19/11/2009
 

الموت في المرة الأخيرة
 
بقلم: رجب الشلطامي

أرشيف الكاتب


 
عندما سمع الخبر قرر أن يكون هناك، فهو يعرف مقدار وجوده للمشاركة في موقف كهذا، فما أن أعاد السماعة حتى كان قد انتهى من تدابير الذهاب..
 
طوال الطرق وصورة الرجل لم تفارق ذاكرته.. كان واضحاً في وقفته وفي جلسته، وحديثه الذي مازال محفوراً في أعماقه.. كانت كل كلمة من كلماته تعطيه معنا جديداً وفي كل حكاية رواها له يكتشف دنيا بحالها عامرة بشتى أنواع الحياة.. كانت السيارة تلعق الطريق بسرعة السائق المندهش لما سيجده أمامه، أو بالأصح كانت تجري بقيادة إنسان يريد أن يطوي المسافة في لحظات بأسرع ما اكتشف العلم من الصناعات المسرعة.. ومع ذلك فقد وصل بعد أن دفن المتوفي والتقى بالعائدين من المقبرة فسحبه أحدهم وسار به حتى وقفا على كوم من التراب تعتليه أحجار مسطحة وقد رش بالماء.. وشعر بإحساس غريب للمنظر وبالرهبة لهذا الهدوء الذي يلف المكان وأحس بأن الطمأنينة الحقيقية إن وجدت ، فهي لا تتوفر إلا هنا في هذا المكان تحت التراب فهذا الذي ينام الآن في القبر، صارع الدنيا بكل قوة وشجاعة.. تشرد وسقط قلبه عدة مرات في اليوم وهو يسمع أنباء العذاب الذي تعيش فيه أسرته وعشيرته.. وكان يحلم دائماً بالموت في سبيل سراب أسمه الحياة.. الحرية.. وهاهو الآن ينام بهدوء وسط حفرة.. مات بعد أن سلبت منه الدنيا شبابه ولقد اخترقت جسده رصاصات لا تحصى تركت كل واحدة منها مصنعاً من الخراج.. كان جسده المدفون الآن ، مليئاً بآثار اختراق الرصاص التي لا يمكن للخيال أن يبدع في وصفها ليعطي صورة أبشع ومع هذا كان يحب الناس جميعاً.. ويحلم بحياة أفضل يوم أن ينفخ في الصور..
 
عاد أدراجه حيث كان بقية الرجال لم يثره صوت الصراخ والنحيب المنطلق من خيمة النساء، فهو لا يجدي ولقد انتهى الرجل أخيراً دون أن يصدق أحد بأنه سيمكث كل هذه السنوات في عالم الأحياء.. وما إن بدأ الهدوء يخيم بالتدريج حتى سحب أحد أبناء المتوفى نحو الخلاء، كان يريده أن يحكي له آخر لحظات والده كان يريد أن يعرف كيف استقبل هذا الإنسان لحظاته الأخيرة.. ولكن المفاجأة أذهلته:
 
• لقد أخرجناه ميتاً.
• ماذا.. من أين؟
• من البئر طبعاً.. فليس لدينا بحر..
 
لم يستطع أن يتكلم لقد أخرسته الحادثة.. كان ينظر في عيني محدثه متفحصاً فربما حدث له شيء أفقده صوابه.. غير أن الابن أخرج علبة من جيبه وهو يؤكد ما حدث بهزة من رأسه، وبعد أن أشعلا سيجارتيهما توقفا عن السير وأخذ الابن يكمل حديثه:
 
لقد كانت بعض النسوة يردن على البئر.. وفجأة سقط طفل إحداهن.. وعندما ارتفع الصراخ لم يكن هناك أحد من الرجال سوى والدي.. كانت صحته غير مرضية.. أسرع نحو العويل .. وعرف السبب.. حاول أن يتصرف بأن يعود لطلب النجدة.. ولكنه خشى ضياع الوقت، كانت أم الطفل تصرخ وتلطم وجهها وبقية النساء في وضع أسوأ.. فكان عليه أن يقوم بعمل ما، أمسك بالحبل ونزل مع جدار البئر، وجد الطفل لم يمت، ربطه وصرخ للمرأة التي كانت ممسكة بطرف الحبل.. وجذبت.. وعندما ظهر عليهن الطفل احتضنته أمه وجرت به ولحقت بها البقية، وكانت واحدة منهن قد أغلقت باب البئر وبقي الرجل وبالتأكيد أنه صعد ولكنه وجد الباب موصداً بالمزلاج الخارجي وعندما فشل.. فربما نزل من جديد، حتى يأتي من يفتح الباب، ولكنهم تذكروه بعد فوات الأوان.. فعندما جئنا كان بدون حركة.
 
وصمت المتحدث ولم يستطع الآخر أن يتكلم.. فأمسك بذراع محدثه، وشعر أثناء ذلك بأنه لم يكن في حاجة للمواساة.. وأحس بعجزه عن كلمات العزاء.. لأنه هو الذي كان في حاجة إلى من يعزيه في تلك الحكايات التي انتهت قبل أن يلحق سماعها.
 
وعادا من جديد حيث يجلس المعزون ولقد لاحظ موقف الأسف الذي كان بادياً على أهل الطفل، فقد كان والد الطفل يقسم بجميع أولياء المنطقة لو أن الموت اختاره وبقية أسرته مقابل المرحوم لفعل ذلك.. وأخذ يسرد ما للفقيد من مواقف وما أخرها إلا دليل صادق.. وأحس بأنه لا يملك رغبة مشاركتهم الحديث.. فهو يعرف أن المجاملات والإطناب فيها لا يجدي وما وقع..وقع.. وعندما تفرق الجميع وجد نفسه في حاجة إلى قليل من الراحة، بعد ان أخذ الهدوء يحتضن المكان ويلفه تحت جنح الظلام.. وعواء الكلاب يمزق الصمت على فترات.. ولكن النوم رفض زيارته، ومع الأرق أخذت إحدى الحكايات يعيدها شريط الماضي والصورة تطفو ببطء وتقترب حتى اكتملت.. وكان يتابع بدقة متناهية كلمات الرجل الذي أخذ يمزق الورقة وهو يبتسم.. بينما سأله بلهفة:
 
• لماذا ألم تقل أنها شهادة قديمة؟.. من قائد الدورتثبت جهادك
 
• نعم.. لكنها لم تعد كذلك.. أنتم صغار.. نحن نعرف الكثير.. لقد كانت حرفة البعض اصطياد المجاهدين.. كانوا يتجسسون على تحركاتهم لينالوا المكافآت..
 
• لا أفهم شيئاً .. حدثني ماذا قالوا لك؟.
 
• سأحدثك.. لقد كان ابني هو السبب.. فأنا لا أريد نظيراً لما قمت به.. كان يعتقد بأننا سنحصل على شيء ما.. كمكافأة.. حسناً.. سوف لن أذهب إليهم بعد اليوم.. في كل يوم يمر يمكن للمرء أن يكتشف شيئاً جديداً حتى وإن جاء ذلك بعد فوات الأوان.. على كل حال أنا لست نادماً.. لقد قاومت الغزاة لأنني كنت أريد الأرض لأحرثها.. لقد أقنعنا الفقيه بأننا سندخل الجنة إذا متنا.. لقد كنا نخشى أن تنتهك أعراض النساء أمام عيوننا وتضيع الأرض التي نأكل من خيراتها.. ولهذا قاومنا بكل ما لدينا.. ورغم أولئك الذين يتتبعون أثارنا.. كنا نقاوم لأننا نريد الأرض.. لم نكن نريد أكثر من ذلك.. لم نكن نبغي شيئاً أخر على الإطلاق .. لقد حقنوكم بالأكاذيب. وفجأة توقف الرجل عن الحديث لحظات وهو يهز رأسه كأنه لا يريد أن يقول كل ما لديه مرة واحدة.. ثم مسحت عيناه الفتى الجالس أمامه واستقرت على زنده العريان فرأى آثار تطعيم، فأراد أن يتهرب من بقية الحكاية، بسؤاله عن تلك البقعة الواضحة في ذراعه..
 
• ما هذا.. آثار جرح؟..
 
• لا أنه تطعيم.. ففي كل سنة دراسية لا بد أن نطعم للحصانة..
 
• ضد الجدري.. أنه مرض خبيث؟..
 
• إنه تطعيم شامل .. ضد كل الأمراض.. لا تهرب مني.. ماذا حدث؟.. هذا ما أريده.. أخبرني.
 
• حسناً سأخبرك من الأول، لقد تقدمت بالطلب الذي كتبته لي،إلى لجنة المجاهدين وحددوا لي يوم المقابلة.. كنت لا أرغب في ذلك.. صدقني.. لأنني أعرف أنه لا فائدة.. نحن الكبار نعرف الكثير.. انهم يكذبون عليكم في المدارس..
 
• المهم.. ماذا كانت النتيجة؟..
 
• وجاء يوم المقابلة التقيت ببعض الذين كانوا معي.. إنني أعرفهم جيداً.. دخلوا حسب الترتيب، حتى جاء دوري فدخلت على اللجنة. كانت هناك مجموعة من ثلاثة أشخاص أو أكثر تتوسطهم منضدة.. بهرني المكان.. الأثاث الفاخر والبساط الناعم حتى أنني ترددت في (العفس) عليه بحذائي.. ولقوة الضوء لم استطع أتبين ملامح الجالسين، سألني أحدهم عن اسمي بالكامل فاقتربت منهم.. عندما تعودت عيناي على الرؤية.. هالني ما رأيت.. شعرت بأن قدمي غير قادرة على حملي لا يمكن أن يحدث هذا، كنت كمن فقد توازنه، في أي زمن حدث هذا؟..
 
أخذ الدوار يلطمني شمالاً ويميناً.. لا أريد أن أصدق عيني.. ولكني أعرف ذاكرتي تماماً فلا يمكنها أن تخونني بهذه الدرجة.. أنه هو حتماً لم أنس ذلك أبدا.. أردت أن أدور لأغادر المكان.. غير أن السؤال الذي أطلقه أحدهم هو الذي أوقفني.. سألني عن الدليل على صدق معلوماتي ولكن لساني عجز عن النطق.. فرفعت يدي أتحسس خدي.. لقد شعرت بأنه مازال محمراً من أثر الصفعة.. ومسحت نظراتي جثث الجالسين.. واستقرت على أحدهم، نعم إنه هو بلحمه ودمه.. كان هو رئيس اللجنة على ما يبدو.. وجدته ينظر في وجهي بجراءة.. وأعادوا السؤال مرة أخرى.. ترددت في الإجابة.. كنت أريد أن أسحب أوراقي وأعود.. ولكن أحد الكتبة اعتقد بأنني أصم.. فصرخ بالسؤال للمرة الثالثة.. أعادتني الصرخة إلى الواقع.. لم أتمالك نفسي.. نظرت إليه.. كان هو بذاته أنني متأكد.. وقلت له.. ألا تذكر ذلك اليوم الذي صفعتني فيه عندما كنت تتجول برفقة أحد ضباط الأعداء في جولة مراقبة بالمنطقة؟.. ألا تذكرني؟.. ألم تسألني عن جهتي؟.. فقلت لك بأنني أبحث عن قطيع غنم فقدته منذ أيام.. في الحقيقة كنت أبحث عن بقية رفاقي في "الدور" استعداداً للكمين لإبادتكم كلكم. وعندما انتهيت شعرت بأنني لم أعد في حاجة للوقوف.. فخرجت قبل أن اسمع كلماتهم.
 
وصمت الرجل وقد أخذت أصابعه تمزق رسالة قائد(الدور)ثم رماها عبر النافذة فتطايرت في قطع صغيرة.. وفجأة استيقظ عندما اخترق الصمت عواء الكلاب وهي تتعارك على قطع العظام المدفونة وسط كوم الأوساخ.. فيما الفجرأخذ يرسل ضوءه بالتدريج وبدأ اليوم الثاني من المأتم..

رجب الشلطامي
بنغازي في 12 يوليو 1969
 

* سبق النشر بصحيفة قورينا 18/11/2009 العدد 575