18/06/2009

الـــــــدور....
 
بقلم: رجب الشلطامي

أرشيف الكاتب


 
كانت المضغة تحت لسانه تحرقه.. ويسري خدرها اللذيذ فتمتد أمامه خيوط من اللعاب الأصفر اللون.. كل ما بقي له عكازه وكيس مضغة بعد أن فقدت السيجارة قوتها ولم تعد تمده بالحاجة إلى الخدر الأقوى.. كان واقفاً بعيداً عن الزحمة في انتظار دوره.. كان كل شيء يراه يذكره بالماضي حتى علب الطماطم المرمية في الشارع تذكره بالقنابل اليدوية والمكونة أيضاً تذكره بأسلاك "التشتاش" المحشو بالقنابل.. المنازل المتهدمة تذكره بما فعلت الطائرات من خراب.. كل شيء كان يعيده دائماً للوراء..
 
الناس يتزاحمون من أجل التطعيم ضد "الكوليرا" أمواج من الأطفال والنساء والصبيان خليط غاية في الغرابة يندفعون نحو الممرضة فيسقطون الجندي ويقع تحت أقدامهم.. شاب يهز رأسه وهو يتحدث إلى زميله بصوت عال:
 
"أنا لم أر في حياتي مثل هذا الخوف.. وتضيع بقية الملاحظة وسط الصراع والهرج.. ولكن الرجل العجوز تعيده هذه الكلمات إلى الوراء ويحدث نفسه بينما لسانه يلعب بالمضغة. لم تروا مثل هذه المناظر لأنكم لم تعيشوها.. لأنكم صغار قطط في أسبوع ولادتها أما أمثالي فقد رأوا الكثير. لقد رأيت "الكبّه".. تقولون عنها الطاعون.. لغة مدارس.. لقد حدثت عندما اشتعلت نار الحرب الأولى التي شملت كل الدنيا.. براميل من البارود متناثرة وأشلاء البشر ملأت كل مكان.. أصيبت الأرض بالجدري.. بالجدب.. كانت البلاد تعج بالموتى.. كان الموتى يتزايدون كل ساعة وهناك من بقي في مكانه لم يجد من يدفنه.. تصوروا.. لم تسمع أيها الشاب عن هذا.. لم يحدثوكم عن ذلك في المدارس.. أيه.. لقد طبخت الأم ابنها.. أكلته.. لن أقول لكم هذا لا أحد يصدقني.. الأم تأكل ابنها.. والنقود كانت من الذهب الحقيقي عيار أربعة وعشرين لكنها كانت لا تنفع لأن السفن غاصت في الأعماق"
 
ثم يتوقف العجوز عن مواصلة ذكرياته ليغير وقفته مستنداً على عكازه في هذه اللحظة مر من أمامه شاب يرتدي قميصاً أسود ركله ودون أن يعتذر اندفع وسط الواقفين وهو يلعن الجميع:
 
همج.. فوضى.. كأن "الكوليرا" واقفة بالباب..
 
ويمعن العجوز النظر في الشاب، كانت حركات الشاب وهجومه على المحيطين به قد أعاده سنوات اجتازها بمرارة.. صورة كانت لسنوات قهر عاشها.. ووجد نفسه يتخيلها في تلك الطوابير وهي تهتف للصفوة التي سوف يسعد العالم على يديها.. وأخذت صورة الدراجة النارية التي كان يمتطيها أحد جنود الصليب المعكوف توضح أمامه..
 
كانت الدراجة تخترق الطريق الساحلي وصاحبها يقفز بها عبر الحفر التي نحتتها الدبابات وفجأة ارتفع لهيب من جانب الطريق مباشرة وتناثر الغبار محملاً بقطع الأحجار وتطايرت قطع المعدن التي كانت تشكل دراجة نارية وقد سقط فارسها مخلفاً خوذته في اتجاه خلفي.. وبدأ الدم ينزف.. وأسرع نحوه مع بعض رجال القرية فوجوده وقد تمزق بشكل مخيف لم يجدوا فيه ما يشجع على الإسعاف.. لقد فارقته يده وطار حذاؤه الطويل حاملاً معه الساق بأكمله بينما الرِجل الأخرى لم يعد يربطها بالجسد سوى السروال البني اللون..
 
كان الشاب النازي يفتح فمه ويغلقه وقد أخفى الدم معالم وجهه تقريباً.. كان يلهث كطائر عطشان.. وقد اعتقد أحد رجال القرية بأن الجريح يريد أن يقول شيئاً.. ربما يعرفون جهته ليمكنهم من القيام بأي شيء.. ولكن رؤيته بهذا الشكل جمدت كل أفكارهم وجعلتهم في حيرة وفي خوف.
 
اقترح أحدهم مغادرة المكان قبل مجيء بقية القوات التي كان يتقدمها الجريح حتى لا يحصدهم الرشاش.. ولكن الشاب يلهث وحركات شفتاه تدل على أنه يريد أن ينطق بشيء.
 
كانت بقايا ذراعه تتحرك منتفضة والدم ينزف منها ويحاول أن يرفع جسده للنهوض ولكنه عجز..
ولم يجد الواقفون بدا من أن يتحركوا صوب مكان آخر.. ويذكر بأنهم اختاروه للذهاب إلى أقرب مكان توجد به قوات ألمانية لإبلاغهم عن الشاب المجروح.. لم تفلح الاعتراضات.. لقد قررت أغلبية الرجال أن يقوم بهذه المهمة حتى لا تتهم به القرية.. وذهب.. أخبر الألمان عن حادث اللغم..
 
طلبوا منه مرافقة أحد الجنود على دراجة نارية ذات مقطورة جانبية تشبه الزورق.. لا يذكر تماماً ماذا كان ينتابه من شعور في تلك اللحظة... الخوف من لغم آخر أم رصاصة من الجندي.. فهو يذكر بأنه قبع داخل الزورق ذي العجلة الواحدة.. وسار به الجندي محاذياً لطريق جانبي ظهرت به آثار عجلات سيارة بشكل واضح وأحس بأنه في مأمن فالآثار مازالت جديدة وهذا يعني أن الطريق الذي يعبرانه خال من الألغام.
 
ووصلا المكان.. فنزل الجندي وأخذ يسير بحذر متتبعا آثار الأقدام التي وجدها بالقرب من الشاب.. وانحنى على رقبة الجندي الغارق في بركة الدم ثم نزع منه سلسلة كانت تطوق عنقه وقد تدلت منها قطعة صفيح مربعة ربما كانت تحمل اسم الشاب.. أخذ زميله يقوم بتفتيش جيوبه وأخرج منها المحتويات ملطخة.. ثم انحن عليه مرة أخرى في محاولة لسماع كلمة ينطقها وهو يقترب منه أكثر حتى لامست أذنه شفتي الجريح.. وهز رأسه في يأس.
 
كان يذكر في تلك اللحظة بأنه حاول أن يقول للجندي بأن الجريح يلهث لأن من كان في مثل حالته لا يستطيع أن يتكلم ولكنه شعر بخوف خفي وشعر بعجزه فهولا يعرف لغته..
 
أخذ الجندي السلسلة ذات الرقم والأشياء التي عثر عليها واتجه نحو الدراجة ورمى بها في جوف الزورق المقطور.. كانت كلها ملطخة.. ثم تقدم عدة خطوات ووقف عند رأس الجندي الجاثم على الأرض.. وخيل إليه للحظة بأن الجندي سيتحول إلى قسيس يتلو صلوات الموت.. ولكن الجندي رفع يده إلى أعلى وصرخ بصوت عال بكلمات لم يفهم منها سوى "هايل هتلر" ثم امتدت يده نحو غلاف المسدس وافركه.. كان مسدساً فظيعاً كبير الحجم.. وشعر بخوف.. فهو لا يدري ما مناسبة إخراج المسدس في هذا الوقت... يذكر أنه فكر في الهرب وتذكر بأن الرصاص أسرع من العدو.
 
وفجأة انطلقت الرصاصة. وذعر.. ثم رأى رأس الشاب المجروح تتطاير عبر المكان وتعود متساقطة.. وانتفضت بقية الجثة المرمية.. ثم هدأت تماماً..
 
وخاف عندما التقت عيناه بعيني الجندي.. ولكن الأخير أعاد المسدس في الجراب.. واتجه نحو الدراجة النارية وأخرج منها مجرافاً قصير اليد وفأس.. ناوله الفأس وهو يشير له بأن يتبعه. خطوتان وأخذ يضرب الأرض محدثاً بها عدة حفر.. وبدأ يغرف التراب.. أحس بأنه يكاد ينسى كل التفاصيل.. يذكر فقط بأنه كان خائفاً فالموت على بعد خطوة منه فربما يأتي دوره بعد انتهاء مراسم الدفن.
 
كانت الحفرة التي قاما بحفرها كبيرة وعميقة.. ثم أخذا معاً يجمعان أشلاء الجندي التي تطايرت وبدءا يردمانها بما فيها بقع الدم التي جفت وأهالا عليه التراب.. ثم أقام له زميله صليباً من قطع الدراجة ووضع فوقه خوذته.. وعندما انتهى وقف عند قدمي الميت، أو رأسه لم يدقق، ثم صرخ بأعلى صوته ماداً يده إلى أعلى "هايل هتلر"...
 
إنه يتذكر تماماً بأن الموت كان على بعد خطوة منه فكلما انتهى الجندي من عمل شيء أحس بأن يده ستتحول إلى جراب المسدس. انتهت عملية الدفن بكل مراسمها.. ومصيره كان غائماً..
 
ولكن الجندي الألماني أخرج له علبة سجائر ورماها نحوه ثم امتطى دراجته ذات المقطورة واختفى.. وتنفس براحة بينما يده تضغط على العلبة.. ويذكر بأنه رغم سوء حالته سأل نفسه.. لماذا كل هذا الخوف؟..
 
وابتسم وعلام الخوف اليوم من "الكوليرا"؟.. لقد شاهدت عام" الكبّة" وعام الطاعون وعام.. وعام.. وبدأ يتحرك نحو الباب وعكازه يتقدمه بخطوة تقريباً لمغادرة المكان فلحقه صوت الممرضة المنهك وهي تناديه: يا جدي.. يا جدي دورك لقد وصل فيك الدور.
 
رجب الشلطامي
بنغازي 25 /9/ 2008
eshelltami@yahoo.com
 
* سبق نشر القصة بصحيفة قورينا في 16/6/2009 العدد 463