27/03/2009

رزايا .. وقصعة رز !!
بقلم: رجب الشلطامي

أرشيف الكاتب


 
قد لا اتفق مع احد المنظرين في كثير من تفسيراته المادية وتحليلاته، ولكن أجد نفسي في ظرف مخالف أوافقه علي مقولة إن "الإنسان أثمن رأس مال" ربما هذا صحيح في مكان غير الذي أعيش فيه وحتى لا اذهب بعيدا.. كنت دائما أتحدث مع ابنتي الطبيبة حول مأثور شعبي يقول" الرخيص بخيس !!" بمعني ما قل ثمنه قلت قيمته، وكان الاختلاف في الرأي أو الفهم لا يمثل لدي أية مشكلة،لان اختلاف وجهات النظر بين الأجيال أمر طبيعي ، فلم تستوعب ما اقصده عندما قلت لها ذات مرة:
 
- عندنا يا ابنتي هنا ارخص الأشياء للأسف.. الإنسان.. والوقت!!
 
- كيف؟ استفسرت ضاحكة للنكتة!
 
- عندما يمتلك شخص ما ثروة فاحشة، بأي طريقة، ويشتري لابنه القاصر سيارة من احدث الطراز ويخرج بها متهورا فيصدم مواطن ويقتله قد يكون رتبة كبيرة أو أستاذ جامعي أو عادي له أسرة.. ويكون هذا المتهور قد ارتكب عدة مخالفات.. سنه لا تسمح له بحيازة رخصة قيادة وقد يكون مخمورا أو متعاطيا ويقود بسرعة جنونية دون احترام لقواعد السير لأنه مدعوم بثروة أو سلطة.. أما عن موس بوخوصة والسواطير فذلك حديث يطول ويطول وله عدة فصول.. وتتم اللعبة بعقد صلح بمثله مشايخ واعيان ووجا هات قبلية كل همهم الحصول علي وجبة دسمة ومجاملات كاذبة ويتحول هذا الطائش إلي "ابن حلال" لأنه جمعهم في هذه المناسبة"الطيبة!!" ليتعرفوا علي هذه الوجوه النيرة من "السعادي".. وتنتهي الحفلة بقراءة سورة الفاتحة وتقبيل الخدود والدعاء بالخير!! أما الضحية فيذهب وأسرته"ظرطة حلابة" وقد لا تحصل عائلته علي المنحة التي يتصدق بها صندوق الضمان علي الأرامل لأنها لا تعرف كيف تحصل عليها ولا معارف لديها يسندونها.
 
- وأين ما يعرف بالحق العام في القانون؟ قالت باستغراب
 
- باسط ذراعيه بالوصيط مع أهل الكهف
 
- هذا عن الإنسان ورخص ثمنه !! وماذا عن الوقت ؟ تسألت ضاحكة
 
- عندما يقف إنسان ما أمام أشارة المرور الحمراء سيأتي متهور أخر ويصيح فيه
 
مستعملا منبه سيارته المزعج طالبا عبور الإشارة رغم أنها حمراء لأنه مستعجل ولا وقت لديه ولا يسمح لأحد بإيقافه!! المضحك انه عندما يجتاز الإشارة مباشرة يركن بسيارته علي بائع السجائر ليشتري علبة دخان ويجد نفسه قد استمر في الحديث مع البائع عن مباريات كرة القدم بتحليل خسارة " الميلان واليوفتنس وانتصار مانشستر وليفربول" لمدة أكثر من ساعة ونصف في الوقت الذي لم يطق الوقوف أمام شارة المرور تسعون ثانية!! وإذا حدثتك عن الوقت الضائع في الأماكن العامة فسوف احكي أسبوعا كاملا قبل إن أصل نصف ما عشته وسمعته.
 
ذات يوم بعد سنوات من العمل جاءت ابنتي حزينة وقلقة وهي تقول:
 
- فعلا.. لا قيمة للإنسان ولا الوقت!! هذا ما عشته اليوم رغم الكثير من الأمور التي لا تصدق..
 
- خير.. يبدو إن الأمر مزعج جدا؟
 
- جاءت اليوم لقسم الباطنة امرأة كبيرة مريضة حالتها خطرة فلم أعطيها العلاج المطلوب لان لديها السكري الأمر الذي يتعارض مع نوع الدواء لحالتها ولا توجد لدينا في المستشفي غرفة عناية مركزة، تصور!!، فطلبت من قسم الحركة سيارة إسعاف لنقل المريضة إلي مستشفي أخر فأجابني المشرف المسؤول:
 
- لا استطيع.. لدي سيارة واحدة لا يوجد بها إطار احتياطي وبها إطار مثقوب لا يمكن إصلاحه في الوقت القريب..
 
- لدي حالة خطره تحتاج إلي عناية مركزه.. سأكتب هذا في تقريري الطبي بأنكم عجزتم عن نقلها..
 
- أكتبي ما شئتي.. الكل يعرف هذا.. جميع المسؤولين.. لدينا سيارة واحدة وتعاني من عطل مستمر.. ولا إطارات جديدة ولا احتياطي.. حالة يا دكتورة!!
 
- مسكينة.. كيف صار فيها؟
 
- من حسن حظها حضور أقاربها لزيارتها فطلبت منهم نقلها فورا مع إن هذا إداريا مخالف للإجراءات، ولكن ماذا افعل؟ هل اتركها تموت أمامي؟!! المفاجأة عند انتهاء فترة عملي ولأني غير راضية عما حدث وقلقة علي حالة المريضة ذهبت للمستشفي المحالة إليه فوجدتها فعلا في غرفة العناية المركزة لان حالتها ساءت بمرور الوقت وتأخر العلاج، وعرفت معني ما حدثتني عنه ذات يوم بان ارخص الأشياء عندنا الإنسان والوقت واقتنعت بأنك علي حق..
 
وتذكرت بأنه في احد أيام الرزايا وصلت سيارتي إسعاف هبة من العاصمة وكيف استقبلت باحتفال شعبي مرت خلاله بالمزامير والطبول وشرطة المرور والحرس البلدي في الشوارع وقد اخرج العمدة الشعبي للمدينة رأسه من نافذة إحداها ممسكا بطرف لافته كبيرة مكتوب عليها بخط رديء "انجاز ضخم لصالح المرضــــي"!!!
 

رجب الشلطامي

بنغازي في 9 أكتوبر 2008
ESHELLTAMI@YAHOO.COM
 
نشرت بصحيفة قورينا في 25 /3/2009 العدد 
 
* سبق نشر القصة بصحيفة قورينا بتاريخ 25/03/2009 العدد 404