19/05/2009

بنادير.. ودرباكــــــة!!!
بقلم: رجب الشلطامي

أرشيف الكاتب


 
الشارع يمتد متعرجا مملؤا بأكداس الأوساخ والمستنقعات الآسنة ، وأطفال يلعبون باد عليهم سوء التغذية ومع هذا فهم كالعفاريت دائبي الحركة.. البيوت علي شكل مربعات متعددة بغير انتظام في الداخل فوسطها خال من أي تقسيمات وهي أيضا مرتع للخرفان والماعز والدجاج والكلاب والقطط والجرذان ، تتوسطها غرف ومنافع من الزنك في الغالب أو عشش من بقايا الخيش.
 
تذكرت المرأة السمراء أيام مضت قبل إن تنقلهم البلدية لهذا الحي الذي تعتبره نعمة من الله ما كانت تحلم بها فقد كانت تعيش في عشّة من الصفيح في حي الزنوج القريب من البحر وتهديداته في فصل الشتاء، حيث كانت تسكن مع والدتها الأرملة والتي كانت تعتبر لعوب الحي فهي غير سويّة في سلوكها ، وتذكرت تأوهات الزيارات الليلية التي يقوم بها بعض رجال المنطقة، كانت تعرف رغم طفولتها لماذا يأتون في هذا الوقت فقد أخبرتها أمها بان الليل سترة الرجال فأغلبهم لا يريدون أن تعرف زوجاتهم بان لهم علاقات أخري..
 
وتتذكر بوضوح يوم أخبرتها والدتها بأن البلدية قد قررت نقلهم إلي حي سكني جديد بعيد، حرصا علي سلامتهم من البحر ومخاطره، لم تنم ليلتها من الفرح لأنها ستترك هذه " الزرائب" المملؤة بالكلاب وحثالة العاطلين الذين لا شغل لهم سوي الجلوس أمام "حلا ليقهم" ومراقبة النسوة والتحرش بالفتيات الصغيرات، وأحست المرأة السمراء ببعض الضيق فقالت في نفسها:
 
• حان وقت الخروج للجارات..
 
وعندما خرجت وجدت جارتها المصادرة لها تجلس أمام بيتها كالعادة وقد أعدت عالة الشاي وطبق به حفنة من القمح تقوم بتنقيته لتحمسه (قليّة)، فبادرتها بالسؤال:
 
• هل رجع زوجك ؟
• نعم.. ولكنه سيعود ثانية فلديه رحلة مستعجلة كما قال
 
أجابت السمراء وهي تشعر بالملل والخوف من هذه العيشة فزوجها سائق عربة أجرة لايستقر معها أكثر من يوم أو اثنين، والبيت بدون رجل أو أولاد موحش وخوفها عليه إن يصاب في حادث أكثر ما يقلقها فالطرق خطرة ورحلات الليل مخيفة، خصوصا وقد حدثها عدة مرات بأنه يقوم بتهريب بعض الأشياء المرغوبة في البلد المجاور وشعر بأنه تحت المراقبة..
 
مر وقت وإذا بعدد نسوة الشارع تتكدس أمام البيت لشرب الشاي وتبادل الأخبار والإشاعات عن الغادي والرائح فقالت إحداهن:
 
• البهلول صاحب المخبز سيتزوج قريبا
• هذا الشايب مازال خاطره في الدنيا ؟
• مادام عنده لماذا لا يتمتع.. هكذا هم الرجال دائما..
• زوجته صغيرة.. وحلوه.. وبيضاء مثل القمر..
• لكنه يريد مزيدا من الأولاد.. والرجل تربطه المرأة بكثرة الأولاد..
• ليس كلهم
 
* يا له من شرير.. أين صلاته وسبحته التي لا تفارقه وبناد يره التي تصمّ الأذان كل خميس والبخور الذي يسبب لنا الاختناق..
 
* لا تأمني للرجال فعيونهم زائغة والساحرات كثيرات !!
 
كان بيت البهلول الخباز كل خميس يتحول إلي زاوية يرتادها مجموعة من الدراويش، يقدم لهم العشاء والشاي ، خليط غريب من سكان الحي والأحياء المجاورة تتمايل وترقص علي ضرب الدفوف حتى تباشير الصباح يقومون بلحس السيوف المنصهرة في النار ويخرقون عيونهم وأشداقهم بمشافي وسكاكين صغيرة ، كان الأولاد يخافون من هذه الحركات في البداية ثم تعودوا علي مشاهدتها والتمتع بها بل تحول بعضهم أتباع للبهلول.
 
• الرجال أسرار ويتقلبون كما الأيام.. قالت صاحبة جلسة الشاي..
 
• زوجي كثير السفر بحكم عمله وأخشي إن يكون قد تزوج امرأة أخري في بلد الجوار فهو لم يعد كما كان ولم اربطه بأولاد.. قالت السمراء متحسرة..
 
• ألم تقولي بان العيب فيه ؟ سألت احدي الجارات..
• نعم.. هكذا اخبرني في بداية زواجنا..
 
• أسحريه عند البهلول فهو شاطر. ليعمل لك حجاب يربطه بك حتى لا يتزوج عليك.. إن لم يكن تزوج فعلا.. فمهما كان فالرجل نفسه في أولاد.. والمصريات شاطرات في الضحك علي الرجال وسحرهم.. والعويل للفراش كما يقولون..
 
• إذا كان العيب فيه فماذا ينفع الربط ؟
• ولو ها هو زوج مريم الدرباكة قد تزوج عليها ولديه منها جيش من الأولاد والبنات..
 
• ولكن مريم الدرباكة تقوم بأعمال قبيحة وهو يعرف هذا وساكت عليها لأنه يعيش من خيرها ومع هذا غدر بها..
 
• كم تربح من أعمالها هذه.. سألت إحداهن..
• الكثير.. وخاصة من !! وأشارت بعلامة تدل علي العهر..
• اللهم سترك يا رب..
 
قالت المرأة المسنة وهي تتعوذ من الشيطان وتتذكر أنواع السيارات وبعض ممتطي الدراجات وعربات تجرها الخيول تأتي ببعض النسوة المتبرجات من جهات أخري وحتى بعض طالبات المدارس القريبة يدخلن عندها في فترة الاستراحة.. وفي الليل تقوم ببيع الخمرة وبعض الأشياء الاخري وتعطي المواعيد للرجال عن اكتشافاتها الجديدة لنساء المنطقة ممن يرغبن في العمل عندها..
 
رجب الشلطامي
بنغازي 25 /9/ 2008
eshelltami@yahoo.com
 
* سبق نشر القصة بصحيفة قورينا بتاريخ 18/05/2009 - العدد442