16/03/2008

هيفاء سابقا *
 
بقلم: زكية خيرهم

 
"أرنو إلى ذلك اليوم الذي أتوقف فيه عن الرحيل من بلد إلى آخر، أبحث عن ملجأ يحميني من التعسف والمطاردة، من السلطة المستبدة في مجتمعي، سلطة سلبت كل ذرّة صغيرة من حقوقي كإنسان لا يريد سوى العيش بسلام …"
 
تنهدت هيفاء تنهيدة حارة، زفرت من خلالها الهواء المكتوم في رئتيها وكأنها تخرج ما بداخلهما من هواء مسموم. تتأمل المكان الذي تجلس فيه، ترى الناس كل يسعى إلى غايته، أما هي فقد سافرت في البر ومشت في البحر وسبحت في الصحراء تطير مع العاصفة وتسابق الريح، تغوص في الماضي وتصارع أمواج الحاضر والخوف يتملكها من تيارات المستقبل. آه يا زمن! إلى أين أوصلتني؟ هل هنا سأحط رحالي بهذا البلد القريب من القطب؟ فليكن، من المؤكد سأتأقلم معه. على الأقل أنا بعيدة من مسار تلك الرياح التي تعكّر صفو طرقاتي. بصيرتي رأت كل شيء. أصوات النساء الفاقدات أولادهن، وأطفال بلا منازل تتعثر حافية على أحجار ولا تتوقف عن الصراخ، الجدار الذي يفصل بين هذا وذاك يتنهد حسرة. كل الشوارع تبحر وسط الليل. أرض وجزر ومد لا يتوقف، و تيارات تلبس ثوب المجون. لم أجد في ذلك الجسد قوة ولا في شمسه غابة ولا في ليله زورقا.
 
حانت منها التفاتة بعد أن غابت طويلا في بحر أفكارِها، فانبهرت لتلك الطبيعةِ الخلابة بُعيدَ الغروب ولذلك النسيم العليل المنبعث من صيف أوسلو، خفق قلبها بقوة وكأن تلك الطبيعَة الخضراء تدثر شغاف فؤادها المتجمد. طفح وجهُها نورا ثم ما لبثت أن تحركت شفتاها الورديتان. ماذا تريد مني أيها الزمن لقد نفذت نقودي ولم أعد أستطيع المكوث في الفندق الذي أقيم فيه، كما أنني لم أقبل في الجامعة بسبب تأشيرة السياحة. ماذا سأفعل الآن؟ تبدَّدت أحلامي. هل أستطيع أن أشتغل؟ لكن كيف ... هذا مستحيل. بعدما انتهت صلاحية تأشيرتي فلا أدري أين أسير أإلى الوراء أو إلى الأمام؟ إلى أي جهة أقصد...؟ اختلطت الجهات كلها في رأسي، التيار يجرني، يعلو بي ويهبط. أحاول جاهدة الوصول إلى البر طلبا للأمان فلا أجد إلا وحشا من الإنس أكثر ضراوة من الوحش البهيم. ارتعش جسدها المذعور من مجهول يتكسر خوفا. حلم وذاكرة تسيطر عليها ، لكن الواقع جسر منيع يحول بينها وبين الأحلام. تحس بغربة تنهش روحها فاقتلعتها من الزمان والمكان. وبعد سكينة ممزوجة بالتأوه والأنين، قالت بنبرة عالية موجوعة بالسخط، مذبوحة بالحزن: لن أهزم ... لن أدعهم يطردونني من البلد. سأمكث هنا. هذه أرض الله ... خلقها وخلقني فيها. إلا أنني وجدت في مكان غير لائق بي. سأشتغل ولو بطريقة غير قانونية" العمل بالأسود" سأشتغل بالأسود ريثما يحلها الحلال. استيقظ ضميرها على غفلة: أي عمل أسود هو يعتبر جريمة. سقطت دموعا مالحة على خدها ... الجريمةُ الأكبر إن عدتُ من حيث أتيت. بدأت تتوجع وتعتصرها آلامُ ُ في رأسها وكأنها قد فقدت البيانَ و القدرة على التعبير ... شحبت وامتقع وجهها الثمل بالغضب، صرخت بصوت عال غيرَ مباليةٍ بمن حولها. القانون لا يحمي المغفلين. وأنا لست مغفلة حتى أدعَهم يطردونني من البلد. سأشتغل بالأسود وإن لم أجده سأبحث عن الأبيض أو الأحمر أو الأزرق. المهم أن أجد عملا، وليكن لونه ما يكون. المهم ألا أرجع إلى وطني الذي كان يوما في غابر الزمان، كان عقيما على ما أذكر، لم يترك لي شيئا يدل على إنتمائي له، إنني مقطوعة الجذور، غريبة الديار. يأسي وغربتي تقطع عمري. أهتف، أصرخ ، فما لبى الزمان ندائي. سئمت أنين سهري الذي يلتهم روحي كما تلتهم النارالهشيم.
 
أخرجت جوازَ السفر من حقيبتها، مزقته ولم تترك أي شيء يدل عن هويتها. تنفست الصعداء. الآن تحررت من هويتي الزائفة، من كل شيء يربطني بتلك البقعة من الأرض. منذ الآن أنا لست هيفاء. أنا مجرد إنسانة تبحث عن الإنسانية في هذا العالم اللاإنساني. أمسكت حقيبة ملابسها وتأهبت لمغادرة الحديقة العامة. تمشي بتثاقل وعيناها مطرقتان في الأرض. تمشي ولا تعرف إلى أين، تعبر الشارع كحد السيف بين المكان الذي قدمت منه عبر سنوات القهر وجفاف الروح. تعبر إلى الطرف الثاني من الشارع، تتابع سفر حياتها في درب لا عودة منه ولا إياب. تراه جنات النعيم. صرخ أحدهم:" الضوء أحمر" لم توقظ صرخته سباتهَا ... كانت ذاكرتها تضج بألم على وشك الإحتضار وعيون دامعة كينبوع أبدي. تصدمها سيارة وتقع على الأرض مغمى عليها. ولم تستيقظ من غيبوبتها إلا بعد أسبوع في المستشفى. فتحت عينيها فرأت سِربا من الأطباء والممرضات حول سريرها. نطق أحدهم:
 
- حمدا لله على سلامتك. لقد نجوت بأعجوبة. جرح صغير فقط في مقدمة رأسك ماعدا ذلك فجسمك سليم.
 
تطلعت إليهم باستغراب.
 
- منذ متى وأنا هنا ؟
- حسنا تتكلمين اللغة الإنجليزية إذا.
 
تحاول أن تتذكر، إلا أن ألما يعتصرُها في رأسها.
 
- بلد ... لا أعرف.
- ما اسمك ؟
- اسمي ... ما هو اسمي (تحاول أن تتذكر) لا أعرف.
 
نظر الطبيب إلى باقي المجموعة وقال بلغة البلد:
 
- يظهر أنها فقدت الذاكرة.
 
نظرت إليهم والرعب في عينيها:
 
- أريد أن أذهب ... أريد أن أغادر المكان حالا.
- إلى أين ؟
- لا أعرف ... أريد فقط أن أذهب من هنا.
- يجب أن تمكثي هنا فترة من الزمن حتى ننهي كل الفحوصات.
 
نظر الطبيب إلى ساعة يده ثم غادر ولحقه من كان معه.
 
تأكلها نار الحيرة حتى سمعت طرق الباب. التفتت فإذا بها ترى شابا وسيما، أشقر ذا عينين زرقاوين كأنهما البحر في صفاءه ... هزةُ ُ أيقظت شعورها العميق. اختلج فؤادُها الرقيق وتجرع عقلها ذاك الشعور الدافئ مبتدعا مشاهد حاكتها رغبتها في الأمان.
 
- من أنت ؟
 
تقدم الشاب ببطء نحو السرير، ثم جلس على كرسي بجانبها ووضع باقة الورود في حجرها وقال بارتباك وعيناه محدقتان في عينيها.
 
- أ ..أ... أنا الذي ... أنا الذي كنت ... لكن لم يكن خطئي ... أنت التي كنت تمشين في مكان غير مسموح به للمشاة، ورأسك منحن إلى الأرض.
 
- فلماذا جئت بباقة الورود إذا ؟
- أريد أن أطمئن عليك.
 
- تطمئن عليّ! أغرب عن وجهي ... لا أريد أن أراك ... أخرج من هنا حالا.
 
غادر الشاب غرفتها. أما هي فقرفصت على السرير، تبكي وتندب حظها، تمزق باقة الورود وتصرخ من أنا ؟ ما اسمي ؟ من أين جئت ؟ هل أنا عاقلة أم مجنونة... واحد أم اثنان ... هل أنا موجودة أو غير موجودة ... هل أنا في الواقع أم في الخيال ...إنني أحترق... إنني أطير ولا أسقط ... أغرق ولا أختنق ... هل أنا .... لا ... أنا ... أنا .... من أنا ....
 
لم تجد جوابا عن أسئلتها .... دموع تسيل وعينان تجولان في تلك الغرفة البكماء إلى أن غطت في نوم عميق بعد حقنة مهدئة. بعد أسبوعين قررت هيفاء الهروب. غيرت ملابسها وتركت حقيبتَها، ثم تسللت من غير أن يراها أحد. بمجرد أن غادرت المبنى، حتى أطلقت ساقيها للريح، سمعت صوت فرامل السيارة. أخرج السائق رأسه من النافدة صارخا.
 
- الجواميس هي التي تمشي بغير انتباه.
 
نظر إليها يتفحصها مستغربا.
 
جحظ عيناه غير مصدق ثم أضاف قائلا:
 
- أ هذه أنت ؟ ماذا تفعلين هنا ؟ المفروض ...
- أريد أن أرحل من هنا. من فضلك ساعدني.
 
نظر إليها مندهشا وعلى محياه الاستسلام، لوجه بديع، صبيح، غادرته الأسقام. صارت رقيقة وكأنها غصن بان و قضيب من ريحان. ابتسم قائلا:
 
- هيا اركبي بسرعة ؟
 
اختفت هيفاء مع ذلك الشاب الذي كان سببا في فقدان ذاكرتها وسببا في منحها حياةً جديدة تختلف عن التي كانت تعيشها. منحها حرية حلمها وحلم حريتها ولم يُعرف حتى الآن من أين أتت وما هي عقيدتها. إلا أنه أصبح اسمها ماريانا وتعيش مع ذلك الشاب الذي داس يوما بعجلات سيارته هيفاء الجزائرية.
 
زكية خيرهم
 
(كاتبة مغربية مقيمة في النرويج )
ghaliawin11@yahoo.com
www.zakianna.se
 

* " من مجموعة العربان في بلاد القرصان "التي ستصدر قريبا"
 
إقرأ أيضا للكاتبة:
 
  حرية... حرية!!! (قصة قصيرة)
  حذاء الرئيس (قصة قصيرة)
  الفنانة المغربية سميرة جموشي: فن شرقي غربي في قالب واحد
  رواية "الجمال العربية على الثلوج القطبية"
  أعطيك كل شيء الا... (قصة قصيرة)
  ضاع العدل في زواريب عكا
  الدكتور محمود قصيبات: شكرا على هذا الحوار الحضاري الذي نفتقده
  خبر لمن يريد ضحكا كالبكاء
  قادمة إليكم من الوطن إلى المنفى
  أنا والقراء وتنويعات الشرف العربي
  من معارك الشرف العربي المجيدة
  فحولة الرجل العربي على المحك
  حول رواية (دنيا جات) للروائية المغربية لطيفة حليم
 
 

جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع >>>> ليبيا المستقبل منبر حر لكل من يطمح ويسعى لغد أفضل لليبيا الحبيبة

 

libyaalmostakbal@yahoo.com