07/01/2009

أكياس الزمن
 
بقلم: محمد الأصفر

 
أشجار النم العتيقة النابتة في حديقة الملح مازالت جميلة.. عجز الزمن أن يمسح عليها بعض قبحه.. التربة المحيطة بجذوعها التحق أكثرها بجيوش الرياح التي خاضت بها معارك عديدة لا أحد يدري إن كانت رابحة أم خاسرة.. فعل الخوض وحده يعرف لأنه هو الذي فعل وعاش جنون الوطيس.. الآن.. الآن.. بإمكانك مشاهدة الجذور الفرعية الضئيلة المتفرعة من الجذر الأم وهي عارية.. عارية لكنها طريّة.. يمكن لظفرك أن يخدشها لو جررته عليها.. جذور صغيرة لا يغطيها الطين.. النجيل الأخضر النابت حول الأشجار هو من يتطاول ويحيط بها بقماشه الأخضر ساترا ما استطاع منها.. الجذور الصغيرة تحيط بجذع الشجرة الغليظ.. وكأنها ضفيرة منبثقة من صلابة الحياة.
 
بقدر ما هي عارية من أعلى.. بقدر ما هي متوغلة في الكساء من الأسفل.. متوغلة في العمق.. تستر نفسها بتراب خصب مبلل.. فتته دقـّـها الدائم الغائص وراء الجوهر والتائق للأنوار التي لم ترها الشمس.
 
ساعدها على تفتيت العمق ولبسه الماء والملح الزاخرة بهما أعماق هذا المكان.. ساعدها أيضا الإرتكازة على الجذر الأم الذي غرسه ذات يوم جدُّ هذه المدينة المجهول الآن.. كل يابس مآله التفتت.. الماء والملح والإتكاء كفلاء به.. كفلاء بجعله ليناً.. قابلا للوخز.. ولو من ريشة.. كل غارس للأشجار هو جدّ مبارك كريم شريف عاشق للظل والهواء والمنظر الحسن السار للعين والمسعد للخاطر.
 
حديقة الملح هي حديقة بنغازي العامة المعروفة في التاريخ والقريبة من الميناء والتي تطل عليها دار خيالة (سينما) قديمة احترقت ذات يوم وأطفئها المطر صحبة رجال المطافئ.. كانت الحديقة ساحة يجمّع فيها الملح من ضواحي المدينة وسواحلها الغربية والشرقية من توكرة ودريانة واللثامة ومن قمينس وقاريونس وكركورة والسلماني ورأس عبيدة.. ليتم لاحقا فرزه وتنقيته ووزنه وتصديره.. كان في الساحة ميزان ضخم.. يزنون عليه كميات الملح قبل تحميلها إلى السفن الراسية في الميناء القريب.. بين ساحة الملح والميناء مسافة قصيرة.. حوالى 200 متر.. الميناء يعج بسفن تصدير الملح القادمة من موانئ البحر الأبيض المتوسط.. وبحر إيجا.. والبحر الإدرياتيكي وحتى من بحر الشمال.. بحارة من مختلف مدن البحار تجدهم يتجولون في الحديقة وفي شوارع وأزقة المدينة.. يقتنون ما ينقصهم من خمور وخضروات وفواكه وملابس ويبيعون ما جلبوا معهم من سلع للتجارالعرب واليهود والمالطيين واليونانيين والإسبان والأتراك والطليان والزنوج الأحرار في أسواق هذه المدينة العتيقة الرائجة آنذاك.. ويمرون بالطبع على المواخير والخمارات ليمرحوا قليلا ويغيروا زيوتهم قبل الركوب إلى البحر مجددا ومصارعة أمواجه ورياحه صحبة شحنات الملح الثقيلة.. بحارة من برشلونة ومن كريت ومن أزمير ومن صقلية ومن مرسيليا ومن جربة ومن مالطا ومن غيرها من المرافئ.. كثيرا ما تحدث المشاجرات بين هؤلاء البحارة لكن صرخة من ربان أي سفينة تنهي المشاجرة ويتسمّر كل بحار في مكانه.. لقد كان الربابنة آنذاك أشباه قراصنة.. يعاقبون البحار المخطيء أو المخل بقانون البحار عقابا صارما رادعا قد يصل إلى حد الشنق في الصاري أو الرمي في البحر وجبة شهية لأسماك القرش.
 
في الساحة يصنف الملح حسب جودته ونقاءه ومكان جمعه.. فملح السباخ القريبة من البحر يختلف عن ملح السباخ البعيدة عن البحر.. وملح الساحل الشرقي يختلف عن ملح الساحل الغربي للمدينة.. وملح سباخ المدينة له نكهة خاصة وملح الصحراء أيضا له نكهة مختلفة.. وكل نوع بسعره وله زبونه الذي يفضله.. الملاحون خبراء في الملح.. يعرفونه بلمسه وتذوقه.. مثلما يعرف التمارون أنواع التمور العديدة.. وأجود أنواع الملح هو ملح البلدة الصغيرة القابعة على شاطئ البحر شرق المدينة المسماة كركورة.. هذا الملح مذاقه لذيذ.. ودرجة نقاءه عالية.. ولونه أبيض كالحليب.. وتكاد الشوائب تنعدم فيه.. فلا طين عالق ولا رمل ولا صلصال ولا كيماويات أخرى وذلك لنظافة الشاطئ والمنقع الذي يُجفف فيه ويُجمع منه.. والطلب عليه دائما متزايد.. سواء للتصدير أوالاستهلاك المحلي.. حيث تشتريه أهم مطاعم المدينة.. ولا تستخدم في إعداد وجباتها ملحا غيره.. ولقد اشتهر هذا النوع من الملح حتى لدى الأطباء والقابلات القانونيات والسريّات والختانون والفقهاء وقراء الكف والتقازون ورجال الديانات السماوية والوثنية.. وبفضل هذا الاهتمام الشعبي بالملح تحولت بلوراته البيضاء إلى أغنية انتشرت في أرجاء البلاد كلها وتغنى بها أهل بنغازي في أفراحهم وحفلاتهم وزرداتهم وفي خلواتهم عندما يجلسون أمام الشاطيء ويتأملون أمواجه العاتية والهادئة.. أغنية لم يعترض عليها أحد من الناس لأنها نابعة من أحاسيس الملح ومن عرق الجباه الباذل نفسه لكل مروءة.. حتى مرابطي المدينة ودراويشها وفقهائها باركوها حيث تعتبر هذه الأغنية فأل حسن لما للملح من كرامات وبركات لدى أصحاب السر من شيوخ وأتباع الطرق الصوفية ومحترفي السحر والشعوذة والأعمال الروحية.. فكلماتها من بركة وملح وتمجيد للخالق وحفظ للإنسان من عين الحسود.. أغنية كتبها الملح على ورقة هذه المدينة وأول من نطق بها كان فنانا في ساحة الملح نفسها.. حيث تباع في هذه الساحة أشياء كثيرة متعددة.. لكن كل شيء يباع ليس مهما في هذه الساحة.. فالمهم والثمين والكنز هو الملح.. هو ذائبة الحياة اللاذعة الذي يصهر الشقاء من دون نار ويقاتل القذارة التي تلتصق بها مجانا ومن غير منّ أي ضفاف كما يُقال في لغة هذا العصر.
 
ملح كركورة الذي يتغنون به يُجمّع في الساحة في رحبة خاصة به.. يضعونه في المنتصف.. قرب الشجرة الكبيرة الأم.. التي تعتبر أول شجرة نبتت في هذه الحديقة.. ويقال أن عابر سبيل زرعها في يوم قائظ من أصياف إحدى السنوات.. وصل إلى المكان مجهدا فبحث عن ظل يرتاح تحته فلم يجد فركز عكازه في التراب الهش السبخي ووضع فوق رأس العكاز عمامته الخضراء بعد أن فردها وغطى طرفها السفلي بالتراب ليحضى ببعض الظل ثم نام ليستيقظ وقت الأصيل فلا يجد عمامته ويعجز أيضا على جذب عكازه من التراب.. هذا العكاز تحوّل إلى شجرة نم باسقة للظل.. ملح كركورة عندما تم جلب أول عربة منه أنزل بقرب هذه الشجرة فتعالت الشجرة أكثر وفي أقل من شهر كانت أما كبيرة.. أمّـتها الطيور والحشرات المسالمة ونبت تحتها النجيل ذي الوريقات الخضراء الزيتونية الشبيه لونها بعمامة عابر السبيل.. واستغرب الناس من هذا الأمر ومن العكاز الذي تحول شجرة والعمامة التي تعشبت تحت هذه الشجرة.. واجتمع أهل النبات والفلاحة في زاوية الوحيشي فور إن وصلوا فرادى وزرافات من نجوع وأحياء وأرياف وقرى بنغازي وسهلها الخصيب.. جاءوا من سواني عصمان والرحبة والفويهات والفعكات والقوارشة وتيكة واللثامة وبنينة ودريانة والكويفية وبعد الغداء توجهوا إلى حيث الشجرة وعاينوها وتذوقوا من أوراقها ومن التراب الذي تحتها ومن فراش نجيلها المحيط بها ومنهم فلاح من بنينة صنع من ورقة يابسة وجدها تحت الشجرة سيجارة ودخنها وأخذ يبتسم وأطلق غناوة علم صرخ لمعناها الحضور.. والنتيجة التي توصلوا إليها وأخبروا بها الناس الحائرة والسلطان وزبانيته آنذاك أن سبب النمو السريع هو ملح كركورة.. فهذه الشجرة تقتات على الملح.. ووجدته في جنبها والتهمته وتعالت سريعا لتصنع ظلا أبديا لعابر السبيل الذي كان سبب وجودها.
 
وعندما أعلن السبب صاحت الناس كل بما يعتقده من طقوس دين.. ومن بين الحضور كان مطرب شعبي يتميز صوته بالجمال والعذوبة ما إن صاح الناس اعجابا واقتناعا بتحليل الفلاحين حتى نظر إلى أعلى الشجرة فرأى طائر خليش جميل ينظف ريشه بمنقاره المعقوف فغنى المطرب لا شعوريا وهو ما زال يتأمل في جمال الطائر بلحن مرسكاوي:
 
يا محنـّـي ذيل العصفورة .... عليك ملايح كركورة
 
فتلقـفـها الناس الحضور وخاصة العشاق منهم وهواة الطرب وأتباع الزوايا الصوفية وصارت الأغنية تميمة مشروعة ومهمة للحفظ من العين والحسد ولتمجيد الله وشكره وقدرته على خلق الجمال وعلى تحـنـية ريش العصافير وخاصة ذيلها الذي يعتبر هوالموجه لها في رحلة طيرانها اليومية التي تخرج فيها وبطونها فارغة فتعود وبقدرة الله مرتوية وشبعانة.. ونُسج سريعا على منوال هذه الأغنية الكثير من الأغاني الأخرى الزاخرة بالحناء وبالريش وبالزغب وجلب الشعراء الكثير من الطيور لتحنية ذيولها.. فالقافية تلعب دورها.. وكل من يشكو أو يتعرض إلى ظلم يحضر طائرا ويحني ذيله ثم يركب عليه هذه الأغنية وخاصة الكلمتين الأولتين "يامحني ذيل".. وسافرت هذه الأغنية عبر الزمن لأصالتها ولميلادها في لحظة جماهير ولحظة ملح فوصلت إلى الكثير من البلدان ووظفها الشعراء والمتظاهرون في الشوارع من أجل المطالبة بالعدالة ودرأ الظلم فتسمعها والجماهير تصيح بها بطريقة أخرى مثل:
 
يا مـحـنـّي ذيل الكتكوت .. والظالم يهلك ويموت
 
ويتفنن الشعراء أيضا خاصة العشاق منهم في التركيز على نوع الحنّة وبلد إنتاجها فيلحقون بالأغنية مقاطع أخرى فنسمع:
 
والحنة مصري وسوداني.. أوقدسي وشامي..
 
لكن المد القومي لا يترك الحنة تغرق في الأقليمية الضيقة فيتدخل شاعره المؤدلج بمقطع فنسمع:
 
والحنة عربية أصيلة
 
وفي الأعياد الوطنية أوفي مباريات كرة القدم تتدخل هذه الأغنية وتظهر تصدح بها الحناجر بصخب كهتاف وليس كأغنية فنسمع:
 
يا محني ذيل العصفورة.. وبلدنا ديمة منصورة
أو يا محني ذيل العصفورة.. كورتنا ديمة منصورة
 
وجوهر الأغنية ترتكز على شيء اسمه التوكل على الله وتمجيده عبرة لمحة جمالية قام بها هذا الإله ولم يستغلها الشيخ لكن استغلها الشاعر الحساس الذي رأى طيرا جميلا بريش ذيل ملون بتناسق وبفن فأحس قدرة الله في الفن وتحرك قلبا لسانه وروحه وقال يا محني ذيل العصفورة.. ولم يتعب في إكمال البيت الذي انبثق من الروح جاهزا فملح كركورة مغذي الأشجار ومانح الحياة طعمها اللذيذ بجانبه والجماهير التي تجعل البيت الشعري يولد ولادة طبيعية أبدية كانت تتأوه معجبة بتحليل الفلاحين البسطاء لسبب نموالشجرة الشبيه بالمعجزة كانت بجانبه وتقبلت أغنيته ومنحتها حبها الهادر فورا وإلى الأبد.
 
بنغازي كلها سبخة.. بإمكانك تذوق ترابها لتستطعم لذعة الملوحة على لسانك.. تلك اللذعة اللذيذة المحببة الفاتحة للشهية.. والجالبة للعطش من كل شيء.. بنغازي مضغة صغيرة تسبح فوق رحم من الماء.. الماء يغرق المضغة.. يغمرها حتى شوشتها.. الشمس تجفف الماء.. تبخره لتمكنه من الصعود إليها.. والإندماج في أنوارها العاشقة لملح بنغازي.. الشمس تبخر كل الماء الغامر للمضغة.. ليبقى ذاك الراسب الأبيض الكثيف الصلب الثمين الناصع كالثلج والقطن وحليب الماعز وأسنان الزنوج.. يلم هذا الراسب بالمجارف ويعبأ في أكياس متينة من الخيش.. ويسلم رسميا لسلطان الملح.. ليصدره في الغالب لحسابه الخاص مقابل أجرة يتفضل بها على أجراء الجمع والتكديس والتكييس والوزن والتحميل.
 
بالطبع لا يمنح سلطان الملح الماء و الأرض والشمس شيئا من الإيراد.. يمنح تلك الأشياء التي ليست ببشر مخلفاته الجسدية في الحياة والموت فقط.. ليتألم الماء والملح والأرض والسماء من تلك الأخلاط والقذارة والأنانية وعندما يشتد الألم ترتفع حرارة تلك الأشياء وتتحول إلى نار.. إلى جحيم بليد قادر على احتمال كل الإشمئزاز التي تأتي به القذارات من حياتها الدنيوية.. فالنار هي الشيءالوحيد الذي لا يشمئز من أي وسخ فهي حارقة ولا وقت لديها للمهادنة أو الصبر.. لمسها حرق.. وقربها صهد وإذابة.. وبعدها دخان خانق لأنفاس الأحلام.. كل شيء تلمسه تجعله رمادا هشا تتكفل به الرياح سريعا.. ترمي به في أمكنة مجهولة لا نور فيها ولا تاريخ يحسها ويقطع ورقة يومه من أجلها.. النار لا تشبع أبدا.. تلتهم وتمارس الرياضة بالركض في كل الاتجاهات من دون توقف وتنط إلى أعلى حتى من دون حبل وتصارع كل شيء يابس وتذيبه.. عندما مات السلطان في إحدى مراحل التاريخ حدث الصراع حول هذا الملح.. توقفت حركة جمعه وجلبه مكيّسا إلى الساحة.. لم يستأنف الناس جمعه إلا بعد أن اتفق أرباب السلطة فيما بينهم على سلطان جديد.. فأعطى من أول ليلة حكم الإذن للناس لجمع الملح من جديد.. وكان الفصل أواخر الخريف.. فشرعت الناس في تنظيف مناقع الملح استعدادا لموسم الملح القادم.. فحركة جمع الملح تتم في نهاية الصيف.. وعملية تنظيف المناقع تمكن الناس من الحصول على ملح نظيف لا قذى فيه.. له ثمن جيد في السوق.. بعد أن يبيعه السلطان ويقبض ثمنه قد يفكر في إقامة حفلة كبيرة أو زردة باذخة لكل الناس من جمّاعة الملح وغيرهم.. مناقع الملح دائما عليها حراسة.. حراسة غير مرئية.. من يرمي فيها جيفة أومخلفات بناء أو قمامة يعاقب عقابا عسيرا.. فتلويث الملح هو تلويث للمجتمع.. فالملح كالأفكار الجديدة ليس عليه لعب.. يجب أن يُصان في الأحداق .. فإن ضاع الملح أوتلوث فقل على الدولة السلام.. أي ضاعت الدولة وصارت باسلة صامتة لا طعم لاذع لها.. فدولة بلا ملح لا قيمة لها أمام العالم وأمام رعيتها أيضا.. فبالملح تسيطر الدولة على الناس.. وبالملح تقايض ما تحتاجه.. وبالملح تصنع علاقات متينة مع دول العالم مبنية على الإحترام المتبادل.. الملح نظيف.. يستطيع تنظيف كل القذارة والقضاء على التعفن.. وحفظ القضايا في براد التأجيل إلى حين يأتي وقت حلها الملائم والمفيد لسلاطين الملح.. الملح يستطيع دبغ الجلود وتحنيط الجثث من أجل الخلود.. وفوائد الملح كثيرة كنعمة الله لا تحصى.. الملح يدخل في كل الصناعات وفي كل الوظائف الحيوية للإنسان.. يدخل حتى في الأشياء المعنوية وفي الجمل اللغوية المؤثرة في القلوب.. وفي الأغاني الشعبية التي هي عنوان الهوية لكل مدينة ودولة.. والآن اسمع حفلة عرس قريبة غيطتها:
 
يا محني.. ذيل العصفورة..
يا محني ذيل العصفورة..
عليك.. ملايح كركورة..
عليك.. ملايح كركورة..
 
وصراخ وتصفيق وصخب وفرقعات ألعاب نارية وزغاريد تغنجية ورائحة بخور وماء زهر تبل جبهتي بعض قطراته وذريرات ملح طائشة في الهواء يتذوقها أنفي فيعطس بفرح.. موكب الغيطة يقترب من المكان.. من حديقة الملح حيث أنا جالس الآن أحتسي مكياطة العلقم على كرسي خشب و أرسل قبلات هوائية لفتاة تطل من إحدى مكاتب وزارة الإسكان كانت قد وعدتني بتدبير شقة بمعرفتها إن طلقت زوجتي و صار بيننا نصيب.. موكب العرس يقترب والوقت ظهرا.. ولم أستغرب أن يكون هناك عرسا في القيلولة.. ربما ليس عرسا.. ربما احتفالا بنصر كروي أو إنتخابي أو إصلاحي أو موكب طفل طهر للتو في مستشفى الأطفال.. لكن ربما يكون عرسا.. ربما اليوم ليلة الدخلة والعريس من عشاق القيلولات الجنسية فحلى له أن يدخل في عز الهجير.. أو ربما اليوم هو يوم الحنة.. أو يوم الرمي.. لا أدري ما هو اليوم من أيام الأسبوع.. فالعام إن دخل حياتي أخنقه بسبابتي وإبهامي من عنقه وكأنني خانق فم قربة وأركض به سريعا داخلا به إلى مصرف الملح فأصرّف شهوره وأسابيعه إلى أيام.. أفرح إن وجدته عاما مكبوسا من عند الرب ب 366 يوما وأرضى وأحمده إن كان عاما بسيطا ينقصه عن المكبوس يوم واحد.. أضع الأيام بعناية في كيس متين وكل فجر أدخل يدي إلى الكيس وألتقط منه يوما جميلا أعيشه.. ربما يكون جمعة أوثلاثاء أو أحد أو سبت ..لا أنظر إليه البتة.. المهم أن يكون أربع وعشرين ساعة.. ولا يهمني أن يكون يوما صيفيا أوربيعيا أو خريفيا أوشتويا.. لا فرق لدي البتة.. أعيشه وفق قاعدة أصرف ما في الجيب يأتيك ما في الغيب.. وفي الغيب نقود كثيرة.. وحكايات كثيرة.. ولذائذ كثيرة.. وآلام كثيرة.. ودماء كثيرة أيضا.. أغمض عينيك فقط وأحلم.. وانتبه قليلا إلى هاتفك النقال وقلمك السيّال وكيس أوراقك وحاسوبك المحمول وكوب قهوتك المرّة وأنت نفسك بحذافيرك أيضا.. أما كيس أيامك فلا تخف عليه ولا تنتبه له فحارسه هو محـنـّي ذيل العصفورة.
 
محمد الأصفر - ليبيا