06/04/2009

البــــواب ؟...
بقلم: رجب الشلطامي

أرشيف الكاتب


 
في نهاية الممر الطويل يقع في المواجهة تماماً باب خشبي.. كتب في أعلاه بخط كبير كلمة "ممنوع الزيارة" وفي السطر الثاني تحديد لمواعيد المراجعة في الأعمال والاستفسارات.. وقد جلس رجل كبير على يمين الممر وبيده مفتاح الباب.. كان يفتح للخارجين والداخلين ممن يشتغلون في المكان.. وعلى مقربة منه وقف مجموعة من المنتظرين ينتظرون السماح لهم بالدخول لمراجعة مواضيعهم المعلقة من أيام.. كان أحدهم يحاول شرح ظروفه لحارس الباب الذي كان يستقبل كلمات محدثه بإذن طرشاء وأخرى لا تريد السماع.. كان الحارس بحكم المدة التي مكثها في هذا المكان قد فهم كل الأعذار التي يتداولها المراجعون.. فهم عادة مشغولون.. ومستعجلون.. ولهم أولاد في المستشفى.. وزوجات في حالة خطر.. ولهم أقارب ماتوا.. ولديهم الإذن في عشر دقائق فقط من رؤسائهم.. كل هذه التبريرات وغيرها للسماح لهم بالدخول.. اقتنع بأن ثلاثة أرباعها مختلق.. ومن كثرة ما تعود الناس من نســج الأعــذار أخذ كل واحد يتفنن في صنع الجديد المقبول.. الأمر الذي جعل القليل الصحيح منها يغرق في بحر الكثير المفتعل..
 
والحارس لم تغادر ذهنه ولم ينس بعد رسالة الخصم التي جاءته من رئيس القسم عندما تعاطف مع أحد المراجعين، حيث اتضح بأن الثاني جاء ليضرب موظف لأنه نسى إدراج اسمه في كشف المشتركين في مسابقة ما.. وهو لم ينس محاضر التحقيق التي تسلل إليها عبرها، الاتهام بأنه ربما كان متعاوناً مع الجاني.. وحاول أن يبرر تصرفه بأنه قبل عذر الرجل المختلق.. ولكن من يسمع كلمات فراش !.. ولهذا أخذ لا يرد على كلمات المراجعين واستفساراتهم.. كان يشير فقط بإصبعه نحو الكلمات المكتوبة بخط كبير.. "ممنوع الزيارة" المراجعة بعد الساعة الثانية عشرة والنصف.. ولم يكن يهتم بكلمات السخط وكان يكتفي بالإشارة بإصبعه إلى أعلى.. وكانوا يردون عليه.. نحن نعرف القراءة لسنا عمياً.. أي فوضى هذه.. أنت فراش أم سجان.. هذه مكاتب وإلاّ معتقلات.. هذه سجون وليست دوائر لخدمة الناس أصحاب المصلحة..
 
كان الحارس يعرف بأن إقناعهم لا ينفع.. فهم يرون دائماً بأنهم على صواب وأن مراجعة موظف لمدة ثلاثة دقائق لن تضيع وقته إذا ما توفرت رغبة العمل الحقيقية.. كان ذلك هو تفسيرهم.. وكان تفسيره بأن الثلاث دقائق لا يمكن أن تكفي لأي أحد من هذه المدينة لإلقاء كلمات الترحيب والاستفسار عن الأهل والأقارب وسهرة التلفاز.. وبعد ذلك الدخول في الموضوع.
 
ولكن حارس الباب كان دائماً عندما تهدأ الحركة يقوم بمحاسبة نفسه.. إنه يكره أن يمارس طيلة اليوم عملية الكذب هذه.. لأنه يقوم بممارسة عملية سجن بدون مبرر.. ولكن ماذا يفعل إذا كانت هذه (أوامر).. إنه لا يريد أن يعرض ظهره لرسائل الخصم.. فليحترق الجميع.. كان يعرف بأن الموظفين الذين يقوم بحراستهم من الخارج يحتمون بالتعليمات الملصقة في الباب.. يقضون الصنف الأول من النهار في قراءة الجرائد.. ثم تناول السندوتشات.. ثم القيام بلعبة الحظ على من يدفع ثمن المشروبات.. ويتحلقون حول إحدى المناضد على رائحة القهوة يتناولون أحداث العالم بالتفسير.. ثم ينحدرون إلى مسرحية السهرة التي عرضت بعد منتصف الليل مظهرين براعة غريبة في النقد المسرحي.. ثم يتقلصون بالحديث حتى يصلوا تواريخ تعيينهم وتواريخ استحقاقهم للترقية وفجأة يهربون بالحديث حتى عن آخر ساعة وأخر نكتة عن فتيات المدينة.
 
كان المارد الذي يحرس الباب يعرف كل ذلك.. وأكثر.. وكان يحس بأنه يقوم بتمثيل الحامي لهذا المسخ.. وبأنه السد الواقف أمام مصالح المراجعين.. ولكن ماذا يفعل.. إنه لا يملك إصلاح أمور الناس.. ألم يقل له ذات يوم أحد جيرانه الطيبين عندما شعر بالتعب وسأل جاره المشورة، لقد قال له الرجل بأن الناس في هذه المدينة تغيرت طباعها.
 
ويحس الرجل بأن يده قد نزفت من العرق ما يكفي.. ولقد تعبت يده وهو يدير المفتاح للداخلين والخارجين من المشتغلين داخل "المعتقل" كما يسميه المترددون.. كان يحس بالخجل لأن ظروف عمله جعلته يعيش هذه التجربة.. ولكنه يعود لحكمة جاره فيجد فيها تفسيراً لكل ما يدور حوله.
 
كان الشاب القادم عبر الممر ممن يترددون باستمرار.. وإن كان يأتي بعد منتصف النهار عكس هذه المرة. وجاء الشاب مباشرة فأمسك بمقبض الباب يريد الدخول فأشار إليه البواب نحو اللافتة المعلقة.. نظر فيها الشاب ملياً.. بينما يده كانت ما تزال تلعب بمقبض الباب في محاولة لعتله..
 
ــ يا رجل.. قلت لك اقرأ المواعيد.
ــ إيه.. منذ متى تحددون الزيارة بالمواعيد.
ــ لقد تغير الأمر.. كل شيء بالمواعيد.
ــ قلت لك افتح.. أحسن.
ــ لماذا.. المواعيد مكتوبة أمامك .
ــ أنا لم يقفل في وجهي باب مهما كان أصحابه.
ــ وأنا لم أفتح الباب مهما كان القادم.
ــ سأتسبب في قطع عيشك.
ــ كان زمان.
ــ يا سيد حافظ على كلامك.
ــ يا سيدي أنا عندي أمر.. شوف اللافتة..
ــ أريد أن أسال عن موضوع يخصني.. لست قادماً للنوم هنا..
ــ ولو.. تعال في موعد المراجعة.. لا أحد يقف في طريقك..
ــ لم تلده أمه الذي يريد أن يقف في طريقي..
ــ يا بوزيد.. شوف اللافتة..
ــ يا عبد.. افتح الباب..
ــ مستحيل كيفك كيف الجماعة المنتظرة.. أهو مكتب الرئيس..
ــ حسناً.. سأدخل غصباً عن سواد لونك..
ــ أنا عبد الأوامر.. تفضل..
 
واتجه الشاب نحو المكتب المحاذي للبواب.. ومرت لحظات.. سرت حركة بين الواقفين.. بعضهم يؤيد تصرف الشاب.. وبعضهم يعطف على كلمات الحارس.. أن الأوامر صدرت له هكذا.. فماذا في يده.. وأخذ الحديث يتشعب بينهم يأتون بالشرق والغرب.. يحللون الكلمات والأوامر.. يصنفون الصواب والخطأ.. وبينما هم كذلك.. صفق الشاب باب الرئيس خلفه.
 
ــ كانت حركته هذه مصحوبة بنظرة شامتة تدل على انتصاره.. فقد تقدم نحو البواب ورمى في وجهه بالورقة التي تسمح له بالدخول.. وأخذت يد البواب المفتاح وعينه تخترق الشاب.. وتخترق الواقفين.. وبدأت همهمة مصحوبة بكلمات الغضب.
 
ــ ألم أقل لك لم يقف باب في وجهي..
ــ أنا لست باب..
ــ أعرف.. أنت باب من لحم..
 
ودخل الشاب عندما انفتح الباب تماماً.. فيما أخذ البواب يتحسس ظهر الكرسي.. ثم ترك المكان ودخل رأساً إلى مكتب الرئيس وبشيء من الغضب غير المعتاد رفع صوته بتحدٍ واضح:
 
ــ أريد نقلي حالاً..
ــ ممنوع.. ابق مكانك حتى لا يتسلل الواقفون..
ــ لا أستطيع.. ولكن إذا رفضت نقلي اعتبرني مفصولاً.. حتى بدون كتابة استقالتي.
ــ وأنت كذلك.. المصلحة مملوءة بالبوابين.. ماذا تعتقد.
 
وخرج الرجل من الباب وقد صفقه بقوة وأخذ يسير وسط الممر الطويل متجهاً نحو الباب الخارجي.. فالميدان.. فالشارع العامر بالحركة.. أثناء ذلك كان الشاب يقف بالقرب من نافذة صديقه الموظف قاطعاً عليه لذة تصفح الجريدة اليومية وهو ما يزال يزهو بالفوز..
 
ــــ هات سيجارة.. أنتم مكاتب واللا معتقلات.. لقد طلع ديني من أجل هذه السيجارة.. وكدت اضرب السجان الواقف بالباب.. ولكني تذكرت بأنه لا يستحق أكثر من ورقة يبصمها رئيسكم وأرميها على مناخيره السوداء.
 
جريدة الحقيقة، بنغازي- 25 يوليو 1970 العدد 1487
 
رجب الشلطامي
بنغازي في 9 أكتوبر 2008
ESHELLTAMI@YAHOO.COM