20/10/2009
 

 
الفراشية

إلى عمتي خديجة.... عرفانا ومحبة

بقلم: عزة كامل المقهور
 

 
كنا في طريقنا إلى ميدان الغزالة، قادمين من شارع الفتح (أدريان بلت سابقاً)، حيث ضريح سيدي الشعاب، وأضرحة بنات الباشا يتوسدن الثرى تحت قباب بيضاء مسيجة بأقفاص حديدية.
ضَغَطتْ على يدي الصغيرة، وقالت... " عييتي"؟..
 
رفعت رأسي إليها.... لم أر إلا عيناً واحدة، تتوسطها حدقة بنية غامقة.... تتحرك جفناها كمروحة تهز حواشي الفراشية.
 
نظرت اليها مطولاً، رافعة رأسي الصغير، يدور فيه ألف سؤال، انتابني شعور غريب وأنا احدق في عين واحدة، تتحرك من كوة الفراشية فتزداد أتساعاً، وهي في حركتها تلك تنفلت يمنة ويسرى حتى يتهيأ إلي انها ستخرج من محبسها وتسقط.... شعرت بالخوف، إلا أن شيئأ داخلي كان يحثني على الإمعان في النظر اليها، وهي المرأة القريبة إلى قلبي و التي لا أكاد اتعرف عليها وهي تلتحف الفراشية.
 
كان لديها أكثر من فراشية، البيضاء المفتولة الحواشي بعقد مدورة تنتهي بشراشيب، ترتديها في الزيارات، وتلك الملونة بلون الكبريت للخروج اليومي، بينما النوع الثالث من الحرير الأصفر ترتديها في الأعراس والمناسبات، تحتفظ بها في صندوق مستطيل من الورق المقوى في دولابها بين حاجياتها، ما أن تعود من العرس حتى ترمي بها على سريرها، ثم تبدأ في نزع قطع حليها الذهبية من سلاسل "القرينات" و"المجارات"، و"اللبة" المتزاحمة على صدرها.
 
وبينما لا دور لي في إرتداء ملابسها ووضع حليها، فإن لي دوراً بارزاً في نزعها وطيها. ولطي "الفراشية الحرير" طقوس، كنا نقف عند طرفي الحجرة متقابلتين، تمسك كل منا بقوة بطرفها كي لا تنزلق، وهي في وضع مائل بحدة نحوي، ننفضها بقوة حتى يعلو حفيفها، ثم نسحبها جزءأ جزءأ حتى تنشد تماماً كالوتر، لنبدأ في طيها، نتقدم خطوات نحو بعضنا.. نلتقي وجهاً لوجه، نتباعد خطوة إلى الخلف، لنلتقي من جديد وكأننا في رقصة إيقاعية، نطويها حتى تتطابق حوافها كوريقات السجائر.
 
كنت أخمن ما ترتديه تحت فراشيتها، فإذا ما أرتدت "الفراشية الحرير"، فلابد أن تحتها "حولي حرير" موشى بخيوط الفضة، أما البيضاء فيعني ان تكون قد توشحت بالرداء "البرمبخ" المخطط بـخطوط "التل" العريضة، وإذا ما وضعت الفراشية الملونة كما هو حالها في ذلك اليوم، فإنها غالباً ما تلتحف بها على "قفطانها" فحسب.
 
"عييتي"؟، حدقت فيها مرة أخرى، ولولا صوتها المألوف، لما عرفتها، هززت رأسي بلا، وكان أن حدست انها تتبسم خلف الغطاء.
 
كنا قد وصلنا إلى نافورة الغزالة، نسير على يسار الطريق، نستظل بأغصان الشجر المتشابكة، ندهس حبيبات سوداء عصية متساقطة منها، لا استسيغ سحقها بقدمي.
 
نافورة الغزالة، حلقة من الرخام، يتوسطها تمثال لإمرأة عارية، نهداها بارزان، ينسدل شعرها بفوضى على كتفيها، تجلس مثنية الساقين إلى جانبها، بينما تلتف بإحدى يديها على عنق غزالة تقف خلفها، تمد رأسها بعينين مفتوحتين، وقرنين ناتئين، وباليد الأخرى تمسك بجرة تستند عليها. تنبعث من حواشي الحلقة رشاشات الماء نحوها. تضج الحركة الدائرية من حولها، تحوم السيارات، ويتحلق الرجال، يجلسون على حاشيتها، أو يعتمدون عليها بقدم واحدة، يدخنون ويتحدثون، يقابلها شارع رئيسي يؤدي إلى مبنى البلدية.
 
كان البحر يتبعنا طوال الطريق يلقي إلينا بنسماته ورائحته العابقة بروائح الملح والطحالب الخضراء. تقت للانتقال إلى الرصيف الآخر، كمشت فراشيتها وجذبتها، انصاعت لي... ومن بين أعمدة الكورنيش الأسمنتي أطللت برأسي، وانبعثت تلك الرهبة داخلي من أن أقع في الماء ولا أجد من ينقذني. كان الكورنيش يحجز البحر، ويعيقه، وكانت أمواجه المتلظية تتخبط بقوة على الحاجز الأسمنتي الذي يغرق رأسياً بعمق، تصدرعنها بقبقة ممتعة كأنها مياه تدلق على أرضية مبلطة. كانت النباتات الخضراء تتنامى حتى تطفو على سطحه وتلتصق بالحاجز بفوضى، تتراقص مع وصول الموج فتسبغ عليه إخضراراً لزجاً، ورغم دفق الموج، فإنها تنحني له لتعود طافية ما أن ينكسر. كنت أراقب كل ذلك ورأسي معلقة بين عمودي الكورنيش حتى إنتابني دواراً خفيفاً، لم ينتشلني منه إلا صوتها المخنوق وهي تعض على فراشيها بأسنانها، وشعرت بأصابعها ترتب على كتفي.
 
سرنا حتى بانت لنا شيئأ فشيئا "السرايا"، يشقها قوس تمر عبره السيارات، مبنى مهيب لونه ذو إحمرار، تبرز في أعلاه شرفة ضيقة مقارنة بحجمه، ما أن تقترب من حائطه الشاهق حتى تشعر بالضآلة.
 
كانت الأحصنة التي تجر "الكراريس" المزركشة تستريح واقفة تحت ظل السرايا، تحمحم، وهي تهز رؤوسها يمنة ويسرة، فتقرع أجراسا التفت حول جيودها، تضرب بتكاسل بحوافرها الاسمنت مصدرة قرقعة، أمعن النظر في رؤوسها، أبحث في وجوهها المخروطية عن عيونها وقد غطيت من جوانبها بقطع جلدية سوداء، فلا أتبينها. أرفع رأسي وأحدق فيها فأرى عيناً واحدة تغلق وتفتح جفنها بعصبية من بين حواف الفراشية التي تقبض عليها بكلتا يديها حيناً، أو تقبص عليها بأصابع اليد الواحدة وتعضها بأسنانها حيناً آخر، أنتقل بعيناي مجدداً إلى رؤوس الأحصنة، فلا أتبين أعينها.
 
مازالت يدي في يدها، ندلف في الزحام عند مدخل سوق المشير، تتكاثر "الفراريش" البيضاء كالحمام، جيئة وذهاباً، تغمغم فيما بينها، تفلت عنها من حين لآخر ضحكة مكتومة. ندخل عالم سحري، الذهب والفضة، بضائع الأعراس، الأردية والحرير، طرقعة النول، رائحة الأقمشة والجلد، الرجال أمام الدكاكين أو داخلها، والفراريش تحوم في المكان و تتحرك كعرائس قماشية في مسرح مفتوح، ما أن ندخل الدكان حتى تزداد قبضتها قوة على يدي أنظر اليها، فأرى يدها الأخرى تغمض بقوة على حاشية الفراشية توسع ما بينها وفمها، لتنطلق كلماتها نحو الرجل بثقة، تساوم، تشتري، أو تقلب البضاعة بيدها التي تنصلت من يدي، تتركها على الطاولة المستطيلة، وترحل.
 
نخرج من حيث أتينا وقد تزاحمت "الفراريش" مجددا عند المخرج، كانت أسراب طيور الخطيفة تحلق في المكان فاردة أجنحتها الطويلة السوداء، وهي تتراقص كالطائرات الورقية، تكاد تلتصق بسور السرايا، تتنادى بصياح. كان الوهن قد دب في ساقي النحيلتين، ولم يكن بمقدوري التحدث إلى العين الواحدة. أنزوت بي جانباً، نكست رأسها المغطى نحوي، ثم كشفت فجأة لي عن وجهها، كانت هي بشحمها ولحمها، وأعترتني رغبة في أحتضانها، تبسمت، رأيت عينيها ضاحكتين، وقالت: "عييتي؟"، كنت سأهم بالبكاء، لولا أن قالت لي " نأخدوا الكروسة للحوش"، طرت فرحاً، لطالما تمنيت أن أركب "الكروسة"، أطوف بها، أسمع نعال الحصان وطرقعة السوط على الأسفلت. أعادت الفراشية على وجهها أحكمت عليه قبضتيها بشكل آلي، وقفت امام "الكرارسي"، تحدثت اليه، رفعني إلى المقعد الجلدي الأسود، ركبت بعدي، وأغلق علينا غطاءً أسوداً جلدي. طرقع بالسوط الطويل على الأسفلت تحرك الحصان رويداً رويداً، أخذنا ذات الطريق، مررنا بــ"نافورة الغزالة" تناثر الرذاذ منها على وجهي، هبت رياح خفيفة مشبعة بالرطوبة، شعرت بالبرد، فأحتضنتني ودثرتني بفراشيتها. لم يلتفت "الكرارسي" الينا طوال الطريق، وعند نقطة معينة، تقدمت إلى الأمام بجذعها، وطلبت منه الوقوف على الشارع الرئيسي بعيداً عن الشارع المؤدي إلى البيت، نزلنا، سلمت اليه ورقة نقدية، وهي ما تزال تقبض على الفراشية بيدها، أمسكت بيدي، واستأنفنا المسير، كنت اشعر بأنني أطير كالخطيفة بعد رحلة الكروسة القصيرة، ما أن وصلنا، حتى كشفت عن وجهها، نظرت الي وقالت "ما تقولي لحد ع الكروسة، باش نركبك مرة ثانية". لم أقل لأحد، ولم أركبها بعد تلك المرة!
 
عزة كامل المقهور
طرابلس
- 7. 10. 2009

 


إقرأ أيضا للكاتبة:   حالة انتظار (قصة قصيرة)

 

 

أ.م
قصة طرابلسية جميلة ومعانيها بين السطور.. في الجزء الخاص بطي الفراشية وانواعها رجع بي اكثر من 20 سنة اى صور متفرقة لمرحلة الطفولة التي تكدست عليها اعباءالحاضر والمستقبل فانستنا الكثير من معالمها الجميلة ولكن بوصفك الجميل ازحتي عنها الغبار واسعدينا بالمرور عليه من جديد؟؟ موفقة عزة وهذه اول مرة اقرأ لك واتمنى ان لا تكون الاخيرة.. موفقة.

حفيدة العمدة 7
احسنت وتمتع بهذه القصة مع العلم اننى لست طرابلسية ولم ازور طرابلس الا مرات قليلة.. ولكنى من عشاق القصة القصيرة اتمنى ان اقرآ لك قصص اخرى ولك تحياتى.

abdulhakim elbousifi
اختي يا بنت مقطع الحجر .شكرآ علي دقتك وقوة ملاحضتك انتي مبدعه.

طرابلسي أصيل
أحسنت على قصتك القصيرة وأعتقد بان أضرحة بنات الباشا المقصود بها مقبرة الفاطميين وتذكرت الشارع الرئيسي هو شارع 21 نوفمبر المؤدي لمبنى البرلمان من ميدان الغزالة.
 
تعليقاتكم......
الإسم:
العنوان الإلكتروني:
التعليق