29/08/2009
 

النـــهــيق.....
 
بقلم: رجب الشلطامي

 

أرشيف الكاتب


 
ذهبت موجة الحر وقد خلفت وراءها في أحد الأزقة أمام بيت قديم طابوراً من الكراسي على الجانبين،لقد مات الطفل،لأنه لم يستطع مقاومة اللهب الذي تسرب من نافذة الجحيم ! تجمع سكان الشارع بعد عودتهم من المقبرة.. وخيم جومن الحزن وبين لحظة وأخرى كان يرتفع من داخل البيت صراخ النساء المحمل باللوعة، بينما كانت رؤوس الرجال الجالسين أمام الباب منكسة..صوت الرجل العجوز يطغى على النديب بكلماته التي تحمل تجارب السنين المخطوطة على تجاعيد جبينه:
 
• لا حول ولا قوة إلا بالله.. هذا كله غضب !!
 
وكأنه قد أذن للجالسين بالحوار، فبدأت الكلمات تجد سوقها حينما ردعليه أحدهم:
 
• لأول مرة في حياتي أسمع أن للحر موجات وله منخفضات.. أهو.. كلام..
 
• يا سيدي.. هذه التجارب الذرية.. الله يعطيهم البلاء. رد احدهم..
 
• أنا قلت أنه الغضب.. لأن الناس انعدمت فيهم الرحمة.. ألم تسمع بأن الله إذا غضب على قوم جعل صيفهم شتاء !!
 
• ولكننا دخلنا فصل الصيف منذ أيام...
 
وبهذه التوضيح عاد الصمت باستثناء النحيب الذي أخذت حدته تقل.. الا اصوات بعض الأطفال وهم يتطايرون تحت بهرة النور الملتصقة بالجدار في أول الشارع.. وكان والد الطفل ينقر الأرض برجله في حركة تدل على تأثره بينما اسند رأسه على كفه منحنيا إلى أسفل وكأنه يحصي حبات التراب.. وعندما أقبل نحوه أحد المعزين وقف لمصافحته وهو يتمتم بكلمات الرد.. وارتمى من جديد على الكرسي.. واراد أحدهم أن يخفف من الكآبة المسيطرة على المكان فنظر نحو الرجال يتفحصهم وهم صامتون وكأن الطير على رؤوسهم.. فأخرج علبة سجائرومررهاعليهم لتغير جو الحزن.. وعندما جلس بدأ في سرد حادثة وقعت له، كما يقول، موجها كلماته نحو الجالس في الجهة المقابلة له:
 
• الحمد لله قضاء أهون من قضاء.. والرجولة هي الصبر على المصائب.. إيه.. دنيا، صحيح أنه طفل.. فلو مات وهو كبير لكانت تلك هي الكارثة ولكنه طفل.. أية.. هذا حال الدنيا.
 
• والله سواء مات الإنسان وهو طفل أو وهو كبير فانه عزيز..
 
نظر نحوالذي قاطعة بهذه الكلمات.. ووجدها فرصة لشرح ما قصده أو بالأصح تبرير الحادثة التي يريد أن يسردها.. وقد أخذ يبتسم في شيء من الاعتزاز لقوة احتماله.. وصبره..
 
• صحيح أن الإنسان عزيز دائما.. ولكن موت طفل في هذه السن ليس بالأمر المفجع.. أن الفاجعة هي مـوت الشباب أو الناس الذين لهم قيمة.. لقد ذقت مرارة ذلك.. لم أنس ذلك اليوم أبدا.. لقد كان يوما مشئوما منذ الصباح فلد تشاجرت مع زوجتي لأنها تأخرت في أعداد شاي الافطار.. خرجت من البيت قبل أن أفطر وذهبت إلى القرية.. كنت اشتغل في بناء مسكن لأحد التجار.. الحقيقة لم أجد الرغبة في ذلك اليوم للعمل، كنت أشعر بشيء غريب يزحف نحوى وكأن ثعبانا قد التف على صدري.. بدأت في العمل.. كنت شاردا أحيانا أتخيل أن شجاري مع زوجتي على الصبح هو السبب وأحيانا أحس بأن شيئا سيحدث ولكن ما هو لست أدرى.. وهذا هو ما كان يقلقني.. المهم.. جاء صاحب العمل وأعد لنا وجبة الضحى.. أقسم بالطلاق على أن أتناول معهم الوجبة لانني كنت قد رفضت ، لم أجد الرغبة في الأكل رغم الجوع الذي كان يمزق أمعائي.. كان كل همي أن أدخن فقط.. في خلال تلك الفترة كنت قد دخنت علبة.. وبعثت في طلب الثانية.. لقد أكلت مع العمال.. اعتقد لقمتين أو أكثر.. فقط لان الرجل أقسم بالطلاق.. وعدت إلى العمل.. كنت أضع الحجر ثم يأخذني السهو وأجد نفسي سارحا في لا شيء لا يعيدني ألا صوت العامل وهو ينبهني إلى أن العجنة جفت.. أتعوذ بالله من الشيطان.. وأبدا من جديد.. حتى جاء وقت الغداء .. كان صاحب العمل قد أرسل إلينا ما يكفي لعددنا وأكثر.. والتف العمال حول الصحن وأكلوا وهم يستغربون أمري فهذه الحالة كانت تحدث لي لأول مرة منذ أن عملنا معا.. لم أجد رغبة في تناول أي شيء.. أمرت أحدهم بإعداد الشاي دون سكر.. كنت فقط أرغب في ذلك.. شربت الطاسة الأولي فشعرت بأن أعصابي هدأت وأن تلك الرعشة التي لازمتني منذ الصباح قد ذهبت.. ومع النسمة الباردة اضطجعت في نومة الظهيرة التي تعودت عليها.. كنت أكتفي بعشر دقائق أقوم بعدها نشطا لمواصلة شغلي.. ولكن في هذه القيلولة لم أجد الراحة.. لقد حلمت خلالها بأن حريقا قد شب في بيتي وكان دخانه يتصاعد من مسافة ليست بالقريبة.. قمت مذعورا .. حتى أن أحد العمال شعر بذلك فسألني.. خــير يا معلم.. ولم أجبه.. كنت أنظر حولى.. فحمدت الله بأن ذلك كان حلما وليس حقيقة. ووقفنا. استمريت في العمل، وفجأة اخترق هدوء الظهيرة صوت نهيق مزعج،كانت ثلاثة حمير تنهق معا.. لقد تشاءمت فرغم أن القرية بها من الحمير أكثر من السكان فان هذه أول مرة اسمع فيها مثل هذا النهيق.. خبطت الملعقة على الأرض ونزلت من فوق السقالة.. كنت قد قررت ترك العمل والذهاب إلى البيت لا ستريح.. كانت أعصابي متوترة.. وفعلا أمرت العمال بعمل بعض الأشياء وتركتهم متجها نحو منزلي.. كنت قد وصلت مع آذان العصر.. أمرت زوجتي بأن تسعفني بطاسة شاي مرة.. وطلبت منها أن تتركني إذا ما وجدتني نائما.. لا أدري كم استمرت نومتي، قمت على صوت خبيط على باب البيت..خرجت مسرعا وعندما فتحت الباب وجدت أحد الجيران.. سألته.. رأيت الرجل مترددا في الحديث.. ثم طلب منى الإسراع نحو المستشفي لان حادثا قد وقع لأخي..لقد أحسست كأن مسا كهربائيا قد صعقني ولم أدر إلا وأنا أقفز نحوالطريق مسرعا الي المدينة.. كنت قد وجدت سيارة مقبلة نقلتني.. وفي الطريق توقف السائق بالقرب من مكان حادث.. نزلت لم استطع أن أتمالك نفسي وأنا أري الدم شعرت بأنه دمي وكأن هاتفاً يقول لي أنه دمك.. كانت السيارة مقلوبة على جانبها.. وأثناء تخبطها سحقت أحد ركابها.. لم أعرف بعد ما إذا كان الدم لأخي أو لغيره.. كنت أمل أن تكون لغيره ربما كان ذلك نوعا من الرجاء ينتاب المرء في لحظات اليأس.. وعندما وصلت إلى المستشفي.. ووقفت على الجثة انقطع أخر أمل في رؤية أخي مرة أخري.. سحبني الضابط والطبيب.. ولا أدري أن كنت قد بكيت أو صرخت لأنني لم أفق ألا بعد وقت.. كان منظرا مروعا مفزعا لا أتمنى لأحد مشاهدته.. كان شابا لم يكمل الخامسة والعشرين.. ولكن.. ماذا يملك الإنسان.. أنها الحياة تدور وندور معها كيفما شاءت تطحننا بتروس من العذاب أحيانا وبشيء من الراحة أحيانا.. الحديث دون معني سفاهة.. خطرها الحلم.. لقد شعرت بذلك منذ رأيت حلم الحريق.. ولكن الصبر على الشدائد هو البطولة.
 
وعند ما صمت كان الرجل الكبير قد نظر نحوه وهو يؤمن على كلماته بهزة من رأسه:
 
• صدقت.. هناك من الأحداث تشعر بها قبل وقوعها.. الضرس مثلا إذا حلمت بأن ضرسك قد انخلع من فمك فمعني ذلك أن أحد أقاربك سوف يموت.. أنها أشياء مجربة .. حقيقة.. والإبل.. كذلك..
 
• أنه علم.. وليس حلم..
 
• ولكن ماذا تصنع مع جيل اليوم أنهم لا يصدقون ذلك.. جيل لم يعد يعتقد في تجارب أجداده وخبرتهم..
 
اتجهت نظرات العجوز نحو أحد الشباب،كان جالسا في الطرف وهو يبتسم، كان العجوز يريد أن يقول أن هذا أحدهم لكنه تردد فمعني ذلك أن يفتح نقاشا لا طائل من ورائه.. في حين وقف والد الطفل المتوفي متجها نحو باب البيت ليأمر بإعداد "عالة شاي" وعندما عاد.. كان أخر قد بدأ في سرد حكاية حلم جديد.. بينما صوت نهيق يسمع من الشارع الثاني مختلطا بكلماته.
 
رجب الشلطامي
 

* سبق النشر بصحيفة الحقيقة 19/7/1969 العدد 1156  وصحيفة قورينا 16/8/2009 العدد 506