30/05/2008
 

الوجدان والعقل في أعمال الليبي مصباح الكبير
عدنان بشير معيتيق - القدس العربي

 
مصباح الكبير فنان ليبي لا يتعمد الألغاز والتعقيد غير المبرر، بل يصر علي عدم وجود أي شيء في اللوحة يفسر، فهي تلك الأنشودة المنبعثة من دوافع الرغبات السرية للكائن في داخل النفس البشرية، فهو لحن كان من الضروري أن يؤلف ومن الواجب أن ينفذ بهذه الطريقة أو تلك.
 
كأنها رياح زرقاء ترقص فوق حقل ابيض من أدخنة لون الروح ورمادها، بقعة من خربشات لون اسود تتسع لتشمل فساد الأمكنة والزمن الرديء، لتستفز ذاكرة أحلامنا المهشمة وتوقد فينا ذلك الكائن النائم بخيوط الوهم الخضراء المتشابكة مع فضاءات الروح بأطيافها الزرقاء القادمة من عتمة الوقت منذ آلاف السنين.
 
أحاسيس تسترسل بيسر مع اشتعال حواف الروح من بواعث تسلل ضوء علي سطوح غبراء مصقولة بزفرات فرشاة الرسم وسكاكينه، فتتكشف أشياء كثيرة، دهشة الطفولة، آمال، أفراح، أحزان، رقص علي خيوط الروح، أغنيات من بعيد تتسلل بكل خفة، أنفاس متقطعة، قناديل مضاءة.
 
يعتمد علي الاستنباط الفوري بشكل كبير في اغلب أعماله الفنية المنجزة فتأتي خالية من الترهل والمبالغة في الوصف البصري الممل، فلا يستعين بالحكايات المباشرة، فغالبا ما يكون الأداء أو طريقة التنفيذ هي المقصودة وربما المادة المستخدمة نفسها هي الغاية بالأساس في العمل الفني المنجز.
 
تلتقي أعماله المنجزة مع المتفرج في منتصف المسافة الفاصلة بين العين واللوحة تجبره علي الاقتراب اكثر ليستوضح الأمر وما إن يقترب حتي يدرك انه لا يوجد شيء أو أن الأشكال والألوان التي وقع في إغوائها قد تلاشت نتيجة استحيائها في بعض الأحيان وخداعها في أحيان أخري فهي تكوينات خادعة ـ ماكرة ـ ذكية ـ ساذجة ـ في نفس الوقت أو كما تعمد الفنان أن تصبح هكذا.
 
فهذه الأشكال والخطوط بكائناتها الشبحية تظهر من تحت سطح الورقة لتباغت متتبعيها وتشعرهم بفقر مخيلتهم وعجز تفكيرهم أحيانا علي المسير في طريق اقتراحاتها المجنونة الممتلئة بأحاسيس تحتية للبشر، تشق طريقها بقوة في أصباغ العمل الفني ومادة بنائه.
 
تجريدياته لا تزال تؤسس لحيرة كبيرة عندي وربما عند آخرين،لتمكن الفنان من السيطرة علي توزيع كل المفردات في فضاء اللوحة، قد لا يجرؤ الكثير علي تركه هكذا مناطق فارغة أو كما تبدو للمتفرج، فثراء المخزون البصري المحلي والعالمي عنده أضفي عليها سحر الشرق وغرائبيته، ولوحاته انعكاس لحالات وجدانية عميقة لا تعنيها أبدا ما كانت تخلفه بقدر ما كانت تتوق إلي الضوء المنبعث من تحت الأسطح المعتمة والممتلئة بغبار كوني عالمي سديمي ممتد بين براح الوجدان وحيطان العقل الصارمة.
 
تشكيلي من ليبيا
 
نقلا عن القدس العربي

 

جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع >>>> ليبيا المستقبل منبر حر لكل من يطمح ويسعى لغد أفضل لليبيا الحبيبة

 

libyaalmostakbal@yahoo.com