28/05/2009

الرصيف...
بقلم: رجب الشلطامي

أرشيف الكاتب


 
بعد أن عبر الشارع دلف إلى داخل المحل الكبير وهو ينظر يميناً وشمالاً ليأمن الوجوه الكريهة التي تترصد هذا المكان وتتبع بعض زبائنه أحياناً
 
وقف وسط أكوام العلب المختلفة المرصوصة في نظام شيق، وأخذ يسلط نظره متفحصاً المكان، فأخذ وجهه ينعكس على الواجهة الزجاجية العامرة بشتى أنواع الصناعات الغذائية وأجودها، وأغلاها، ويأخذ في معاينة جميع الموجودات، وبالذات ذلك الرف ذي الطبقات المعبأة باعتق أنواع ما عصرت المعاصر، وعندما سقطت نظراته على الورقة المرقمة بالثمن أخذت يده المدسوسة في جيب المعطف تتحسس الورقة المطوية داخله وتتحسس ما مع الورقة من قطع معدنية.. وسرح مع الحركة العامرة داخل المتجر والعمال يلبون طلبات الزبائن وهم يوزعون ابتساماتهم في تودد مصطنع للسيدات اللائي كن يجمعن طلباتهن وسط سلال صغيرة ذات عجلات.
 
أثناء وقفته هذه دار في رأسه أكثر من حلم، فهو أحياناً يتخيل نفسه وقد فتح متجراً صغيراً يضم العديد من المعلبات، وجعل منه أحسن محال الحي كله، فهو يعرف العديد من أنواع الصناعات بحكم عمله في تفريغ السفن، ويعرف كيف يجذب الناس للشراء منه.
 
ولكنه كان يعود فيرفض فكرة إنشاء محل في حي شعبي، فالناس هناك لا يعرفون استعمال البقول المحفوظة فهي لم تصنع لهم أنهم يفضلون الأكلات المصنوعة من الشعير، ولذلك فحتى التعليمات لم تكتب بلغة الذين يقرءون منهم ، وانما كتبت بالإفرنجي.
 
وابتسم لهذه الخاطرة التي اكتشفها قبل أن يتورط في فتح المحل، ويسرح مرة أخرى ماذا لو استطاع أن يفتح محلاً وسط هذه الشوارع الكبيرة ؟ سيكون المحل صغيراً في بداية المشروع ولكنه سيكبر بالتدريج إنه يعرف العديد من التجار الذين بدأوا بمثل هذه البدايات البسيطة، وأصبحوا الآن يملكون أسواقاً بكاملها بما فيها من محلات وبضائع وبشر فأول الطريق خطوة، فلقد سمع ذات مرة أحد الناس يقول:
 
إن رحلة الألف ميل تبدأ بخطوة، حسناً، سيفكر في الموضوع جيداً، وربما حاول أن يقنع قريبه بتسليفه مبلغاً لتكوين رأس مال يفتح به المحل، سيكون صغيراً، ولكنه سيكبر، بل سيكون مثل هذا تماماً، باستثناء بعض الممنوعات الموجودة الآن.. آه.. فلو كان هناك في طرابلس مثلاً لما فكر في مثل هذه المشكلة يكفي أن يجعل أحد الإيطاليين شريكاً له ليأخذ الرخصة باسمه، ويطير به خياله حالاً إلى هناك إلى تلك الأيام التي قضاها بين البارات والمقاهي النشطة بحركة الرواد الدائبة، لقد أحس أثناء وجوده هناك بشيء لم يألفه في السابق فلأول مرة يشعر بأنه لا رغبة له إلا في شرب الحليب، فقط، لقد أحس بأن رغبة العناد والتحدي قد فارقته، وأنه لشيء صعب أن يعيش المرء كل ساعات يومه في تحد مستمر مع هؤلاء الذي يترصدون حركات الآخرين، فماذا أذن لو طالب بالمزيد من حقوقه كإنسان يعيش حياة العصر؟
 
ويسأل نفسه.. ما دخلي بذلك ؟ ألا يكفي أبن جارنا الذي ذهب ضحية مطالبه ؟ ليتهم فقط يتركونني أتصرف كما كنت أفعل هناك في طرابلس.
 
وكأنه تذكر بأن هذا ليس ما كان يفكر فيه في أول الأمر أنه يفكر في المشروع التجاري، حتى يستطيع أن يجمع النقود ليتصرف من خلالها كما يريد فإن من يمتلك النقود يمتلك حرية التصرف أيضاً، ولكنه أخذ يهز رأسه في اقتناع بأن المشروع صعب، ولا يمكنه أن يفكر فيه بمثل هذه السهولة فلو كان لديه حقاً بعض المال لجلب بعض العمال وكون بهم شركة مقاولة ، أو على الأقل لاستخدمهم مقابل جزء من أرباحهم كما يفعل ابن عمه الموظف ثم أخذت أفكاره تتقلص حتى أنه تمنى فقط لو استطاع أن يجد عملاً في هذا المحل لينعم بدفء البضاعة، ورائحة الجبن الإيطالي التي تملأ المكان ، وسوف يزداد مع الأيام خبرة في مجال العمل ويمكنه بعد ذلك أن يقوم بمشروع يكسب من خلاله الذهب الخالص، وأخذ يردد بينه وبين نفسه يا الله لو استطعت الحصول على عمل هنا، سوف لن أغادر المكان أبدا، سأعمل حتى خفيراً لأوفر إيجار السكن، سأترك تلك العجوز الجر باء صاحبة الكوخ التي تستقبلني بالصراخ دائماً، وأخذ يتساءل مع نفسه مرة أخرى ، بينما رفع يده دون أن يدري، لماذا لا تتركني وشأني، أنها لا تعرف شيئاً، إنها لا تعرف أنني أدفع نصف أجري لرئيسنا في الشركة حتى أضمن استمرار اسمي في قائمة العمال، أنها تصرخ في وجهي بأن العمل كثير ومتوفر وأن السفن في الميناء لا حصر لها كما يقول الراديو، لكنها لا تعرف أن استقراري غير متوفر، وأن المتعهد يهدد دائماً بأنه سيجلب عمالاً من الخارج إذا كنا غير راضين بما يدفع لنا من أجور، ويطن في سمعه صوت المتعهد معربداً:
 
• من منكم لا يعجبه العمل ، فليخرج، العمال كثيرون في البلدان الأخرى.
 
وقبل أن تتلاشى الكلمات التي كانت محفورة بكل حقد في ذاكرته ، أفاق على صوت عامل المحل يسأله:
 
• تفضل أية خدمة..
 
• لا .. لا .. شكراً سأنتظر دوري .. الأول .. الأول.
 
فابتسم العامل وهو يدور متجهاً نحو المكان لينظم فيه بعض البضائع المختلطة ببعضها ومر الوقت وهو واقف بينما يده تضغط على قطع المعدن داخل جيبه وكانت الورقة قد امتصت من العرق ما جعلها "تنعلك" بين أصابعه، وأخذ يفكر فيهم، في أصدقائه الذين اشتركوا معه في جمع النقود فغداً عطلة رسمية وهم يريدون شيئاً يسهرون به، يقضون به السهرة لتكون ممتعة تليق بالمناسبة !على الأقل، فهم لا يستفيدون من هذه المناسبات إلا بتلك العطلات التي لا حصر لها والتي تزخرف خلالها الشوارع بالمصابيح الملونة. وما أن أخذ عدد الزبائن يخف حتى اقترب من المنضدة حيث يقف صاحب المحل، واقترب أكثر وهو يبتسم مشيراً بيده نحو الرف الذي يقع خلف الخواجة، ملقياً تحيته باللغة التي يفهمها صاحب المحل الذي بدأ عليه شيء من عدم الراحة:
 
• كاليميرا، أعطني واحدة يا خواجة..
 
وبحركة لا شعورية اتجهت نظرات الخواجة نحو المكان الذي كان الزبون قد أشار نحوه ثم هز رأسه رافعاً يده:
 
• أسف حبيبي ممنوع ، فيه أوامر كده..
 
ولم تفارقه الابتسامة وهو واقف يستمع إلى كلمات الخواجة التي كان يطلقها بسرعة وكأنه يريد التخلص من الزبون الواقف أمامه دون فتح مجال للنقاش، ورغم ذلك كان ما زال يشير إلى الخواجة وكأنه لم يسمعه، وهو يمد بالنقود:
 
• يا خواجة الشارع خال.
• لا أستطيع يا حبيبي، كان بودي أن أعطيك طلبك، لكن خلاص ممنوع، خذ فلوسك.
 
ثم اتجهت نظرات الخواجة نحو أحد الواقفين، وعندما التفت الزبون وجد أن بعض الزبائن في انتظار تحركه ليدفعوا ثمن مشترياتهم ، فأخذ في سحب نقوده من فوق زجاج المنضدة وهو يتراجع إلى الوراء، وقف مستنداً على الحائط ، فربما اقتنع الخواجة ببيعه ما طلبه، وربما كانت وقفته ليتمتع بأكبر قدر ممكن من الفرجة على هذه الأشكال الهندسية التي صففت بها البضائع، بينما كان الخواجة يتعامل مع الزبون دق جرس الآلة السوداء النائمة على طرف المكتب فرفع الخواجة السماعة بإحدى يديه ، بينما أخذت اليد الأخرى تعمل في النقود ليرد باقي قيمة للزبون الواقف، ولكنه سرعان ما ترك النقود ليرفع يده محيياً وكأنه يرى المخاطب وهو يرد عليه:
 
• أيوه، أهلاً، كيف الحال الله يسلمك ، طلباتك يا بيه حاضر، المحل تحت أمرك يا سلام يا حاج محمد، نحن في الخدمة يا بيه حاضر بأقصى ما يمكن يا بيه يا سلام سيارتك، أمرك يا سيدي، سواق حضرتك نعرفه كويس ، حاضر المحل تحت أمرك ،إن شاء الله يابيه، يا سيدي كل سنة وأنت طيب، فعلاً مناسبة تستحق الاحتفال، إن شاء الله دائماً في الأفراح، مع ألف سلامة يا حاج محمد بيه.
 
وعندما أعاد الخواجة السماعة صرخ في أحد عمال المحل، كان يقف أمامه بسرعة البرق وكأن الأرض قد قذفته من جوفها:
 
• أحضر اثنين كرتون"امستيل" كبار وصندوق "وايت هورس" وكيلو جبنه ممتازة.
• حاضر، يا خواجة، هنا أو في سيارة المحل.
• لا ستحضر سيارة الحاج محمد.
 
وقام الخواجة بحركة من يده كأنه علامة متفق عليه، فأجابه العامل مبتسماً:
 
• أه عرفت، سيارة البيه محمد.
 
وذهب العامل في سرعة مدهشة، وعاد الخواجة من جديد يتعامل مع الزبائن، واتجه بنظراته إلى الأمام فسقطت على ذلك المستند على الحائط ثم عاد نحو الزبون الثاني وهو يستلم النقود ويعدها بسرعة.
 
كانت السيارات في تخاطف سريع بألوانها المتعددة ومنبهاتها تصدر عواء مستمرا. وبعد لحظات وقفت أمام المحل تماماً سيارة فاخرة، أخذت تهتز من شدة الضغط على فراملها وهي تشع نوراً احمر منبعثاً من الخلف، ونزل السائق منها متجهاً رأساً نحو الخواجة بعد أن فتح المخزن الخلفي ليستقبل الطلبية الموصى عليها.
 
• أوه .. أهلاً .. كل شيء تمام يا أفندم.
 
وفي هدوء كان عامل المحل قد أخذ في نقل الطلبية إلى صندوق السيارة، ثم أقفله وعاد، وخرج السائق وهو يطوي الفاتورة ويضعها في جيبه وتحركت السيارة عبر الشارع الكبير في سرعة محدثة خلفها صوتاً هز زجاج المحل، بينما أخذت الأتربة تتطاير في الفضاء من شدة دوران العجلات بسرعة، وبخروج الزبون الواقف أخذ الخواجة يبتسم بسخرية، والتقت عيناهما، الخواجة يرتب الأوراق النقدية، والأخر واقف ينظر إليه في سخرية ذات معنى أخر لأنه لم يكن غبياً، كما تبادر إلى ذهن الخواجة لقد استقرت الإهانة في مكانها الأمر الذي أخذ معه الخواجة وكأنه قد بدأ يشعر بنوع من الخوف وعندما التقت نظراتهما التفت الخواجة نحو الرف وجذب منه الزجاجة التي كان يريدها الواقف وأخذ يلفها بورقة وهو يبتسم، وعندما أراد أن يتحدث إليه كان قد خرج من المحل، وأخذ يسير وسط الشارع المزين بالمصابيح الملونة التي تعكس أنوارها على الأرض المرصوفة بينما الأعلام تتوسط الشارع على امتداد البصر، وكان يسير وهو يبصق على الأرض في غضب والناس من حوله في استغراب، ولكنه لم يلتفت إليهم ولم يهتم لأنه كان يرى التفاهة في كل شيء حوله، واستمر في سيره عبر الشارع الكبير وهو ينظر إلى الناس وإلى السيارات وأصحابه وكأنه يريد أن ينتزع عن وجوههم أقنعة لا يرونها يريد أن يسلخهم ورنين كلمة "بيه" تدق في أذنه وهو مستمر في حديثه مع نفسه، إن الأمر كذلك، حسناً، أنهم يستخدمونني ولكنهم لا يعتبرونني إنساناً، يطأون رغباتي بأقدامهم، فأنا لست "بيها" ولا أريد أن أكون كذلك، ولكنهم سيعرفون ماذا أكون.
 
توقف لحظة وكأنه أفاق من غيبوبته وأخذ ينظر إلى المارين ملياً وأطرافه ما زالت تهتز في عنف ووجهه ينم عن غضب مدمر، ثم تحسست يده النقود المبلولة بالعرق وتذكر الجماعة المنتظرين عودته، عليه أن يعيد إليهم نصيبهم، وسوف يشعرهم بمعنى ذلك، ولن يشترك معهم بعد اليوم في جلساتهم، فهناك على الرصيف سيكون أحدهم.. سيكون أحد أولئك الذين رفضوا العمل مع المتعهد عندما أهانهم.
 
رجب الشلطامي
بنغازي 25 /9/ 2008
eshelltami@yahoo.com
 
* سبق نشر القصة بجريدة الحقيقة بتاريخ 27 سبتمبر 1969 العدد 1214 وأعيد نشرها بصحيفة قورينا في 26/5/2009 العدد 448