08/08/2009
 

أول الطريــق ...
 
بقلم: رجب الشلطامي

 

أرشيف الكاتب


 
هذه العلبة تأخذ منها ثلاثة أقراص بعد كل وجبة.. والموجود في الزجاجة تأخذ ملعقة مرتين واحدة في الصباح والأخرى عند النوم.. وهذه حقنة في العضل.
 
• شكرا..
 
كان المكان مزدحماً بالمترددين.. بعضهم في يده وصفة الأدوية، وبعضهم باستشارة الصيدلي. امرأة بدينة متعبة لم تستطع الوقوف. أخذت تدنوا من المنضدة ثم سحبت الكرسي وجلست عليه وقد أحدث الكرسي صوتاً كزعيق العصفور الكناري الأمر الذي جعل بعض الواقفين يلتفتون نحو الصوت، سرت همهمة وعلت بعض الضحكات وشعرت المرآة بالحرج. ولكنها كانت متعبة.. كان الصيدلي يحاول قدر جهده التخلص من الزحمة لصغرالمكان وقد رص بالأرفف..
 
وبقرب المنضدة من الجهة المقابلة للمرآة وقف شاب يدخن غليوناً مما زاد في اختناق المحل برائحة تبغه، الشاب يتفحص الزبائن بعينين فيهما شيء من عدم الراحة. كلما قرب دوره تأخر مفسحاً المكان لاخر.. دخل رجل كبير لم يكترث بالموجودين قبله أخذ يحادث الصيدلي مباشرة:
 
• أريد أي شيء يذهب عني الكحة..
 
• هل تستعمل نوعاً معيناً من الأدوية؟
 
• لم أذهب طيلة عمري لأي طبيب.. لقد عشت على لبن الإبل.. ولكنني منذ ان دخلت المدينة وأنا في حالة متعبة.
 
• تفضل. استعمل هذا ملعقة أكل ثلاث مرات في اليوم.
 
لم تقل الزحمة. كلما خرج واحد دخل آخر وأراد الصيدلي أن يعطي الاولوية للشاب صاحب الغليون. وجوده غير مريح فهو مصر على التدخين..
 
• تفضل.
 
• لا معلش. الجماعة قبل.
 
• لقد تبرعت بدورك أكثر من مرة.. تفضل.
 
• والله.. يا دكتور.. الحقيقة.. أريد نوع دواء لا أتذكر اسمه بالضبط وجدته صدفة لدى صديق..
• معك العلبة؟
 
• لا ولكن أستطيع وصفه.. زجاجة صغيرة لونها أحمر والحبوب التي بداخلها صغيرة.. في حجم حبة العدس.. لونها أخضر.. وفي فتحة الزجاجة لفة قطن صغيرة..
 
• كل هذه الأرفف تحمل نفس الصفات.. مما تشكوا؟
 
• الحقيقة.. أنا لست مريضاً بشيء معين.. إنني متعب.. مرهق.
 
• أحسن تذهب لطبيب.
 
• الأمر لا يستحق الذهاب إلى الطبيب هذه الحبوب وجدتها عند صديق ولكنه مع الأسف لم يستطع البقاء هنا فسافر.. لقد أعطاني منها أقراصا.. كانت شيئاً رائعاً.. لقد نمت براحة.. وكنت كل ليلة قبل النوم أكتب بحثاً طويلاً . . شيء مدهش كتبت بحوثاً عن مؤامرات الاستعمار في العالم.. أتعرف ماذا اكتشفت ؟ لقد اكتشف أن سبب تأخر العالم هو الاستعمار.. إنه شيء فظيع.. فظيع بالمرة..
 
• أعرف.. أعرف.. أجابه الصيدلي.
 
• وتعرف إن السبب هو عدم توعية الجماهير.. لان الاستعمار كان مسيطراً على أحاسيس الناس.. إنه استعمار ألم أقل لك.. كان اكتشافاً مذهلا قررت نشره في كتاب ليعرف الشعب بأن هناك مفكرين يسهرون من أجل البشرية.
 
• لم أقصد توعية الجماهير. أقصد أن تذهب لطبيب أحسن.
 
• يا دكتور لو تتبعت معي وصف الزجاجة فأنا متأكد بأنك ستعرف الدواء الذي الذي ابحث عنه.
 
• أنت تريد دواءً لا تعرف حتى اسمه..
 
• أستطيع أن أعطيك الوصف بدقة أكثر.. إنه يساعد على التركيز.. أتعرف بماذا أحس عندما أتناول الحبة؟ أحس براحة غريبة فكل أطراف جسدي تصبح في هدوء تام إلا تفكيري الذي يكون مركزاً في البحث الذي أعده، بحث مهم، التفت نحو الواقفين وهو يزداد إعجاباً باكتشافه وفي صوته اعتزاز، لقد اكتشفت مثلاً أن شركات البترول التي استطاعت أن تحصل على كميات كبيرة لم تأتي هكذا اعتباطاً.. كانت تعرف مسبقاً بأنه يوجد بترول وبغزارة.. لقد عثرت على وثيقة تقول أن الشركات التي حصلت على آبار ضخمة كانت لديها معلومات بأن البلاد تسبح فوق محيط من النفط.
 
• يا أستاذ هذه المعلومات ليست سراً إنها موجودة في كل المجلات المتخصصة..
 
قاطعه أحد الزبائن الذين بدءوا يفقدون السيطرة علي اعصابهم.. فالتفت صاحب الغليون نحوه ببطء.. وبدون اهتمام أخذ يحشو غليونه من جديد استعداداً لأن يدخل في نقاش مع الرجل ولكن الصيدلي تدخل:
 
• يا أستاذ أرجوك أنت تستطيع وبدون الحبوب المخدرة أن تكتشف كل شيء في الدنيا ولكنك لا تستطيع أن تعرف كيف تقول كلمة لا حتى بدون نطقها فلا تحاول أن تخدعني.
 
• غريبة.. من لا يعرف كلمة لا إنها بديهية.. ولكن حقاً ماذا تعني فعلاً ؟
• يا أستاذ "لا" تعني "لا" إنها عكس كلمة نعم على طول.
 
• ماذا تقصد؟
 
• أقصد أن تحاول تجريب هذه الكلمة مع نفسك.. قل لها لا ومنها ستتعلم كيف تقول لرغباتك وللأشياء الأخرى لا ..
 
• لم أستطع إنني مرهق.. تعبان..
 
• وأنا لا يمكن أن أعطيك هذا الدواء المخدر..
 
• حتى بإذن الطبيب؟
• عليك أن تأتي بإذن الطبيب أولاً..
 
• يعني عندما أتمارض لطبيب مقابل جنيه أستطيع أن أحصل على هذا الدواء..
 
• لا أدري.. أما بالنسبة لي لا يمكن أن أعطيك مخدراً..
 
وزعق الكرسي تحت المرآة البدينة وهي تقف متجهة نحو الشاب الذي أخذ يحشو غليونه بعصبية:
 
• يا بني حرام عليك.. لقد أرهقتنا بما فيه الكفاية.. حسناً.. سأذهب إلى الطبيب.. وسأعرف كيف أقنعه..
 
اتجه نحو الباب. وتحرك الواقفون يفسحون له الطريق. ومدت المرآة وصفتها للصيدلي الذي أخذ يطالعها.. ثم التفت نحو الواقفين وهو يعتذر لهم بابتسامة عن هذا الإرباك.
 
• متأسف.. إنه مسكين.. أول طريق الهروب خطوة.. ولكنه سوف يتعب.. سوف يتعب جداً.. والإدمان صعب.. صعب للغاية.
 
ومشى للأرفف وعاد بعدة علب وأخذ يكتب عليها التعليمات وهو يخاطب المرآة:
 
• هذه العلبة يا سيدتي تأخذين منها ثلاث حبات قبل كل وجبة.. وهذه حبتين بعد الوجبة. الزجاجة ثلاث ملاعق في اليوم.. والحقن في العضل.. مرة في اليوم.
 
رجب الشلطامي
بنغــــازي في 12 سبتمبر 1970
 
* سبق نشر القصة بصحيفة قورينا 19/7/2009 العدد 486