31/12/2009

حكاية سالم
بقلم: الكاتب والروائي عبد الستار حتيتة

 
صوت الشاب بهي الطلعة، الماهر في قيادة السيارات، سالم، يغني على عزف مزمار رفيقه السوداني، عثمان، في الوادي تحت الهضبة السوداء. كان له في الحياة هدفان، حقق الأول وهو تسديد ديون والده المتوفى، وفشل في الثاني وهو الزواج من ابنة عمه علياء.
 
لم يكن لسكان الهضبة الواقعة على الحدود أي مجال للعمل إلا أحد اثنين أيضاً: المخاطرة بتهريب البضائع، أو رعي الأغنام. وعلى هذه الحالة قرر سالم، المعروف بحديثه العذب ومواقفه التي تشبه مواقف الفرسان، الانتقال إلى العالم الآخر بطريقته، لكن لا أحد يعرف إن كان الجنود ألقوا به في البئر حيا، أم ميتا، بعد سقوط سيارته من قمة الهضبة، إلى قعر الوادي.
 
نغمات تئن تتردد من بئر ذات فوهة سوداء مدورة. يسميها أبناء القبائل الأشقياء هناك، البرزخ من كثرة ما ألقت فيها السلطات من جثث المهربين القتلى.
 
تقع البئر في واد عميق تحت سفح الهضبة. وهي بلا قرار، لأن كل حبال النجوع المجاورة لم تصل إلى آخرها. كما لم تخرج منها أي روائح للجثث. كل من نزلها حيا لم يخرج منها أبدا. أما المهربون القتلى، فتبتلع جثثهم جميعا ولا تكتفي.
 
صوت غناء سالم مع صوت مزمار عثمان يوجع قلب كل من يقترب من البئر. تسمعه يتردد في ليالي الصحراء المقمرة. يقال إن رفيقه هو من يعزف له، لأنه يعرف ألمه.
 
جاء عثمان إلى الهضبة السوداء لكي يعبر ويعمل طباخا في الجانب الآخر من الحدود، لكن السلطات منعته من المرور لأنه لا يحمل تصريح عمل. تعرّف على رفيقه سالم في بيت عمه المدعو العمدة نوح حين اشتغل راعيا للأغنام لديه في نجعه جنوب الهضبة، وبعد طرد سالم من النجع، تبعه عثمان وأصبح مساعدا له في رحلات التهريب. وتعلم خلال ذلك العزف على المزمار البدوي الذي يصنعه رعاة الأغنام من البوص.
 
أنبتت دموع الزوار من ذوي المهربين القتلى أشجارا باسقة على حواف البئر، منذ زمن، في وسط الوادي الجاف. ولا أحد منهم يمكنه أن يجزم إن كان سالم وصاحبه قد ماتا قبل أن ينتهيا في البئر أم أنهما ألقيا داخله حيين. وعلى كل يزعم رعاة الأغنام أنهم يسمعون سالم وعثمان يتناجيان في بعض الليالي بعد أن يتعبا من العزف والغناء في هذا البرزخ المظلم.
 
يقول سالم: هل رأيت يا عثمان كيف وضعت علياء ألواحا لتحمينا.
فيرد عثمان: آه يا زول.. علياء بنت زينة.
يطلب منه سالم قائلا: اعزف مقطوعة علياء مجددا..
فيجيبه عثمان: آه يا زول.. خلينا ننام شوية..
 
سالم كان في أول العشرين من عمره حين سقطت به سيارته من أعلى قمة الهضبة. له خصلات تهفهف على جبينه، ووجه أبيض مدور كقدح اللبن. له جرأة ورقة حديث إذا تكلم، وله صمت مهيب إذا سكت. وله مهارة في قيادة اللاندكروزر على الطرق الوعرة فوق الهضبة وداخل الوديان، وعلى بساط الصحراء. لكن آخر ما يذكره السكان هنا محاولته صعود الهضبة بمؤخرة السيارة، ليغيظ عمه العمدة، وما أعقب ذلك من عويل ولطم للخدود.
 
يرتكب الناس الأخطاء أحيانا. لكن الخطأ هنا كان لا يمكن الرجوع عنه. خيّره عمُّه، بين الاستمرار، بصحبة عثمان، في رعي أغنام القبيلة في الوديان الماحلة، وبالتالي تزويجه علياء حين تكبر، أو، إذا أصر على رحلات التهريب، أن يخرج من بيته بلا رجعة، دون أن يكون له الحق في إرث والده المتوفى.
 
عمُّه رجل صارم عنيد لا يحب المهربين، ولا سيرهم البطولية، بل يبلغ السلطات على جانبي الحدود بتحركاتهم. وهو يحلم منذ سنوات أن ترشحه الحكومة ليكون نائبا في البرلمان.
 
سالم تحول خلال خمس سنوات من صبي يتيم يعيش في كنف هذا العم القاسي، إلى شاب يمتلك منزلا منيفا على حافة الوادي وسيارة تويوتا لاندكروزر شهباء موديل 1999 ذات قمرة مكيفة وصندوق عريض وإطارات مدببة الحواف. لها بوق إذا أطلقه طار النوم من أعين عذارى البيوت الناتئة تحت الهضبة وبنات النجوع المجاورة.
 
كل واحدة لا تنام إلا إذا تخيلت نفسها تهتز جوار سالم في قمرة اللاندكروزر. وكل واحدة تصد خُطَّابها على أمل أن يخطبها يوما ما، كزوجة أولى أو ثانية أو حتى رابعة.
 
البيوت على الحدود تبدو من فوق الهضبة كأنها أطباق صغيرة موضوعة على مفرش الفراغ الرمادي. وتمتد الأرض منبسطة من هناك، حتى السماء المائلة. ويمكن لمن يريد، أن يُرجع البصر مرة أو مرتين، لكي يرى تحت الأفق باب السجن الممتلئ بالمهربين.
 
كبرت علياء وازداد ثراء سالم وكبر خصامه مع عمه. وفشلت كل محاولات الصلح بينهما. أقسم العمدة نوح ألا يدنس ابنته بتزويجها ابن عمها إلى أن يتخلص من بيته الذي بناه من أموال التهريب، ومن سيارته التي اشتراها من أموال التهريب، وأن يعود لرعي أغنام القبيلة، معتذرا. وحين اكتشف أن سالم يتبادل خطابات الغرام مع ابنته، عن طريق عثمان، طرد راعيه أيضا.
 
عاش سالم حزينا بانقطاع الأخبار بينه وبين علياء. لكن في الأشهر الأخيرة، اتفق وإياها، بواسطة إحدى صويحباتها، على إشارة يقوم بها، فتعرف أنه في طريقه لارتقاء الهضبة وجلب بضائع من وراء الحدود، وإشارة أخرى تعلم بها أنه عاد سالما غانما. الإشارة هي أن يدور حول بيتها مثيرا التراب بسيارته دورتين باتجاه عكس عقارب الساعة.. هذا يعني أنه سيخاطر الليلة بعبور الحدود الوعرة وارتقاء الهضبة السوداء وسط طلقات الأسلحة الرشاشة لحرس الحدود. أما حين يعود في اليوم التالي فيدور دورتين، لكن باتجاه عقارب الساعة. هذا يعني أنه عاد وأن حياته مازالت تسير لميقاتها.
 
وعرف السكان بأمر الإشارة. وعرفها عمه، وعرفها حرس الحدود. وكان كلما تحرك في اتجاه الحدود أو أثناء العودة منها ألقت السلطات القبض عليه وصادرت بضاعته، وحبسته ثلاثة أشهر أو ستة أشهر بتهمة التسلل.
 
طال سجنه في المرة الأخيرة بتوصية من عمه، حتى ظهر الصدأ على حواف سيارته وعلى أطراف رفيقه عثمان. كان الناس ينتظرون خروجه من السجن حتى يكون للهضبة معنى. ويقولون لصاحبه مازحين: متى يخرج ملح المدينة، صاحبك، يا زول..
 
ولكي يتجنب زحام الأهالي على باب السجن، أمر مأمور القسم بالإفراج عن سالم فجأة في فجر يوم من أيام الخريف ذات الرياح الهوجاء. حين خرج لم يجد أحدا في انتظاره غير عثمان وسيارته. توجها إلى بيتها.. ترجَّل عن التويوتا، ووقف يهتز تحت نافذة غرفتها كشجرة وحيدة في بيداء فارغة. وقبل أن تشرق الشمس عرف العمدة بخبر خروجه حين أبصره في غبش البكور واقفا هناك، وفي البعيد تقف التويوتا وصاحبه ينتظر جوارها.
 
فتح العمدة النافذة وصاح وهو يدعك ذراعيه العاريين ليدفئهما من البرد: ها أنت خرجت لتثير المشاكل يا وجه النحس.. سيثقب جنود حرس الحدود جمجمتك بالرصاص قريبا. امش واغرب عن بيتي يا جلاب الشبهات والمصائب. اغرب.
 
اختفى العمدة داخل غرفته لحظة، ثم ظهر رأسه مُجَدَّدا خلف ماسورة بندقية خرطوش. طاخ طاخ. أطلق عيارين فوق سالم الذي استدار واختفى بسيارته وراء الظلال. ضحك العمدة بهستيرية وصفق النافذة وحل الصمت.
 
وعرف السكان بما جرى عند بيت علياء. وبدأت الحياة تدب في أطراف الهضبة وفي نجوعها. ماذا يمكن أن يحدث يا ترى بين العم الملتزم بتعاليم الحكومة فيما يخص التهريب والمهربين، وبين ابن شقيقه؛ الشاب المهرب الثري الماهر.
 
وبعد يومين من هذه الواقعة خرج عثمان ينادي داعيا الأهالي، كبارا وصغارا، رجالا ونساء، لوليمة يعدها سالم بمناسبة خروجه من السجن.
 
وفي المقر القديم المهجور لسوق الأغنام، في ظهر الهضبة، ارتفعت سبع خيام من الشَّعر كل خيمة تسع لخمسمائة رجل. وخصص منها خيمتين للنسوة. وعمل الجزارون على نحر مئة خروف. ونقلت السيارات الناس من كل مكان. وبعد صلاة الظهر دخل الشبان بمئات من قِصَاع الأرز الأصفر المخلوط بالكركم وفي وسط كل قصعة قطع من لحم الضأن.
 
وبعد أن فرغ القوم من طعامهم ارتقى سالم برميلا قديما يشرف على الخيام جميعها، وقال: هل تأذنون لي شرح حالي بنفسي. تعلمون أن أبي كان رجلا أبيّا، أحببتموه، ولم يخطأ في أحد منكم. مات ولم يكن عليه دين ولو بقرش. مات تاركا أغنامه وأملاكه في أغنام أخيه وفي أملاك أخيه.. وتعلمون ما صنع عمي بي.. رفض القسمة لكي أسدد ديون أبي. جعل ميراث والدي من حقه هو. أراد أن يستعبدني. هو عمي. دمي ولحمي. لكن ماذا أفعل..
 
وصمت سالم وقد غلبته عبرة. اغرورقت عيون الحشد بالدموع. وبدأوا يخرجون من الخيام ويقتربون من سالم الواقف بثبات فوق البرميل، كأنه خطيب مسجد، فيما الريح تحرك ثوبه الأبيض، وخصلات شعره الأسود فوق وجهه المنتفخ بالحزن.
 
وبدأ السكان وأهل النجوع المجاورة انتظار مغامرة جديدة حين أعلن سالم على الملأ أنه سيرقى الهضبة في وضح النهار من صباح يوم غد لعبور الحدود متحديا سلطان عمه، ومتحديا بنادق جنود الحرس المراقبين على طول السلك الشائك. وفوق كل ذلك، قال إنه سيرقى الهضبة الوعرة صاعدا بمؤخرة التويوتا، لا بمقدمها. ومن يريد أن يشاركه في هذا التحدي المميت من سائقي اللاندكروزر والمهربين فليستعد.
 
لم يكن أحد يمكنه صعود منحدرات الهضبة السوداء ببوز اللاندكروزر إلا بشق الأنفس. كل من أمكنه التحكم بسيارته ذات الدفع الرباعي وهو يرقى الجرف ذا المنحنيات كان ينجح أحيانا لأنه يرقاه ببوزها، لا مؤخرتها، كما يريد سالم.
 
يذكر الأهالي كيف سقط في الخريف خمسة مهربين في قعر الوادي.. حاصرهم حرس الحدود قبل أن يصلوا لحافة الهضبة من ناحية الحدود. يذكرون كيف احترقت بهم سياراتهم المثقوبة بالرصاص وهي تتقلب على المنحدرات واستقرت في قعر الوادي، حيث أمرت السلطات بإلقاء جثثهم التي كانت تشبه طيورا صغيرة مشوية بريشها المتفحم عليها، في البئر دون تحقيقات، كما يحدث عادة.
 
في صباح اليوم الموعود منعت السلطات الأهالي من الوصول لمشاهدة الواقعة، بعد أن بحثت طيلة الليل عن سالم، دون أن تعثر له على أثر، حتى في بيته. اختفى بسيارته واختفى معه رفيقه عثمان.
 
قرب ساعة الضحى، دارت اللاندكروزر فجأة دورتها المعهودة حول منزل علياء، عكس عقارب الساعة، واختفت. وبعد برهة تردد صوت طلقات الرصاص في المنحدرات، ومن هناك ظهرت سيارة سالم مجددا وهي تهرّ وتزفر محاولة الصعود لأعلى بمؤخرتها، فيما كان بوزها ينتفض بقوة.
 
صعد الناس بجلابيبهم فوق أسطح البيوت. من هناك تبينوا سالم وبجواره عثمان، داخل قمرة اللاندكروزر. كانت السيارة قد قطعت نصف المسافة صعودا بمؤخرتها. وبدا أنها عالقة بين الصخور. لكن فجأة واصلت نفض الحجارة والتراب من تحتها، وتحركت مصدرة صوتا مكتوما. ومن حولها كان رصاص الجنود لا يتوقف.
 
أصوات الأهالي خرجت بشكل عفوي من فوق الأسطح: هيلا هوب.. هيلا هوب. تنادي في تحدٍ كأنها تستحث السيارة على الفكاك من المنحدر، والوصول إلى قمة الهضبة سريعا. وقد كان.. وصل الإطاران الخلفيان إلى الحافة، لكن التويوتا أبت أن تتحرك أكثر من ذلك. شخر محركها من التعب، ثم همد. وفي اللحظة التالية بدأت اللاندكروزر تتدحرج متقلبة حول نفسها وهي تسقط من عل..
 
كان رجال السلطات، ومعهم العمدة، أول من وصل للسيارة المحطمة المثقوبة بالرصاص.. ولم يعرف أهل الهضبة ونجوعها، منذ ذلك الوقت، هل كان سالم ورفيقه عثمان حيين، أم أنهما ماتا جراء سقوط التويوتا، أم بسبب طلقات الحرس النارية.
 
في الأيام التالية، كان بعض الأهالي يروون كيف سمعوا صوت سالم، يتردد مغنيا على عزف مزمار عثمان داخل ذلك البرزخ المظلم. لكن حين ينادون من فوهة البئر لا يرد عليهم غير الصمت.
 
ازدادت عزلة العمدة عن الناس، وعن قبيلته، ولم يكشف أبدا عما إذا كان سالم وصاحبه ألقيا في البئر وهما على قيد الحياة، أم أنهما كانا قد ماتا. وتوفي العمدة بعد أن خلعته القبيلة من موقعه، دون أن يحقق حلمه في أن يكون نائبا في البرلمان. أما علياء فمازالت تنتظر سالم ليدور بسيارته حول بيتها باتجاه عقارب الساعة.
 
عبد الستار حتيتة
القاهرة في 30 ديسمبر (كانون الأول) 2009
hetieta@gmail.com
 
إقرأ أيضا للكاتب: اليوم قبل الأخير