14/11/2009
 

الحقيقة كاملة (قصة واقعية)
- الأحداث تحاكي الصفحات المطموسة من كتاب رئيسي ابني -
بقلم: عبد الباري اسماعيل

أرشيف الكاتب


 
مدت "راشيل" يداً متثاقلة تمسح بها الطاولة التي أمامها ويدها الأخرى تسند ظهرها٬ نظرت الي الشاب الذي يجلس علي تلك الطاولة بعينين يرقرق فيهما الدمع ويبدو عليهما التعب والارهاق, وقالت له: أرجوا أن تخبر أمي.. أعرف بأن الخبر سينزل عليها نزول الصاعقة.. أما ذلك الوغد فإني واثقة بأنه لن يكثرت لأمري.. كل ما يهمه المعلومات التي أبعثها اليه.. ومع ذلك انقل اليه الخبر لأعرف رأيه. التفتت يميناً وشمالاً لتتأكد من أن لا أحد ممن تبقي في الحانة حتى هذه الساعة المتأخرة من الليل ينظر اليها او يراقبها٬ أخرجت من تحت مئزرها رزمة من الأوراق وناولتها للشاب٬ وقالت بصوت منخفض: أعطه هذه.. وقل له إنني أود العودة الى اوروبا.. مالطا أوايطاليا.. لا استطيع البقاء هنا.. شمس حارقة وارض قاحلة..ولا مكان لي فيها للإختفاء.. خاصة بعد أن سمعت بأن أبي واخي يهددان بقتلي. اخذ الشاب منها الاوراق وخبأها بسرعة داخل سترته٬ وقال: سافعل... غدا سأخذ البريد الي بنغازي. نظر اليها بعطف واردف بتودد: رعاك الرب يا "رازيلا".. كنت افكر في الزواج منك لولا ذلك الكورسيكي الخبيث..الذي سقط علينا كالصاعقة من السماء في عز الشتاء..واختفاءك معه في شعاب الصحراء لأكثر من شهر..ثم هذا الكولونيل الغبي..ورغم كل ذلك فأننا من طينة واحدة وإنني لا زلت... فقاطعته بحدة قائلة: كم مرة قلت لك بان لا تنطق اسمي بحرف الزاي.. لا اريد ان يعرفني به الناس هنا.. خاصة الأهالي لانهم سينادونني "رزيله" ومعناها عندهم صاحبة الرذيلة.. يكفيني ما أنا فيه. وكأنها استدركت بقية كلامه٬ طلبت منه لفافة تبغ تناولتها بلهفة شفطت منها نفسا عميقة تم نفثت دخانها في وجهه وأضافت: وقلت لك مئة مرة ألا تعود لهذا الموضوع..تكفينا ذكريات الايام الحلوة التي عشناها معا. تنهدت ثم أضافت: أنا لم اعد اصلح لك. رمت بقية اللفافة علي الأرض ووضعت يدها على بطنها المنتفخ ولامستها بحنان٬ رسمت على وجهها إبتسامة باهتة تودع بها الشاب وتحركت ببطئ نحو الطاولة المجاورة المكتضدة بالزجاجات الفارغة.
 
رياح متربة تكاد تحجب الرؤية، والغبار يغطي منتصف زجاج السيارة المندفعة غربا وبأقصى سرعتها، رغم إن وقت الظهر لم يحن بعد إلا إن حرارة الشمس تكاد تخنق الضابط الإيطالي الجالس جنب السائق. تمتم الضابط وهو يمسح العرق المتصبب على وجهه: اللعنة.. إنه يوم اسود منذ طلوع فجره. رد السائق: إنه أول ايام الشهر.. وقد حل الخريف و... فقاطعه الضابط: أنا لايهمني أن يحل الربيع او الخريف.. همي هوهذا اليوم ... ثم سكت. قال السائق وكأنه يريد التلطيف من مزاج ضابطه المعكر: الايام كلها سواء في هذا البلد سيدى الكولونيل.. وقد تعودنا عليها.. فهذه السنة الثالثة من الحرب.. إنها تختلف كثيرا عن حربنا مع الليبيين..كنا معهم دائما الأقوى والأكثر.. أما الحلفاء فهم... قاطعه الضابط قائلا وبحدة: أنا لا تهمني هذه الحرب أيضاً.. تكفيني حربي اللعينة مع نفسي. التفت اليه السائق وتسأل بدهشة: حربك مع نفسك؟! رد عليه الضابط بغضب: اسكت.. وانتبه الى قيادة العربة.. أمامك إبل لعل أحدها يقطع الطريق..فتنقطع رقابنا.. إنتبه ولا تجعل نهايةهذا اليوم الاسود في هذه البقعة. وضع الضابط رأسه إلي الخلف مسترخياً على وسادة الكرسي، سابحا هذه المرة في الحديث مع نفسه: "اللعنة.. ويا للحظ العاثر.. كم غيري فعلها ولم تصل به الحالة الى ما وصلت بي.. لماذا أنا بالذات.. إنها تدور بين كل الضباط.. كالفراشة..بل كالنحلة.. آه لقد لسعتني.. تلك النادلة النذلة.. أخفت عليا الحمل حتى أصبح اسقاط الجنين مستحيلا كما قالت الا بموتها.. ياليتها فعلت ولو ماتت.. اعرف إنها لا تحبني ولا أضن بأني أحبها حقيقة.. اللعنة على الخمرة والشهوة والصحراء..." واستمر الضابط في إجترار أحداث علاقته العاطفية، حتي وصل إلى حادثة البارحة، فصاح بصوت مسموع: اللعنة! إنتبه له السائق وقال: لا عليك يا سيدي.. نكاد ان نصل..فأنا أعرف الطريق اليها جيداً..لكم أوصلت اليها من ضباط قبلك. لم يدره الضابط أي إنتباه، بل واصل نجواه مع نفسه: "انه لايشبهني في شي.. لعله يشبه امه.. شعره مجعد كالأهالي..عيناه ماكرة كالدوتشى.. لا.. لا.. إن ذلك القذر لم يأتي لزيارتنا منذ مدة.. من اين لي ان اعرف بأنه ابني..لم اكن الأول ولا الأخير في حياتها..تعارفنا في حفلة راس السنة..كم مدة علاقتنا سبعة ..ثمانية اشهر.. إنه لا يبدو طفلا مخدوج.. أنا المخدوع .. لا ليس إبني.. ليس لديا أي شعور أبوي نحوه.. آه من يخلصني من هذا العذاب..." إستيقظ الضابط من شروده على صوت السائق يقول: ها قد وصلنا الأبريشية سيدي الكولونيل.
 
ترجل الضابط من السيارة وأمر السائق بالبقاء فيها واردف قائلا: أنتبه فان بعض المخربين لا زالوا يقومون باعمال في هذه المدينة.. لم تتم تصفيتهم جميعا بعد. واسرع إلي باب الأبريشية، دفعه بعنف وسار في ممر ضيق طويل حتى وصل الى نافذة صغيرة مغلقة ووحيدة تطل على ذلك الممر، وقف قبالتها مترددا ثم طرقها، إنتظر لحظات وأعاد الطرق بقوة وعصبية هذه المرة، كأن فوق ظهره حملا ثقيلا يريد التخلص منه متمتما: اللعنة.. لولا الكاثوليكية المتجدرة في أعماقي لما ساقتني قدماي لهذا المكان. مضت الدقائق وكأنها سنوات على الضابط قبل أن يفتح له القس باب النافذة محييا وقائلا: أذكر خطيئتك واعترف بذنبك نادما وسيغفر الرب لك. رد الضابط تحية القس تم سكت. فقال القس مشجعا يحثهً على الكلام: لا عليك يا إبني.. بعض الاعمال او ما تظن إنها خطايا أجرها أكثر من إثمها. قتلك للأهالي المسلمين مهما كان نوع القتيل.. طفلا او عجوزا.. رجلا او إمراة.. عمل مقدس لتطهير الارض يباركه الرب ويعطي فرصة طيبة لأخيك المسيحي ليحل محله ويعمر الأرض بدله...وكأن الضابط إنحلت عقدة لسانه فقال: لا أيها الأب..لقد أفهمتونا سابقا بأن هذه الاعمال جهاد صليبي ولا يحتاج الي إعتراف أو ثوبة.. بل عمل له أجر وثواب.. ومع ذلك لم أقتل أحداُ اليوم.. بل أنا القتيل! إتجه القس برأسه المختفي وراء النافذة وطل منها ليرى صاحب الصوت وليتأكد من إنه لا يتحدث مع خيال اوشبح، عندها التقت عيناهما وتأكد القس بأنه يتحدث مع ضابط في الجيش بشحمه ولحمه، فعاد إلى جلسته السابقة وسأل بلهجة لا تكاد تخلو من التهكم: إذن قل لي يا بني كيف تم قتلك؟! بلع الضابط ريقه ثم بدأ في سرد أحداث خطيئته قائلا: أيها الأب إن الحرب والصحراء قاسية على الروح والجسد.. ولا سبيل للترويح عن النفس الا الخمر.. وفي تلك الخمارة الوحيدة بين كل الرجال كانت راشيل تعمل نادلة.. كانت كقطرة الماء في الصحراء.. تمناها كل من نظر اليها.. حتي أنا.. أغوتني .. ربطتني بها علاقة محمومة روت عطشي الجسدي واسفرت عن..عن تحطيم نفسى.. إنها الخطيئة يا سيدي. فقال القس: لا عليك يا بني..غفر الرب لك. وهم بغلق باب النافذة، إلا ان الضابط صاح: مهلا يا سيدى.. إن الخطيئة لم تنتهي او بالأحرى لم تبدأ بعد.. لقد ولدت طفلا ليلة البارحة. فقال القس: تزوجها وينتهي كل شى. فرد الضابط: لا استطيع..فإلي جانب عدم يقيني بأنه إبني..عملي العسكري..مستقبلي..طموحاتي ستضيع.. لا استطيع الزواج منها ولا اريد..ثم انها ليست كاثولوكية.. إنها يهودية. فقال القس: وماذا عن أمه؟ فأجاب الضابط: قالت بأنها لا تستطيع الاحتفاظ به دون زواج. فقال القس: إني اقدر موقفكما الصعب.. ولكن ما العمل؟ فأجاب الضابط: هذا ما جئت اسأل عنه.. إني اريد التخلص منه..أقتله..فهل يغفر لي الرب؟ فأجاب القس: لا.. لا إنه ليس كالأهالي.. بالتأكيد إنه ابنك او إبن أحد رفاقك..فلن يغفر لك الرب قتله. فصاح الضابط: إذن ماذا أفعل؟.. انني لا أريده. فقال القس دعني أفكر. واطرق القس راسه برهة ثم رفعه وقال كأنه يحدث نفسه: مسكين هذا اللقيط..ولد شقيا ويعيش شقيا ويُشقي غيره .كغيره من أبناء الزنا.. يشارك في ولادتهم الشيطان.. يجمعهم قدر واحد.. الشر والشقاء.. على كل حال كنت افكر في الذهاب لتلك المنطقة. ثم اردف بصوت عالي: لقد خطرت عليا فكرة طيبة.. إنتظرني في السيارة وسنذهب لمعالجة الموضوع معاً.
 
جلس الضابط والقس في كرسي السيارة الخلفي، وانطلقت بهما تشق طريق العودة، تجاذبا الاثنان اطراف الحديث قليلاً، ثم لزم الضابط الصمت تاركا القس يخوض في الأُمور الدينية والسياسية والعسكرية على هواه، تطرق القس في النهاية الي مجريات الحرب القائمة وعبر عن استيائه إن انتهت الحرب بهزيمة جيوش المحور واسفه بان ذلك سيؤدي الى ضياع كل ما قامت به ايطاليا في ليبيا. كان الضابط معظم الوقت ساهما وهنا وجد الفرصة سانحة لتغيير مجري الحديث فقال: لا يهمني من ينتصر اوينهزم في هذا اليوم.. إن إنتصرنا فالفرحة للجميع.. وإن هُزمنا فالعار للجميع.. والعودة بعار الهزيمة أهون عليا من العودة بطفل يجلب لي العار مدى الحياة.. وانت تعرف أيها الأب الطيب كم تلوك كلمة "بستاردو" في لسان مجتمعنا.. فما بالك إن كانت حقيقة كاملة. أدرك القس إنه لاجدوي من مواصلة الحديث في الامور العامة ما دامت الامور الخاصة معششة في راس جليسه فقال: صحيح..لنتطرق للموضوع الذي أتينا من أجله..اسمع يا بني.. إنني اعرف شخص ليبي..اشتغل معي سابقا في الابريشية..وقد خبرت هذا الرجل جيداً..فهو لا يتورع عن القيام بأي شئ في سبيل المال... قاطعه الضابط متسائلا: هل سيقوم بقتل الطفل؟ رد القس: لا.. لا.. دعك من هذه الفكرة واسمع..هذه ليست الخصلة الوحيدة التي جعلتني افكر فيه كصاحب الحل لمشكلتك.. بل علمت منه بأن لديه دستة من البنات ولم يرزق بولد.. والأهم من كل ذلك إنه هو وخليلتك من ملة واحدة.. رغم انتسابه هو وبني عمومته لقبيلة عربية مشهورة الجد. فصرخ الضابط فرحا: اذن ليأخذ الطفل وأمه معا ويكفيني شرهما! فقال القس: الطفل نعم..استطيع إقناعه ببعض المال..أما ألأم فلا اظنه سيمانع.. ولكن هل سترضى به..فهو قد قاربَ الستين من عمره! فقال الضابط: المهم هو أن يأخذ الوليد ويكفينا شره. وأردف متسألا: أين نجده.. أين يعمل.. أين عنوانه؟ فأجاب القس: إنه رجل بلا عنوان..غيرمستقر.. وليس له عمل ثابت فهو يشتغل راعيا مرة.. وغفير مرة اخري..ثم ردد كلمة خفير..نعم بهذا الاسم كنت اناديه! فلقد سألته عن اسمه عندما جاء اول مرة يطلب عمل.. فقال خفير.. ظننا منه إنني سألته عن نوع العمل.. ولا اعلم بما يقوم به الأن.. ولكن سنجده بمشئة الرب.
 
في الحجرة الخلفية التابعة للحانة جلست راشيل على السرير تداعب طفل بين يديها، تردد له ترنيمة "أمرون يا أمرون.. تكبر وتغلب فرعون!" توقفت عن الغناء عند سماعها طرق على الباب، تسألت: من الطارق؟ ثم قبل ان تسمع الاجابة أضافت: ادخل.. الباب مفتوح. تردد الضابط لكن القس دفع الباب ودخل، بادرها بالتحية ثم قال: ها قد جاء خفير ليأخذ الطفل. وبحركة عفوية ضمت الطفل الي صدرها وقالت: لا.. لن أعطيه لهذا البدوي القذر.. حتي وإن كان على دين موسى. وانهمرت بالبكاء، لعل ذكر موسي عليه السلام قد ذكرها برد الرِّبيّ الذي بَعثت له تسأل رايه، ثم بدأت تكرر أسم موسى وتقهقه بضحكات هسترية، فجأة توقفت ونظرت للقس قائلة: أين أنا من أم موسى؟ أليس ذلك الربيّ بكاذب ومحتال..يشبهني بأم موسى.. فتمتم القس: استغفر ربنا في السماء.. واستمرت راشيل تهذي: نعم يكذب عليا ذلك الوغد.. كل معلومة خدمة لقومك!..كل معلومة خطوة للوصول لأرض الميعاد.. لا لآ.. كلكم. كاذبون.. قمتم باستغلالي أسواء أستغلال..أمي.. آه يا أمي..وحنت على الطفل تحدثه: حتى جدتك يا حبيبي نبذتك..قالت لا تأتي به الينا.. او لا تأتي البتة..وانا يا صغيري لا استطيع الاستقلال عنهم.. وبدأت في الصراخ من جديد مرددة هذه المرة: أكره الاستغلال.. أكره الاستقلال... ربت القس على كتفها وقال: لا عليك هدئ من روعك.. ولا تخافي على صغيرك.. إن العائلة التي ستتبناه ستكفل له حياة طيبة..واحس القس بأنه يكذب عليها فاضاف مواسياً: معظم العظماء وابطال التاريخ كانت بداية حياتهم صعبة، لعله سيكون له شأن.. صمت قليلا يبحث لها عن مثالا او دليلا.. وكأنه عجز عن ايجاد مثال من لدنه فاضاف بتلعثم: لعل كلام رجل دينكم فيه بعض الحقيقة..انظري الي نبيكم موسى..كيف صبرت أمه وكيف أصبح هو. فقالت وكأنها تكلم نفسها: أين أنا من أم موسى..ولدته عن حلال واصل.. وأنا ولدته عن ما تدعونه فاحشة وزنا..وبوحي من السماء وضعته في اليّم.. وأنا بوحي وضغط منكم أرميه في الجحيم! أحس الضابط بالضجر فأمر "خفير" بالدخول وإنتزع الطفل من حضن أمه ودفعه له قائلا: أمه اسمته أمرون.. فقال الخفير: عمرون؟ ليس لديا أي مانع.. وأمل أن أمه الجديدة والتي سترضعه سترضى بهذا الاسم. ولكن أعدكم على قدر كرمكم بأن لا ادعها تغيره كليتا.. بل في نطاق هذا الاسم! وخرج بالطفل مخلفا وراءه صياح الأم وعويلها.
 
خيمتان ليس قربها أوحولها نبات أو شجر، تهب عليهما الريح من كل جانب, وتلهب الشمس الصخر والصَّوَّان المحيط بهما، فتحيل المكان الي رقعة من جهنم، على بعد امتار منهما وقف حمار هزيل برزت عضامه من شدة الجوع، وغاب نهيقه من كثرة الجفاف، الي جواره جثة حيوان نافق غط الذباب ما تبقي من نهش الكلاب وما ساقته اليها الريح من رمل. في الخيمة الاولي جلست مجموعة من الرجال والشيوخ يستمعون لصوت المذياع ويتنذرون وعلى وجوه معظمهم علامات الفرح والسرور، ويبدوا إنهم لم يبارحوا الخيمة منذ أيام، فالفضلات في كل مكان، الذباب يرتع فوقها وعلى وجوههم ووجوه الاطفال الذين يتنقلون بين هذه الخيمة وخيمة النسوة التي لا تبعد عنها كثيرا. بين نباح الكلاب وصياح الصبية وهرج من بداخل الخيمة اطلق الرجل القادم لتوه التحية وتوجه مندفعا الى الشيخ العجوزالذي يتوسطهم، وكادت حركته هذه تحطم المذياع واكواب الشاي المتبعثرة حوله. وقال مهنئاً: مبروك عليكم يا حاج...فقاطعه العجوز بحدة: مبروك على من؟! ولغرابة الرد وجفاءه تجاهله الرجل أتجه لبقية القوم مهنيا ومباركا، وبعد ساعة من الحديث معهم أعاد الكره للحديث مع العجوز قائلا: ما بك يا حاج؟ هذا حدث يحسدك عليه القريب قبل الغريب، وافرح لقد جاءك وجاءنا الخير.. فرد العجوز بسخرية: الخير للغير! أقسم لك بشرفي..إن كان لي شرف! ابن الحرام هذا لم نري منه خيراً، إنتظرناه الي ان تخرج من الكلية.. وطمعنا ان يساعدنا على قسوة الحياة.. ولكنه لم يجلب لنا سوى هذا الراديو..أعطاه لأمه.. قال لها إنه هدية..وعلى المثل "ما ناقص الكلب إلا السروال". فقال الرجل: ها قد وضحت فائدة الراديو الان.. وسمعت عن طريقه إنه ترقي إلي رتبة عالية.. لا شك إن راتبه سيزداد الضعف ويجعل لكم منه نصيب. عبرالعجوزعن اصراره على رأيه فاضاف قائلا: ابن الحرام هذا مضت على تخرجه خمس سنوات.. ولا زلنا نسكن في خيمة ممزقة.. إعانة لمصروف البنات لا يعطيها حتي اذهب واجري وراءه في بنغازي ويتهرب مني.. حظي لو وجدته مع اصحابه فاحرجه امامهم..فيتفضل علينا بجنيهات. كان الاستياء واضحا على بعض الافراد من كلام العجوز، ونفذ صبر الرجل الذي يجلس على يساره فقال موجها له النصح: كفاك من هذا الكلام الفارغ يا رجل.. اتريد فضحنا امام الناس.. في النهاية هو إبننا.. قمنا بتربيته وتعليمه.. فقهقه العجوز ضاحكا ثم قال: قلت إبننا؟! كلكم تعرفون حقيقته كاملة..أما التربية فهذه نتيجتها!!.. والتعليم فاقسم لولا ذلك القسيس.. الذى كنت كلما التقي معه يسألني عنه..ولحسن الحظ لا ألقاه الا نادرا.. وكنت معضم الاحيان افر منه..لكن تلك المرة امسك بي.. وسألني عنه كالعادة.. واذكر إنه سألني: في أي فصل دراسى هو..الثالث ام الرابع. وعندما قلت له الحقيقة..واوضحت له بأننا معوزين ولا قبل لنا بتعليمه.. استشاط القسيس غضبا.. وقدم لي مئة جنيه..جعلني اوقع عليها كدين.. وهو يعلم بانني ساصرفها ولن استطيع ردها..وإن لم ادخله المدرسة..سيدخلني السجن! فجأةً صاح أحد الحضور: اسكتوا.. اسكتوا وانصتوا لهذا البيان. خيم الصمت على الخيمة ولم يعد يسمع فيها سوى صوت المذياع وطنين الذباب، ثم هاج القوم يتصايحون ويهتفون، وكأنهم كانوا يستمعون لمبارة كرة قدم احرز فريقهم فيها هدف الفوز في أخر دقيقة. وقف بعض الصبية امام الخيمة مندهشون لفعل الرجال. ولكن صبية كانت اكبرهم اسرعت الي خيمة النساء تنقل الخبرصائحة: جدتي.. جدتي.. هل سمعتي الراديو؟ٍ أجابت العجوز: من اين لي أن اسمعه.. وقد أخذه جدك للخيمة الاخري منذ اكثر من اسبوعين.. وتركني أعاني..قال لي..الولد وجماعته الضائعون قاموا بعمل يخجل ابليس من فعله.. ويا بنيتي إني خائفة ان يضيع فيها. فقالت الفتاة بثقة: لا يا جدتي..قالوا نصبوه رئيس البلاد. فصاحت الجدة: رئيس؟!.. رئيسى إبنى!! وأُغمي عليها من شدة الفرح.
 
عبد الباري اسماعيل

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
إقرأ للكاتب أيضا:
 
الإنتفاضة قادمة
إنتهى كرنفال الكرنافة
الشهر الكريم والقحصي اللئيم
قرصان الكتاب الأخضر
نصوص أديب.. أم ترهات العقيد؟
أربعون خريفاً من الإنجازات الواهية
حيْه على برقه... أم حيّة علي طرابلس؟