23/04/2009

الفلقـْة والفلّاقـه ..!!
بقلم: رجب الشلطامي

أرشيف الكاتب


 
صرخ الضابط المسؤل بصوت عال آمرا احد الجنود:
 
- احضر هذا "العرص" الذي دوخنا..
 
بعد فترة من الوقت كان المطلوب، معصوب العينين، متكوما وسط بركة من الماء الآسن أعدت خصيصا لبداية التعذيب في ساحة معسكر الحرس الذي كان مجرد ذكره، في تلك الأيام، يسقط الجنين من بطن أمه، رماه الشرطي متعمدا إسقاطه وسط البركة ، وقف بالقرب من المتهم جندي أخر ضخم الهيئة علي رأسه خوذة حمراء ممهورة بكلمة الشرطة العسكرية وقد تسلح بسوط غليظ من المطاط الأسود كان يستخدمه لضرب المعتقلين، وفي يده الاخري الفلقة وقد التوي حبلها علي عصاة خشنة.. كان المتهم متورم القدمين فلا يمكن استعمال الفلقة معه هذه المرة، كان يشير إليه مهددا بخرطوم المطاط وعينه علي الضابط الواقف لمتابعة عملية التأديب، لكي يكون المتهم جاهزا للإدلاء بأقواله.. وبعد إن تمت" العلقة" التمهيدية وقد سال عرق الجندي من شدة التعب اقتيد المتهم والدم ينزف من وجهه وأطرافه إلي مكتب المحقق الذي جلس علي طاولة كبيرة الحجم دون كراسي استقبال:
 
- وألان ماذا تقول ؟
- ليس لدي جديد كل ما اعرفه قلته وبصدق وانتم علي علم بكل شيء..
- أريد إن اعرف فقط لماذا اختاروك أنت بالتحديد ؟
- اسألهم .. سيدي.. أنا كغيري من المتهمين لا اعرف السبب حقا ..
- كلهم اتفقوا علي انك المحرض!!
- ربما اضطروا لذلك ..وكيف لشخص عادي مثلي أن يخيف دولة !
- ماذا تقصد .. تعني أننا نرغمهم علي قول ذلك ؟
- الله اعلم .. سيدي..
 
- قالوا بأنك كنت تنصحهم ببعض الكتب وتشرح لهم الكثير من المواضيع من خارج المنهج المدرسي ..أصحيح هذا ؟
 
- نعم .. هذا صحيح فعندما ينتهي تدريس المنهج.. كنت اختار لهم بعض المواضيع أو الكتب المكملة لما يدرسونه حتى لا يشعرون بالفراغ.. أما الكتب فلم تكن ممنوعة وهي موجودة بالمكتبات العامة والمدرسية بتصريح من مراقبة المطبوعات.. سيدي..
 
- هذا ليس من اختصاصك.. هل أخذت إذنا بالموافقة علي ذلك من مسؤوليك؟
- نعم .. سيدي.. اغلبهم وكان بعضهم يثني علي هذا ويشجعني..
- أتذكر أسماءهم.. ممن شجعك..
 
- لقد ذكرت ذلك مرارا في المحاضر السابقة.. أنا ألان تعبان لا أكاد أتذكر ماذا قلت من لحظات.. سيدي.. لقد تعبت..
 
احتار المحقق فهو علي يقين و بحكم الخبرة التي اكتسبها بان هذا المتهم لا صلة له بما يقوله بقية المتهمين، ولكن كيف له أن يقنع المسؤولين علي هذه الحملة فهم في حاجة إلي قضية وضحايا ليعلقوا عليهم فشلهم في أدارة الأمور..
 
- هل مازلت مصرا علي أقوالك ؟ وبأنك لست شيوعيا ولا اخوانيا ؟!!
 
- سيدي.. اقسم برب العزة بأنني لا صلة لي بالمتهمين ، ثم هم ليسوا من جيلي ولا تربطني بهم أي علاقة سوي أنهم كانوا طلبة في المدرسة التي كنت اعمل فيها منذ زمن بعيد هذا كل ما في الأمر..
 
- عموما ستبقي هنا لحين يظهر دليل علي صدقك.. ويا ويلك اذا ظهر ما يربطك بهذه "المفرخة" سيكون مصيرك اسود.. فحتي شنقك لا يكفي.. ولا يشفي غليلنا.. فهمت.. يا زنديق ؟
- لقد تعبت.. وتبهدلت.. فالموت ارحم..
 
- اخرس يا كلب..
 
وعندما وقف المحقق، دون أن يكتب أي شيء في الأوراق الموضوعة أمامه ، أمر الشرطي الضخم بأخذه إلي حجرة التوقيف، اقتاده كما يقتاد بهيمة ، معصوب العينين، إلي حيث مكانه في زنزانة لا تكفي حتي للجلوس بها.
 
ولم يجد ضابط التحقيق ما يقنعــه بان هذا المتهم وغيره لهم أي نشاط ضار أو معاد للدولة، ووجد نفسه غير مرتاح عن هذا التصرف ليعذب هؤلاء الشباب دون سبب.. ولكنه تذكر الوعود الأكيدة بالترقية الاستثنائية والقرض وقطعة الأرض والمزايا التي ستمنح له اذا جاء باي دليل علي تورطهم حتي ولو كان مزيفـــــا !!
 
بنغازي 8/9/2008
eshelltami@yahoo.com
 
* سبق نشر القصة بصحيفة قورينا بتاريخ 22/04/2009