21/02/2009

بالمقلوب!
بقلم: رجب الشلطامي

 
رجع الزول إلي قريته بعد غربة طويلة في بلد واق ألواق ، قبل اختراع جوازات السفر وبطاقات الهوية، حيث كانت بعض البلاد مفتوحة علي جميع الجهات، أو بمعني أخر هي اقرب لان تكون قطيع يسرح دون راعي، لان الراعي كان مشغولا بمزماره وتعديل نغماته لتستمتع ذكور الماعز، ولتهفوا إليه قلوب العذارى في القرى المحيطة، ولان فتيات تلك القرى كن يعرفن بأنه غير مهتم فلا شقراء القرية راضية به ولا السمراء أحبته رغم كرمه وعطاياه الغالية بفضل الكنز الذي وجده ذات ليلة وأهل النجع نيام، كما تقول الأسطورة، التي شرحها لنا معلم اللغة العربية في سنوات الدراسة، عندما كان المعلم صاحب رسالة، يأكل من عرق إخلاصه وحبه للوطن، المهم عندما رجع الزول سالما ومحملا بالخيرات بما لم يكن يخطر علي بال احد حتى في الأحلام، تحول بحكم ثروته إلي علم من أعلام القرية وشيخا من شيوخها، وبالتأكيد، فمن يملك الثروة يملك القوة ومن يملك القوة يكون صاحب الأمر والنهي، وذات ليلة صيفية مقمرة عندما كان الزول يتحدث إلي مجموعة من الضيوف عن ذكرياته ومعاناته في تكوين هذه الخيرات التي يتمتع به، سأله أحدهم عن أعجب أشياء غربته الطويلة في واق ألواق؟ .. فأبتسم وبدء يتحدث بلهجة عجماء مثيرة للضحك قائلا:
 
- الحقيقة أن كل ما في بلاد واق ألواق غريب!
- مثلا ؟ .. تسأل احدهم
 
- هم يسمون الأشياء بغير أسماءها حتى انك لا تعرف المقصود إلا بعد أن يتبرع احدهم ويشرح لك المعني .. أي.. وعند جهينة الخبر اليقين، فهم يحبون لغة المعني في بطن الشاعر فيقولون:
 
- عن سخان الشاي .. براد ! والبراد عندنا ثلاجة
- عن الفحم.. بياض ! والفحم في كل العالم فحم
- عن الاعمي.. بصير !
- عن المكسور.. مجبور!
- عن الأسود .. أسعد! فالخروف الأسود يلقبونه بالأسعد
- عن النار .. عافية !
- عن العاهرات .. بنات باب الله ! أو الكويسات !
- عن الجمال .. خراب ! فإذا أعجبتهم فتاة جميلة أو سيارة يقولون عنها.. خاربة !
- إذا كان احدهم لا يريد أن يفي بوعده يقول لك.. إن شاء الله !
- عن النصاب.. شاطر! صاحب دماغ مفتح؟
- عن المرتشي.. أمين !
 
- عن..لا..لا.. ما معقول لا احد يصدق مستخدما شارة، ذات دلالة قبيحة، لأنه استدرك فجأة، قد يكون احد المستمعين ممن لا يؤتمن، مسترشدا بنصيحة لا تقل كل ما تعرف ولا تتحدث فيما لا تعرف.
 
فغرق المحيطون به في الضحك حتى طفحت أعينهم بالدمع، وانقلبوا علي اقفيتهم واخذ كل واحد منهم يضرب كفيه غير مصدق، وبعد إن هدؤوا قال لهم شيخهم ألم أقل لكم ويأتيك بالأخبار من لم تزود.
 
رجب الشلطامي
بنغازي في 6 سبتمبر 2008