولي في حادثة " سقوط الطائرة المدنية، رحلة رقم LN1103"، بتاريخ 22 ديسمبر 1992، ونشر نتائج التحقيق وتقديم الجناة والمسؤولين على الجريمة لقضاء مستقل ونزيه.
 
• المطالبة بتحقيق علني ونزيه، بإشراف دولي في وممارسات النظام خلال حروبه غير المشروعة في تشاد وأوغندا والتي راح ضحيتها الآلاف من الأبرياء من أبناء ليبيا، مدنيين وعسكريين، ونشر نتائج التحقيق وتقديم الجناة والمسئولين إلى العدالة.
 
7. تجسيد تلاحم الصف الوطني، ومعاني وحدة الهدف والمصير مع مختلف القوى الوطنية المعارضة، والانطلاق من روح بيان التوافق الوطني والذي جاء فيه "إن المؤتمر الوطني للمعارضة الليبية، وقد تكللت أعماله بالنجاح نتيجة لتوافق واصطفاف جميع فصائله وأطيافه وعناصره خلف الأهداف الوطنية التي أقرها، لا يسعه إلا أن يسجل بالفخر والتقدير روح التعاون والشعور بالمسؤولية الوطنية التي سادت مداولاته، ولذلك فإن المؤتمرين يعبرون عن النية في ترسيخ هذا الخط الوطني التضامني والذي سيفضى إلى تبلور تكتل وطني ديمقراطي تنتظره جماهير شعبنا الليبي بفارغ الصبر."
 

 


5622G Ox Rd, PMB 260, Fairfax Station, VA – 22039 – USA  -- E-mail  muatmar@libya-nclo.org,  Web Site:  http://libya-nclo.org/

 


 

جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع >>>> ليبيا المستقبل منبر حر لكل من يطمح ويسعى لغد أفضل لليبيا الحبيبة

 

libyaalmostakbal@yahoo.com