15/04/2008

أقتلوا الجوال!*
 
بقلم: زكية خيرهم

 
أصبحت أكره رنة الجوال. ترعبني، تشل دقاته عضلاتي ، وتتسارع دقات قلبي . كم ضللت طريقي وكم فتنة راودتني بسبب رنة الجوال. إلى أين أمضي؟ لا مفر. كلّ الدروب، وكل الجهات سواء. شريد، وحيد وعيناي واجمتان، نائيتان، ترفضان الانحناء والتخاذل. عشت ومت كثيرا، في رحم الأزمان، وفوق عذابات الغربة، التي تحرق قلبي، ولم تترك في عنقي غير الغثيان.
 
يرنّ الهاتف ...
 
_ ألو ... والدك في المستشفى، عليك أن ترسل النقود فورا.
 
أرسلت النقود منذ أسبوع، لأن والدتي ستعمل فحصا طبيا عاما. حتما سأكون لهما العون، عندما أتخرج وأجد وظيفة محترمة تليق بشهادتي الجامعية.
 
يرنّ الهاتف ..........
 
_ ألو ....! والداك يريدان أن يسافرا إلى المدينة المجاورة، ليغيرا الجو الكئيب، ومضايقات الجيران.
 
أعلم يا أبي، أيضا الجيران متضايقون من ضيقة العيش مثلك، فأصبح كل منهم يضيّق بالآخر. هذا يغار من جاره، لأن له أبناء في الخارج، يرسلون له النقود مدرارا، وهذه تغار من لباس جارتها، وهذا مرارته ستنفجر، ولم يجد مكانا في المستشفى، وجارنا أبو حسن مصاب بالإحباط لترك زوجته البيت، وقد تزوجت غنيا أخذها إلى بلاد البترول. أعرف أن عدم الإستقرار سيد البلاد، وأن الأنهار جفت دموعها، والأشجار أجهضت أوراقها، والعدل سوى ديباجة الهم في الظلمات، وأنا هنا بين غربتي ودراستي، والتفكير فيكما عاصفة في قلبي.
 
يرن الهاتف ...
 
_ ألو ... والداك يريدان أداء العمرة، ولابد من إرسال النقود في أقرب وقت ممكن ...
 
لست أنانيا، لكن ماذنبي إن كانت النرويج لا تزرع النقود في الشارع بدل الأشجار، وإن حجارتها لا تتحول إلى نقود.
 
كل ليلة عندما أرجع إلى غرفتي في الحي الجامعي يكون جسدي مُنهَكا ... لا يسعني إلا أن أتداخل في جلدي، أتشرب أنفاسي، أتجول في تاريخ طفولتي، أتنزه في ذكرياتي، أتحد بجسمي المتفتت، في أجزاء يومي في الجامعة، وفي حديقة منزل أستاذي د. (أندرسن)، أتشابك طفلا وصبيا ورجلا قويا، يتآلف ضحكي وبكائي وعزيمتي، أن أتخرج وأجد عملا أعين به أهلي. لابد من ذلك، فأنا ابنهم، مِلـْكُهم، هكذا يقول لي أبي: "تَصـرفّ المالكِ في ملكه، يعدّ عدلا لا جورا" لم أفهم فلسفته الثقيلة. أصبحت فريضة كمن يُسَبّح بعد الصلاة. لكن بداخلي أحسها سلطة استبدادية، تزعم الحكمة والنص، اللذين لا يأتيهما الزلل من أمام أو خلف.
 
يرن الهاتف ...
 
_ ألوووو ... ابني، عليّ دين من الحاج (حسن)، إنه غاضب مني، لأنني لم أسدد له المبلغ في الوقت المحدد. أرجوك، يا ابني، حاول أن ترسل المبلغ حالا. سبع سنوات بجامعة (أوسلو)، المفروض أن اكون الأن أحمل شهادة جامعية من أربع سنوات. لكنني ما زلت أتصارع بين أمواج الامتحانات، وأتسكع بين تيارات العمل، وبالوعة أهلي التي لا ترحم. لا يسألان كيف أعيش؟؟ وكيف أحوالي الدراسية؟. همهم الوحيد النقود، النقود فقط . كنت أحيانا لا أتصل هاتفيا وأكون قد تعمّدت ذلك. أصبحت المكالمة لوالدي مجلبة للهمّ، أو أخبارا محزنة، أو طلبا للنقود، وعندما تمرّ فترة ليست بالطويلة ولم أتصل بهما ...
 
يرن الهاتف ...
 
_ ألو ... لماذا تأخرت عن الإتصال؟ لماذا تحرمنا من سماع صوتك؟ أمك وقعت في الحمام، كسرت ساقها ونحتاج نقودا لمعالجتها.
 
ذهبت عند أستاذي د. (أندرسن) لأستلف منه النقود. ربت على كتفي وقال: إني أتفهم طلبات والديك اللانهائية، وأفهم بـِرّك ومساعدتك لهما. لكن، عليك أن تركز على دراستك ومستقبلك، إلى متى ستظل في الجامعة. وتركيزك على العمل والتفكير فيهما وفي طلباتهما التي ليس لها حد ، لن يجعلاك تفلح في دراستك. بقدر ما وجدت كلام أستاذي منطقيا، بقدر ما شعرت بالنفور منه. كيف ينصحني أن أهتم بحالي؟ هذه أنانية، هذا هو العقوق بعينه. سئمت دموعي على خدي ذراعي ويا ليتها تغسل أعماقي. كنت أغمغم بين الصمت والهلوسة وأنا أختطف اللحظة من إنهماكي في التفكير. سأرفع علما صغيرا، أرسم عليه قلبي واستسلم ، لا أحد يفهم شيئا ، كلهم لا يفهمون! لا والدي ولا الدكتور (أندرسن)، هذا الذي يقول لي بأنه يفهم ويتفهم. إنه لا يفهم شيئا على الإطلاق. أهرب من بردي وصقيعي. دروبي كلها محطات سفر، ضجيج صمتي وصمتي صخب، ساخط أنا ولكن، لا اعتراض لدي!
 
يرن الجوال ........
 
_ ألو ....!! والدك يريد أن يفتح متجرا صغيرا. الضجر يأكله من يوم تقاعده عن العمل.
 
هل أقول الوداع؟ كيف أقول الوداع وإلى أين؟ أنا من يأكله الضجر. أنا من تفتك رنات الجوال في أحشائي، ترشّ سما على قلبي وأركض مجنونا، باحثا عن الحياة. حياتي ليست حياة. إنها مِلْـك غيري، يتصرّف فيها كما يشاء عدلا لا جورا. لا أريد العدل ... كرهت هذا العدل ... ربما الجور أحسن ...
 
يرنّ الهاتف
 
_ ألو ... نريد النقود حالا نحن في أزمة.
 
_ سمعا وطاعة يا أبي سأتدبر الأمر ...
 
أقفلت الجوال، قرفصت على الأرض، وبدأت أضرب عليها بكلتا يدي كالثكلاء، أتعثر حافيا داخل أحشائي. من الذي في أزمة؟ من يمشي على الغيم ويسقط رذاذا؟ من يتقدّم إلى الوراء فيما الحياة تسير إلى الأمام؟ من المعلق على ورقة، منتظرا حياة تطلع من بين رنات الجوال؟ من الذي يقفز فوق حبل الأزمات؟ كم كان بوسعي أن أحتسي القهوة بين أوراق كتبي، وأمارس ثرثرتي مع أصدقائي، دون أن تضايقني الأيام، وترعبني الساعات، والأحلام تتزلزل عارية على جسدي، فتؤرقه، وأستيقظ في كل صباح شاردا من شفاه الدجى، وحين يأتي الضحى، يداهمني مرة أخرى جرس الجوال:
 
_ ألو ... والدي كيف حالك وحال أمي ؟
 
_ آه يا ابني، الأحوال صعبة كالعادة، والديون متراكمة، وأمراضنا متلاحقة، والضرائب على رأسينا تضرب من غير رحمة، فماذا نفعل يا بني ؟ ليس لنا إلا الله وأنت.
 
كنت أسمع كلامه، أنتظره يسألني عن أحوالي، عن دراستي، وغربتي، قاطعني قائلا:
 
أريد أن أغير محرك السيارة، إنها واقفة أمام الباب، وأمك جالسة بقربي، تحيطنا جدران الوحدة من كل الجهات. أريد أن آخذها إلى البحر لتشم هواء نقيا، لكن كيف لي بذلك والسيارة معطلة؟
 
_ سأحاول يا أبي... سأحاول.
 
_ لا تجهد نفسك يا بني، لكن ليس لدينا أحدا سوى الله وأنت.
 
_ ولا يهمك يا أبي، سأتدبر الأمر.
 
ربي يحميك، أيها البار، وأقفل السماعة. أما أنا، فالدنيا أغلقت أبوابها في وجهي، ونشرت على جسدي ومن حولي لونا قاتما. أستغفر الله!!! عليّ رحمتهما كما ربياني صغيرا. لكن طلباتهم لا تتوقف ، تنزل على رأسي كالصخر، كالمطارق، كالرعد، وليس هناك من أشكي أو أبكي له. أمشي على صمتي وتحت أقدامي هاوية. كل أصدقائي يطالبونني بنقودهم ولم أجد عملا في المستوى المطلوب، أملأ به بالوعة أهلي التي ليس لها نهاية . الكل أصبح نافرا مني ومن يدي التي دائما سفلى تحت رحمة أيديهم. ليس لي إلا الجزار حسن، هو الذي سينقذني من ورطتي. أنعم الله عليه بمال كثير. يا ليت كان بحوزتي رصيد من المال، أفتح دكانا لبيع اللحوم مثله. اللحوم بشتى أنواعها وجنسها في هذا الزمن هي التي تجلب أموالا بلا حدود.
 
استدان (كريم) المبلغ حسب شرط (الحاج حسن)، على أن يردّ له المبلغ بعد ثلاثة أشهر، وأن يدفع له خمسة عشرة في المائة من قيمة المبلغ. تذكر كلام أبيه: " إسمع يا بني، من يفكر في والديه لإسعادهم، يسعده الله ويرزقه من حيث لا يحتسب، لأجله ولعائلته، ومن يفكر في نفسه فقط، فلن يفلح حتى في إيجاد لقمة تسد رمقه " سدد (كريم) الديون التي كانت عليه، وأرسل ما تبقى منها لوالديه.
 
ثلاثة أشهر مرت كلمح البصر، ولم يستطع تسديد دينه لصاحبه مثلما وعده. كان يجلس في غرفته بالحي الجامعي يفكر في حلّ لورطته. أختلط عذابه بأنينه، يبكي حرقة ولا يدري على نفسه أو على أبيه. يرن الجوال، يتوسل إليه، يكبس على الأزرار ويديه ترتعش، ألو ...ألو ... ليس له رصيد كاف للإتصال. يجلس على سريره كالمشلول، يلملم حزنه المخضب بكوابيس ظنونه. يا إلهي ! أبي في ضيقة مالية، وأنا عاجز لمساعدته! يرن جرس الجوال، يقفز كريم من سكون صمته المشلول، يضغط بقبضة يده على الجوال، يريد أن يخنق عنقه، ويحطمه. أكرهك أيها الجوال، هل فهمت؟ أتسمع ما أقول؟ مازال الجوال يرن وهو يرجف كما القادم على جريمة. أخرس وإلا كسرت أسنانك. لم يبال الجوال بعصبية صاحبه. يجحظ كريم عيناه، يقف ممسك الجوال بكلتا يديه. ألا تخجل من نفسك؟ لقد تعديت الحدود، وتماديت أكثر من اللازم. أصبحت أكرهك، لا أطيق رنتك. إنها تشق أذني، وتطرق رأسي، وتعصر قلبي. أفهمت أيها الوقح!؟ يقهقه الجوال مرسلا رناته المتلاحقة. كفى! مازالت يداه ترجف، وصوته يزعق، والجوال يرن مسترسلا غير مبال به ولا بحزنه وغضبه، ومن غير شعور كبس على زر الجوال، فخرج منه صوت أبيه:
_ ألوووووووو ... ألوووووو ... ألووووو ... الأب يوجه كلامه لزوجته. يظهر أن هناك مشكلة في الخط ..... ألووووو .... بني.
 
سمع كريم صوت أبيه، فرد عليه. ألو أبي، كيف حالك؟ وكيف حال صحتك؟ ... كيف حال أمي؟ قاطعه أبوه، ألوووو... ألوووو .... صوتك غير واضح، لم اسمع شيئا مما قلت، وحتى لا أطيل عليك، أريدك أن ترسل لي مبلغا حتى أبني غرفتين على السطح وأؤجرهما. سمعا وطاعة يا أبي... سأحاول. أرجوك لابد أن تجد المبلغ، لأنني وقعت للبناء شيكا على بياض، وأقفل السماعة.
 
لعنة الله على الشيك الفارغ! تبا للبناء الذي وافق على قبول الشيك من أبي! أما أنت أيها الجوال الوقح، سأحطم عظامك. خارت قوى كريم، وقع على الأرض كالذي أصابه شلل. بدأ يلطم خديه كالثكلاء، يبكي ويندب حظه وورطة أبيه. لابد أن أجد حلاّ. وضع الجوال في جيب سترته وغادر الحي الجامعي. يمشي ولا يعرف إلى أين يتجه. تمنى أن يجد حقيبة مليئة بالنقود، أو أن السماء تمطر نقودا. تمنى لو كان قطا أو كلبا أو حشرة. تمنى لو لم يكن. ضجيج، عواصف وبراكين بداخله. يمشي كالسكران ويحدث نفسه إلى أن توغل بشارع كارل يوهان . يحرك يداه كالمجنون. يعض على شفتيه، وأحيانا يضحك بامتعاض شديد، غير مبال بأحد في ذلك الشارع المليء بالمارة. رسام يعرض لوحاته، ومجموعة موسيقية من البيرو ترقص رقصها الفلكلوري، رجل لونه كلون النحاس، واقف كالأصنام لا يتحرك، وآخر يرقص دمية، وسيارة شرطة في نصف الطريق، أجانب يبيعون الحلي أمام المحلات، ومتوسل هنا وسكران هناك، أصوات موسيقى وكلام يتطاير في فضاء ذلك الشارع، وكريم يمشي وكأنه أصم أعمى، لا يسمع ولا يرى إلا الصراعات التي في داخله.
 
يرن الجوال، يقفز مرعبا، ألووو .... أنا الحاج مصطفى، لابد أن تأتي غدا بالنقود التي استلفتها لك، والا قدمت الشيك للمحكمة. حاضر، سأتدبر الأمر. وأقفل الجوال. يرن الجوال مرة ثانية، ألووو...من ... أهلا ... كيف الحال ... حاضر ... لكن الآن ليس عندي نقودا، أمهلني شهرا. يصفر وجهه، حاضر، سأحاول، سامحني على التأخير، أنت تعرف الأحوال ... طيب، طيب سأحاول. مع السلامة. يرن الجوال مرة أخرى، من؟ أسامة! أهلا كيف حالك؟ لا تؤاخذني كريم، أنا في أمس الحاجة إلى النقود، سأسافر قريبا إلى وطني. حاضر سأتدبر الأمر.
 
يا إلهي! يا ربي! الله أكبر! ما هذه الورطة؟ أحس بدوار، غشاوة على عينيه حجبت الرؤيا، شعر بالاختناق . يفتح زر القميص، يسعل، تجحظ عيناه وكأن أحد يضغط على عنقه، يرن الجوال، يصرخ صرخة مدوية في ذلك الشارع، يرمي بالجوال على الأرض، يلتفت إلى المارة وبركان دفين في داخله على وشك الإنفجار، يسمع جرس الجوال، يتجه نحو صوت الجرس، يخطف الجوال من يد صاحبه، يضرب به بقوة على الأرض، يرى امرأة تتحدث على الجوال وتضحك، يتجه نحوها، يخطف منها الجوال، ويضرب به على الأرض.
 
تأتي الشرطة، تضع الحديد على يده، وتأخذه إلى المركز، يتحدث إليه المحقق، يصرخ كريم في وجهه: أقتلوا الجوال! لابد أن تقتلوا الجوال، حرام أن يعيش الجوال! أقتلوووووووه .... ووقع مغمى عليه.
 
زكية خيرهم
 
(كاتبة مغربية مقيمة في النرويج )
ghaliawin11@yahoo.com
www.zakianna.se
 

* "من مجموعة العربان في بلاد القرصان" التي ستصدر قريبا"
 
إقرأ أيضا للكاتبة:
 
  "العاصفة"
  الثلج الأحمر
  صراخ الصمت
  الأجانب .... مأوى العجزة ... هلمليا .... هذا البلد وطني!
  الأسود الناصع
  هيفاء سابقا
  حرية... حرية!!! (قصة قصيرة)
  حذاء الرئيس (قصة قصيرة)
  الفنانة المغربية سميرة جموشي: فن شرقي غربي في قالب واحد
  رواية "الجمال العربية على الثلوج القطبية"
  أعطيك كل شيء الا... (قصة قصيرة)
  ضاع العدل في زواريب عكا
  الدكتور محمود قصيبات: شكرا على هذا الحوار الحضاري الذي نفتقده
  خبر لمن يريد ضحكا كالبكاء
  قادمة إليكم من الوطن إلى المنفى
  أنا والقراء وتنويعات الشرف العربي
  من معارك الشرف العربي المجيدة
  فحولة الرجل العربي على المحك
  حول رواية (دنيا جات) للروائية المغربية لطيفة حليم
 
 

جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع >>>> ليبيا المستقبل منبر حر لكل من يطمح ويسعى لغد أفضل لليبيا الحبيبة

 

libyaalmostakbal@yahoo.com