04/07/2009

النتيجــــــــة ؟!!...
بقلم: رجب الشلطامي

أرشيف الكاتب


 
كانت حجرات المكاتب نظيفة، وهذا شيء مخالف للعادة، وكانت مضاءة أيضاً.. والمراوح تلعب في كل اتجاه، ورائحة مبيد الحشرات المعطر تخترق الأنوف، والفراشون في حالة انتباه تام، والإدارة عموماً في وضع استعداد لم يسبق لها أن عايشته، والموظفون يتساءلون عن كل هذا الاهتمام بزجاج النوافذ الذي يكاد الغبار المتراكم عليه يحجب الرؤية.. ونتيجة لذلك لم يترك أي موظف مقعده، الكل نبت في مكانه، وإن كان التساؤل قد ألح على أفكارهم.. لقد انتهى عصر الزيارات.. ولم تدم فترة الأسئلة التي كانت تدور في الأذهان، فقد قطعها صوت رئيس القسم عندما طلب من أحد الموظفين الذهاب فوراً ليحلق ذقنه..
 
• سوف تأتي لجنة لمتابعة الموظفين وتقييم وظائفهم.
• وما دخل هذا بذاك؟
• المظهر.. المظهر اللائق يدل على حرص الموظف..
• غريبة.. هي لجنة متابعة.. أم لجنة تفتيش على نظافة الأظافر؟
 
وانتشر الخبر كما ينتشر نبأ أي وباء، وبدأت مجموعة من الموظفين تظهر السجلات والملفات المدفونة في الأدراج وتكدسها على المناضد.. وأخذت الأوراق المدسوسة منذ فترة ترى النور من جديد.. بعضها فوق بعض وكأن العمل جار بها.. وقد امتلأت السلة المكتوب عليها "أعمال منجزة". واختفت فناجين القهوة.. وأخذ كل واحد يفكر ويستعد لاستقبال الأسئلة ويعد الإجابة.. وإن كان شبح الخوف قد سيطر على بقية الاحتمـالات.. ربما وجدت اللجنة أن هذه الوظائف لا داعي لها.. وعليه فإن تسوية أوضاع شاغليها وتسريحهم سيكون هو القرار النهائي.. كانت الأيدي تمسك بالقلم لتخطط على الورق الأبيض أشكالاً وتعاريج توحي بالاضطراب الذي أخذ يعيشه كل واحد.. ولم تنجز أعمال ولكن الرسومات للتوترات الداخلية هي التي كانت تسود الورق الأبيض والذي كان يتحول رأساً نحو السلة فيملأ جوفها الخالي..
 
الساعة قاربت العاشرة وكل شيء هادئ.. عدا الأعصاب.. الفراش جالس على كرسيه في طاعة عمياء للجرس الثابت في الحائط.. والزيارات بين المكاتب توقفت رغم حسن العلاقات.. وصبي المقهى لم يعد يتطاير بين الحجرات والممر كما كان.. ثم بدأت الحركة. ووقف الفراش في استعداد.. لقد شاهد مجموعة من الناس الذين يبدو الاهتمام البالغ بمقدمهم. وسرى الخبر.. اللجنة جاءت.. كانت مكونة من أربعة أشخاص باستثناء الكتبة.. احتلت مكتب الرئيس.. الذي كان يوزع ابتسامته بالمجان منذ أن سمع بالخبر.. ومر وقت زادت خلاله درجة الحرارة شيئاً من الارتفاع.. ثم شرعت اللجنة تستعد للقيام بعملها.. مجموعة من الاستمارات تحوي عدة استفسارات.. ثم عدة أسطر فراغ تدون بها الملاحظات التي تكون صالحة للتدوين.
 
نودي على الفراش الذي اتخذ فيما بعد دور الحاجب.. كان يصرخ بأعلى صوته باسم الموظف الذي يأتي دوره للمثول.. ودخل الموظف الأول.. ووقف في مواجهة اللجنة.. كان كالتلميذ تماماً.. يداه خلف ظهره.. ورأسه منكس ينظر إلى مقدمة حذائه.. وعيناه تتابع رسومات السجادة التي يقف عليها.. وشيء من العرق كان يلمع على جبهته..
 
• أهلاً.. اسمك.. وعمرك.. وتاريخ خدمتك.. ومؤهلاتك.
وشرع في الإجابة.. في أول الأمر أحس بصوته يتقطع.. ثم شعر بعد فترة بقليل من الراحة بعد أن أزاح حمل الإجابة عن كاهله.
 
• هذه اللجنة تريد أن ترى رأيك في الإدارة.
• إدارة.. إدارة.. حسنة.. ومديرها أحسن.
• ورئيسك ؟
• إنه أخ وصديق.. إنه أحسن ما في هذه المصلحة...
• حسناً.. ماذا يضايقك ؟
• تأخير الترقيات فقط.. إنه شيء يذهب راحة البال ويقلل من الرغبة في الإنتاج.
• شكراً..
 
وعندما خرج صرخ الحاجب من جديد بالاسم الثاني، الذي قفز من فوق مكتبه وقبل أن يطرق الباب حاول أن يستفسر من زميله السابق ولكنه لم يعرف بالضبط ماذا كان يقول له..
 
• أهلاً .. هذه اللجنة تريد أن تأخذ رأيك في الإدارة..
• الحقيقة أنها كأي إدارة أخرى مثقلة بالروتين.. وبكل شيء يثير الأعصاب.
• مثل ماذا ؟.
• بصراحة.. كـل شيء.. مثلاً سجل الحضور.. طريقة المخاطبة.. التهديد بالخصم.. كل شيء.
• حسناً.. شكراً.
 
ونودي على الثالث.. وعندما دخل أخذ ينظر في وجوه الأعضاء.. وشاهد الاستمارات قد وضع على بعضها فناجين القهوة وأكواب المياه المثلجة.. وكان رئيس القسم.. يقف بالقرب من الحائط وهو يبتسم للقادم..
 
• ما رأيك في الإدارة ؟.
• في أي شيء.. أعني من أي ناحية ؟.
• طريقة العمل المتبع بها.. معاملة المسئولين.. أي شيء تراه..
• بيروقراطية جداً جداً..
• ماذا.. كلمة أجنبية ؟
• تعني التعفن الإداري.. التعفن في كل شيء..
• ماذا يضايقك.. رئيسك مثلاً ؟
 
• إنه موظف يجيد توجيه اللوم أكثر من دفة العمل.. وكذلك المكاتب إنها قديمة متداعية.. إنها أشبه بزنزانات.. واللون الغامق من الأزوقة.. والأدراج القديمة.. الموروثة من عهد الأتراك.. كل شيء يبعث على السأم.. ليس هناك شيء مبهج على الإطلاق.. حتى اللوائح التي تحدد لنا معالم طريق السير قديمة.. والمعاملات مصبوغة بعدم الثقة.. لا شيء مريح على الإطلاق..
 
• حسناً.. شكراً..
• وعندما خرج.. أراد الرئيس أن يعطي اللجنة شيئاً من الإيضاح..
 
• إنه فنان.. يقول بأنه يهوى الفن.. وهو دائماً يصبغ الأشياء باللون الفني.. يريد أثاثاً مريحاً. وأزوقه مبهجة.. ومكتباً واسعاً.. حتى يرتاح نفسياً ثم ينتج.. غريبة.
 
• يبدو كذلك.. إنه نوع طريف من الموظفين الجدد.
• ثم جاء دور الرابع.. تقدم نحو المكتب الذي أخذ منه البيانات.
 
• أهلاً.. هذه اللجنة تعطيك الحرية في أن تقول رأيك بصراحة.. دون خوف.. هل لك رغبة في الانتقال ؟
 
• إلى أين ؟ .
• هنا بنفس المكان في قسم ثان.
• اعتقدت رغبة النقل لمكان آخر..
• لا. أجابه رئيس اللجنة.
• لا ليس لي رغبة.
• ما رأيك في أصدقائك الموظفين ؟
• كل منهم يعطي ما يستطيع.. بقدر العناية التي توليه إياها المصلحة.
• ورئيسك.. ما رأيك فيه ؟
• لا بأس.. يستطيع أن يقول كل شيء عدا الكلمة الطيبة.
• حسناً.. شكراً..
 
ودخل الخامس.. ولم يلاحظ أي شيء باستثناء كتابة البيانات أما بقية الأوراق المطروحة فقد كانت خانة الملاحظات خالية من أي تدوين.. وبدأ يخامره إحساس بأن العملية تكاد تكون إيجاد عمل لأعضاء اللجنة أكثر من مضمونها.. أو هكذا خيل له..
 
• أهلاً.. هذه اللجنة تعطيك الحرية في أن تقول رأيك بكل صراحة..
• شيء جميل.. أرجو ذلك..
• أولاً لا تعتبرنا من المسؤلين.. اعتبرنا أشخاصاً عاديين.. وقل لنا رأيك فيما تراه.
 
• الحقيقية يبدو أن العملية إحراج أكثر منها متابعة أو تقص.. فإذا قلت مثلاً أن الإدارة ممتازة.. فستقولون منافق.. وإذا قلت عكس ذلك قلتم حاقد.. لهذا أعتذر عن الإجابة.. هل من حقي ذلك ؟
 
• ورئيسك.. وطريقة العمل..
• الأول يجيد كتابة رسائل الخصم والاستماع للأقاويل.. وإعطاء الدرجات الضعيفة.. أما طريقة العمل .. فهي طريقة هزيلة ومريضة موروثة عن عصر الأتراك.. كل شيء يأخذ تسلسلاً روتينياً وتعقيداً شكلياً بدون فائدة.. والمجاملات لها جذور في عمق النفط.
 
• أترغب في النقل إلى قسم آخر ؟
• جحيم بجحيم هنا أحسن.. على الأقل تعودت على لون الجدران الكئيب.. وأدمنت تهديدات الفصل.. وحفظت اللوائح البالية.
 
• لك ملاحظات أخرى ؟.
• وهل كتبتم كل شيء مما قلت.
• هذا ليس مهماً.. نحن نعرف خلاصة الأقوال ونحفظها..
 
• أعتقد لو وجهتم هذه الأسئلة في رسائل في شبه استفتاء وأعطيتم حرية الإجابة حسب رغبة كل موظف ربما كان ذلك أجدى.. أما الإحراج بهذا الشكل.. فأعتقد أن طريقتكم هذه خطأ كما يبدو لي..
 
• حسناً.. شكراً..
 
• وخرجت اللجنة بعد أن جمعت بعض الأوراق المنشورة على المنضدة.. وكان رئيس القسم يتبعها وهو يربت على كتف أكبر الأعضاء سناً..
 
• ألم أقل لكم من الأول.. أن أغلبهم مشاغب.. إنهم تعودوا الكسل.. والخصم والعقاب لم يعد يجدي معهم.. الفصل.. هو وحده أحسن علاج.. لقد تعبنا وكافحنا من أجل الوصول.. ثم يقف الواحد هنا ويقول أن الرئيس يجيد كتابة رسائل الخصم فقط.. لقد نسوا زمن كفاحنا.. إيه.. إنه زمن العجائب..
 
وأخذ يتتبع أفراد اللجنة حتى دخلوا القسم الثاني. وعاد وفي عينه.. وعيد. ولم يعرف أحد من الموظفين موجهاً لمن.. ولكنهم سرعان ما يعرفون.
 
 
رجب الشلطامي
بنغازي 29 /8/ 1970
eshelltami@yahoo.com
 
* سبق نشر القصة بصحيفة قورينا بتاريخ 29/06/2009 - العدد472