30/01/2009

اليوم قبل الأخير*
بقلم: الكاتب والروائي عبد الستار حتيتة

 
فتحتُ عينيَّ، بعد سنوات، على الممر المؤدِي لمكتب مدير المعتقل، فبدت ملامح وجه نادية، وقامة والدها واقفاً هناك، ومن بينهما جاء صدى لصوت أمي قائلة ما تخاف يا وليدي؛ نحن معك..
 
في الصباح الباكر، أي قبل ذلك بخمس سنوات، كان من المفترض أن أتوجَّه مع والدتي إلى مدينة مصراتة.. ولم أكن أتوقع أنني لن أصل إلى هناك أبداً. وأحياناً يكون لديك شعور قوي بأشياء معينة.. أشياء غير واضحة المعالم.. بعضها مبهج وبعضها مقبض، مثل الحياة بساق واحدة، أو مثل مدية تحفر الإسمنت حول القضبان الحديدية لنافذة زنزانة.. وحين استيقظتُ فجراً، أي قبل ساعات من الانطلاق بسيارتي على الطريق السريعة تجاه الغرب، راودتني أحاسيس متباينة لم أدرك كنهها على وجه الدقة، لكن حدثت أشياء غريبة.. فبعد أن اختتمت صلاة الفجر، وجدتُ يدي على مقبض الباب تفتحه، حيث وقفتُ بالخارج هنيهة أحدق في الفراغ وغبش الأضواء الخافتة.. ومن بين الظلال والخطوط المتعرجة في الأفق أضاء وجه مدور أبيض على جانبيه خصلات شعر أسود ومنديل تهزه نسمات وقبل أن أفكر تسللتْ أنفاس جارتنا التي طالما ترقبتُ طلعتها صباح مساء؛ نادية.. كانت تقف هنا أمام باب بيتنا منذ البارحة على ما يبدو.. كأنها لم تأتي من أي مكان وكأنها لن تذهب لأي مطرح.
 
ـ ".. نادية"؛ هكذا خرج الصوت من فمي أو من قلبي.. ومددتُ ذراعيَّ نحوها، لكنني لم أجد غير ظلال في ظلال. تلفتُ حولي وكأن هذه الواقعة تحدث معي للمرة الأولى، وكأنني لم أرَ نادية من قبل على هذه الشاكلة.. أطيافٌ تتشكل أمامي في احمرار الغروب واحمرار الفجر.
 
فكرتُ أن أطرق باب بيتها، لأعرف إن كانت هي هناك ما زالت بين ملاءات سريرها المزينة بالورود الحمراء نائمة.. تقدمتُ خطوات، فإذا بصوت المذياع يبث أخبار الصباح.. أي أن والدها في المربوعة مستيقظاً منذ أمس أو أول من أمس.
 
تسللتُ على أطراف أصابعي تجاه نافذة حجرتها المغطاة بأوراق شجرة أكاسيا كبيرة. سندتُ قدمي اليُسرى على جذع الأكاسيا وأمسكتُ بيديَّ حافة الشِّبَّاك..لم أشعر إلا بصوت ارتطام جسدي على الأرض والطيور تفر من أعلى ونادية مفزوعة تصيح، ووالدها يجري متعثراً في أرجاء البيت.
 
أتذكّرُ هذا المشهد الأخير وأنا قابع بين جدران أربعة لا أعرف إن كنتُ سأموت هنا أم أن يوماً ما سيأتي لأبحث عن نادية؛ فلعلها تعرف أين أمي ومن هدم بيتنا وأين ذهبوا بأثاث المنزل.. أضع أصابعي في راحة يدها وأتملى وجهها وأسألها وأعاود الأسئلة..
 
جارٌ لنا محبوس معنا منذ سنوات عديدة، وسينفذ فيه حكم الإعدام مثلي فجر يوم بعد غد، قال، وهو يحفر بمديته حول قضبان نافذة الزنزانة، إن آخر عهده بها أنها رحلت مع والدها إلى أخوالها بمرسى مطروح في مصر. لماذا لا أحد يعرف، وهل كانت ستعود أم لا.. لا أحد يعرف. وهل كانت هناك يوم هدمت البلدوزرات جدران بيتنا.. وماذا فعل أبوها ليمنع الهدد..
 
باقي ساعة أو ساعتين على لحظة تنفيذ خطة الهروب.. أنا غير مطمئن.. هاجس داخلي يقول لي إن رفيقي بالزنزانة ربما كان معتوها لا يرى أنني بساق واحدة.. وما رسمه بمديته عن تسللنا ليلاً قد يعجل بموتنا المقرر بعد الليلة التالية، وتنتهي جثة كل منا ملقاة على أحد جانبي سور عين زارة ممزقة بالرصاص.. سنكون ميتين بصفة فاشلين.. لكن لو بقينا مستسلمين لمصيرنا، فمن يعرف.. يد القدر يمكن أن تأتي لي بالعفو.. يقول السجان:
 
ـ "وين خالد بتاع بنغازي؟"ـ
ـ "أنا.."ـ
ـ "تعال.. أنت جيت هنا بطريق الخطأ.. اعتقلنا المجرم الحقيقي.. اطلع"ـ
 
عشت على هذا الأمل خمس سنوات أو يزيد.. في كل مرة أحاول إيضاح الحقيقة.. وما من أحد يسمع.. يرد عليّ السجّان بلكمة قوية في وجهي يركلني إلى داخل الزنزانة حتى أصابني اليأس. لا أعرف ماذا تقول أمي عن غيابي وإن كانت وصلت لمصراته، منذ ذلك الحين، أم لا.. لا بد هرعت نادية لبيتنا، مع والدها، لنجدة أمي من صرخات أطلقتْها لحظة عودتها للبيت وهي تعلن للحي القبض عليّ.. على ابنها الوحيد.. حاولتُ الالتفات ورائي لأراها، لكن العربة المصفحة كانت مغلقة من كل جانب.
 
هكذا كانت الأشياء غير واضحة المعالم.. بعضها مبهج وبعضها مقبض، وكان ما انتابني ذلك الصباح هو الخوف، لكن لم أكن أحسب أنه سيمتد سنوات وينتهي بقتلي على أيدي أناس لا أعرفهم لجرم لم أرتكبه؛ بل لا أعرف عنه إلا كلاماً مبهماً خلال استجوابي معلقاً في سقف.
 
ـ زنديق.. وين شركاك الزنادقة لخرين؛ يا كفرة..
 
كان المحقق يقول غاضباً. وأعرف أنه يقصد المقاتلين السنة المتمركزين جنوباً في جبل بنغازي.. ما شأني بهم. لكنه لا يريد أن يسأل عن هويتي الحقيقية المسجلة في كلية العلوم السياسية بجامعة قاريونس. فليسأل أساتذتي أو يسأل زملائي هناك..
 
ـ "أنت زنديق.. عدو للثورة.. كلب ضال.. هاك.."ـ
 
يصفعني ثم يلكمني قبل أن يأمر بتعليقي في السقف مجدداً.
 
أريد أن أعرف إن كان آخر وجه رأيته ذلك الصباح، بعد وجه أمي، كان في الحقيقة وجه نادية.. أم كان محض تخيلات.. حين يستغرق رفيقي بالزنزانة في النوم أحدق في الظلام إلى أن يتشكل وجهها أبيض مدوراً على جانبيه خصلات شعر أسود ومنديل تهزه نسمات. كنت في تلك اللحظة أقف في الباحة الواسعة أمام بيتنا أطل من هناك على أسطح بيوت بنغازي الراقدة في طل البكور قبل أن ابدأ بتجهيز السيارة حيث تريد أمي منذ أسابيع زيارة أختي في مصراتة.
 
سقطتُ من على شجرة نادية.. وعدتُ على أطراف أصابعي، وفجأة.. مرت ثلاث سيارات من ذات الدفع الرباعي جوار البيت يبرز من كل منها مواسير كلاشنكوف. وخلفها وجوه ملثمين.. هذا يعني أنهم من قوات الحرس تفتش عن مشبوهين أو مطلوبين أو ما أدري..
 
أغلقتُ الباب ومن النافذة شاهدتُ أضواء في بيت نادية.. تبحث عن مصدر الجلبة عند الأكاسيا، ولا بد والدها اعتقد أن نادية فزعت من السيارات الثلاثة التي اختفت عبر الطريق الترابية في الجهة الأخرى.. وحين لاحتْ الشمس طمأنتُ نفسي ثم فكرتُ أن هذا قد لا يعني أن الهواجس انطفأت في صدري.. مشيت ممسكاً بالمقود والموتور يهدر تحتي مخترقاً شوارع بنغازي.. أمي جواري تلف طرحتها على رأسها، وتشد الرداء فوق كتفيها.. وفي لحظة شاهدتُ في المرآة الأمامية مواسير الكلاشن تهتز على جانبي سيارات الحرس. وفي اللحظة التالية حاصرتني بل أوقفتني..
 
لم أكن أحسب أن الطلقة التي سمعت صوتها تواً اخترقت صفيح الباب ومرت من ركبتي اليسرى. فجأة فتح أحدهم الباب فيما كانت أمي تصرخ وأنا أتهاوى على الأرض بينهم والدم يسيل من داخل سروالي إلى أسفلت الشارع..
 
في المستشفى، حيث أرقد بساق واحدة، ولا أعرف كيف وصلت إلى هنا، بدأت التحقيقات.. وكان المحقق يسأل ويجيب وأنا استمع فقط:
 
ـ "أنت آويت كلابا ضالة عائدة من أفغانستان. نعم. ولم تبلغ السلطات.. نعم. وحاولت الهرب من العدالة حين اكتشفت أمرك.. نعم. وحين طاردك رجال الشرطة أطلقت عليهم النار.. نعم. وهذا هو السلاح المستخدم في مقاومة الحرس. نعم.. وهو سلاح مسروق من معسكر الأمن الداخلي. نعم. أنت متهم بسرقة كلاشنكوف ومقاومة السلطات والتستر على زنادقة يناهضون الدولة والمجتمع. نعم.. هل لديك أقوال أخرى.. نعم.. أريد أن أشكر الحرس لأنه أطلق الرصاص على رجلي لا على صدري. العفو.. ووقع على محضر التحقيق أمامنا وأثبت ذلك أمام محامي الدفاع، توقيع المحامي"ـ
 
سألت صاحبي في الزنزانة:
 
ـ "زعما أيش حال أمي من يومها لهالوقت.. تراهم ضربوها بالرصاص.. تراها ماتت في الشارع قرب السيارة.. وأيش داروا لامي إن كانت ماتت وأيش دارولها إن كانت حية، وليش يهدموا بيتنا، ووين خذوا سيارتي. ويا ترى أختي ما زالت ترجى جيتنا لمصراته.."ـ
 
صاحبي لا يرد.. كان يجاوبني بكلمات تطييب خاطر في السنوات الأولى، وفي السنة الرابعة أخذ لا يجيب إلا على الأسئلة التي يرى أنها جديدة، أو جديرة بالرد، مثل السؤل عن نادية وعن وجهها المدور الأبيض وشعرها الأسود المسدل على خديها.. ومنذ أخبرنا الحرس أن حكم الإعدام فينا سينفذ في وقت ما بعد أسبوع، أي صباح يوم بعد الغد، انشغل صاحبي عني طوال أيام برسم خطط الهروب.. حتى حين ألفت له قصة عن لقاء تم أخيراً بيني وبين نادية، رفع حاجبيه في غير اكتراث.. وقال:
 
ـ "بعد شوي.."ـ
 
وأشار بإصبعه تجاه النافذة.. أي سنهرب الليلة لا محالة.. وكانت طيور المساء تزقزق من مكان ما عند السور ويعقبها صرخات متهمين يجري تعذيبهم.. وبين الفينة والأخرى تتناهى ضحكات الحرس، وتكتكة طلقات رصاص..
 
ـ "أنا لن اهرب.."ـ
 
قلت لرفيقي في الزنزانة.. وأوصيته بالتوجه إلى بيتنا وإلى بيت نادية وإلى الجامعة فوراً، وأن يستخرج الأوراق المطلوبة لإثبات براءتي قبل موعد تنفيذ الإعدام.. بعد يوم غد، وأن يأتي بأمي وبنادية وبزملائي في الكلية إلى المعتقل ليتحدثوا مع مديره، وأن يخبروا المحققين بأنني لا علاقة لي بالزنادقة ولا غيرهم من الضالين أعداء الثورة..
 
مرت اللحظات طويلة كأنها حكم جديد بالسجن قبل أن يلتفت نحوي ويصمني بالجبن والاستسلام للموت.. قال إنه سيلبي طلبي، وأمليت عليه العناوين والأسماء التي سيتصل بها، وقلت له إن هروبه منفرداً يعطي الفرصة لكلينا في أن يظل أحدنا على قيد الحياة، فلو أطلقوا عليه النار والكلاب أثناء هروبه، سيكون هناك أمل في أن أعيش أنا، ولو لمدة يوم إضافي، وأروي تفاصيل مأساته المشابهة لمأساتي، ولو صرخت بها في الفضاء وأنا في ساحة الإعدام.. ولو نجح هو في الخروج من المعتقل سالماً، فسيتجدد الأمل في أن يظل كل منا على قيد الحياة..
 
ومضت الدقائق سريعاً مرة واحدة، فإذا الوقت يقترب من منتصف الليل، وإذا برفيقي يواصل بمديته حفر حواف النافذة الحديدية، وقبل الفجر كان يمكن أن يشدها بيديه فينزعها، لكن أصوات أقدام وصلصة مفاتيح بدأت تقترب من آخر العنبر قادمة نحو زنزانتنا.. ونادى رجل لم نتبينه في الظلام على اسمينا قائلاً هيا.. هيا.. تقرر نقلكما إلى معتقل جديد، وستبدأ التحقيقات من أولها. وفي آخر العنبر، حيث الممر المؤدي لمكتب مدير المعتقل، رأيت ملامح وجه نادية وقامة والدها واقفاً هناك ومن بينهما جاء صدى لصوت أمي قائلة ما تخاف يا وليدي.. نحن معك..
 
* سبق نشر القصة بمجلة أدب ونقد المصرية – العدد 269 - شهر يناير (كانون الثاني) 2008