29/10/2009
 

الرحلة اليومية
 
بقلم: رجب الشلطامي

أرشيف الكاتب


 
- السماء تمطر دائما رحمة بالأطفال.
 
هكذا بدأ حديث الرجل العجوز الملتف بمعطف من مخلفات الجيش، الذي كان يقف مستندا علي الحائط.. المكان محطة قرب حي الموظفين الذين ورثوا مساكنهم عن الحكومة.. كانت الشوارع تغمرها المياه والحفر التي تبلغ عمقها أكثر من ربع المتر.. والناس تنتظر بفارغ الصبر وصول السيارة الصغيرة "الفور دينه" لتقلهم إلي الضواحي حيث شاءت لهم الأقدار أن يمتلكوا مساكنهم، كل حسب قدرته ليس هناك غرابة في المنظر عندما يرى المرء أشكالا متعددة من الواقفين ابتداء من العمال إلي الموظفين وغيرهم.
 
الرجل العجوز مازال يحكي لجاره رغم هطول المطر، بينما يمتص لفافته التي بللها لعابه والقطرات التي تتساقط علي يده: سيدي الخضر نفعنا الله ببركاته. أنه يمر علي الخلق كلما ذكره إنسان. انه يرتدى جلبابا اخضر يطير به كالملائكة.. أتعرف ان السماء لولا الأطفال والشيوخ لما أمطرت نقطة واحدة.. لان البركة طارت والناس تتحارب علي القرش.. أيه.. حالة.
 
زمان كان كيس الدقيق ب "فرنكين" كان الخبز والشعير والقمح بلاش.. بتراب الفلوس.. كان فيه بركة ورحمة.. لكن اليوم يستر الله.. حتى المنجل كان فيه من يصنعه.
 
ويهز جاره رأسه موافقا علي كلمات العجوز التي كان يطلقها بسرعة وهو يعتصر وجهه ليمسح الماء .. ثم يأخذ دوره في الحديث ليرد علي محدثه:
 
- اليوم عهد وأمس عهد... زمان كان شغل الناس الحرث لأنهم نبتوا في الأرض حيث تمدهم بالحياة.. واليوم.. أه .. الخير فائض.. اذهب للميناء ستجد جبالا من الخيرات لم ترها من قبل.. حتى مياه الشرب يأتون بها من الخارج.. هناك فئات من الناس لم تعد تستسيغ مياه المدينة .
 
ويضحك العجوز وهو يهز رأسه دليل علي عدم الرضا:
 
- ولو هاج البحر وغرقت السفن ماذا سنفعل؟ نأكل القطط والكلاب ! أم نأكل بعضنا؟
- اشرب بترول. انه لذيذ كالفواكه المعلبة تماما !..كانت هذه إجابة الشاب الواقف بالقرب منهما أراد أن يداعبهما بهذه النكتة..
 
السيارات المتعددة الأشكال والأنواع تمر باستمرار فتتطاير تحت عجلاتها دموع السماء الراكدة، لتملاْ المنتظرين وصول سيارة تقلهم.. وخلف المحطة وعلي امتداد أطراف الحي الراقي كانت تربض العمارات ذات الواجهات الزاهية، تطل علي الشوارع، وفي داخل شققها مدافيء هادئة اللهب وسط صالونات مريحة حيث يجرى الحديث عن المستقبل والمشاريع الكثيرة المكاسب.. بينما يقف أمام كل عمارة خفير يطرد الماء من فوق الرصيف حتى لا تتلوث أحذية السكان.
 
السماء لا تريد أن تتوقف لحظة واحدة عن رحمة الأطفال.. والرياح تعصف فتحدث في الأسلاك الممدودة في ارتخاء صفيرا مفزعا. والواقفون يرفعون عيونهم لمراقبتها خشية أن ينقطع احدها فتكون في سقوطه نهايتهم بينما المرأة التي تحتضن طفلها تتضرع بدعاء هامس ان يوقف الله هذا الخير المدرار فان الطفل يكاد يموت من البرد وقد فقد القدرة حتى علي الصراخ الذي كان لا يجيد سواه..
 
لاشك أن الانتظار ممل وقاتل، خصوصا إذا ما عاش المرء أكثر من ساعة في مثل هذا الجو، فالأقدام غارقة في الماء والرؤوس تستقبل نقرات خفيفة تتجمع لتنحدر عبر الثياب.. غير ان الأمل في وصول السيارة ينسي البعض هذه المرارة.
 
بدأ الواقفون يلمحون بقايا سيارة جاءت تزحف ببطء وقد اختفي نصف عجلاتها في المياه.. وما أن وقفت.. حتى أخذ الكل يهرع إليها عله يجد مكانا.. ولكن من الصعب ان يصدق احدهم بأن سيارة صنعت لنقل عشرة أفراد في أحلك الظروف في إمكانها أن تحمل ثلاثين راكباً.. وأخذت المرأة تصرخ:
 
- ابني قتله البرد.. دعوني أخذ مكاني.. اى زمن هذا حتى المرأة لم يعد لها احترام!
 
- كان زمان.. اليوم عصر المساواة، وتأخذ في محاولة شق طريقها وسط الزحمة.. دون ان تكترث بالإجابة التي أطلقها احدهم.. أنها لا تفهم المساواة.. وحتى ان وجدت فهي لم تتوفر للرجال بعد.. المرأة تريد ان تدلف في جوف السيارة لتحمي ابنها، ولتذهب المساواة إلي الجحيم فهنالك يمكن ان تكون مساواة لكل الوافدين.
 
السيارة المسكينة تحتج بعواء بعض أجزائها الذي يشبه صوت انفتاح باب (بخوخه) قديم.. لقد اخذت حمولتها منذ أن كانت واقفة في المحطة الأولي.. وهي لا تملك القدرة علي رفض العدد الهائل الذي كان في انتظارها لان سائقها يصرخ في الركاب:
 
- مازال فيه فراغ.. التصقوا ببعض.. الدنيا برد فادفئوا بعضكم.
 
الرجل العجوز الذي كان يتحدث عن الشيخ الخضر يحث جاره علي الركوب:
 
- اركب يا راجل الأعمار بين الله..
- ولكن الله لم يأمر بهذا.
 
رائحة التبغ تملأ العلبة المتحركة علي أربع عجلات .. والأنفاس ذات الروائح الخانقة جعلت استنشاق الهواء عملية صعبة للغاية فحتى النوافذ الموجودة لا تكفي.. وإذا ما حاول احد الركاب فتحها وجد أنها مغلقة منذ صنعت وقد تراكم عليها الصدأ.. السيارة تهتز والكل يتماوج داخلها في تراقص غريب.. احد الركاب لا يستطيع أن يكبت رغبته في الشتيمة فينفجر في غضب:
 
- حالة.. لعنة الله علي هذا الطريق القذر..
- شركات مجرمة غشاشة..
- وما ان بدأت الرحلة – التي تبلغ طولها عشرة كيلومترات تقريبا – في الاستقرار نوعا، حتى أخذ الحديث مداره واتضحت معالمه بعد تلك الدربكة التي كانت قد حدثت بسبب وقوف السيارة في المحطة، ويعود الكلام في اختلاط كتماوج الركاب مع كل اهتزازة تحدثها المطبات:
- والله حاولت.. لكن قالوا لا يعطي إلا بواسطة.. ومن أين لي الواسطة!!
- كلام فارغ.. المدير صاحبي.. كنت سواق معاه.. قال لي مثلك مثل الآخرين
- قدم طلب وانتظر....
- لكنه أعطى صهره ما يحتاجه بدون أن يقدم طلب..
- يا راجل أولاد الشيخ يفعلون ما يحلو لهم..
- ابحث عن " كتف " تستظل به المثل يقول كيفما يأتي الزمان تعال له...
 
في احد الأركان يرتفع صوت سعال حاد، من رجل لا يمكن رؤيته لاختفائه وسط الكوم البشرى.. وبعد لحظات يستمر الرجل الذي كان يسعل في الحديث مع جاره:
 
- ما باليد حيلة.. حاولت كثيرا قالو علاجي متوفر في المصحة الصدرية، دخلت خمس مرات وفي كل مرة كان علاجي يستمر لمدة شهور دون فائدة..
 
- ولكن لماذا لا تبقي فيها حتى تشفي تماما..
- اولادى مزقهم الجوع .. وأنت تعرف الحالة..
 
احد الركاب يصرخ في السائق وهو يضرب سطح السيارة برجلة في جنون:
 
- ايوه.. المساكن الشعبية.. وبعد عدة امتاز توقفت السيارة، ونزل الرجل الذي كان يدق في عنف وهو ممسك بأنفه، ثم اتجه نحو السائق ليدفع له ثمن الرحلة.. وتحركت السيارة مرة أخرى.. غير أن المحرك أخذ يحدث تقطيعا متواصلا يهتز معه كل من في داخلها.. وأخيرا توقف صوت المحرك نهائيا.. وبدأ السائق يحاول إدارته من جديد دون جدوى.. وبعد ان استمر في محاولته عدة مرات.. التفت نحو الركاب وهو يبتسم:
 
- البطارية فارغة.. انزلوا "دفوها".
- ماذا؟ ننزل وسط هذا المستنقع.
- إذا أردتم الوصول إلي منازلكم.
 
وخيم الصمت فترة من الوقت.. والعيون تلتقي وسؤال يدور بالأذهان ماذا نعمل؟.. وكان السائق مازال ملتفتا نحوهم وابتسامته في هدوء تزيد من غيظهم.. انه الآن يبتسم لينزلوا بينما سيبقي هو في دفء المحرك.. ونظر احدهم في ساعته.. وأطلق صفيرا حادا:
 
- ساعة في مسافة كهذه.. والتقت العيون مرة أخرى..
 
وعندما اخذ احد الركاب يطوى بنطا له لكي لا يتلوث.. كانوا قد بدأو جميعا في رفع بناطيلهم حتى ركبهم، ثم خلعوا أحذيتهم.. ونزلوا الواحد تلو الأخر.. ثم تجمعوا خلف السيارة مستندين إليها وهم يستعدون لدفعها:
 
- أحسن فكرة أن تتركوها هنا وسط الطريق.. لتعطل الحركة!!
- لكن كيف نصل؟؟
- هذا رأي. لنتركها ونسير بقية الطريق علي أقدامنا..
 
ويتدخل الرجل العجوز:
- يا ناس العنوا الشيطان.. ولندفع السيارة ربما تصلح..
- هيا.. هيا.. "اللاويسطة".
 
واخذوا يدفعون السيارة وهي تسير إمامهم ببطء.. بينما يحاول احدهم ان يجد المعني لهذه الكلمة التي نطقوا بها في وقت واحد وهم يحاولون إدارة محرك السيارة المتهرئة.
 
رجب الشلطامي
بنغازي 17/5/1969
 

* سبق النشر بصحيفة قورينا في 26/10/2009 العدد 558