17/09/2008
 

على صدقى عبد القادر شاعر شعاره الدائم "يحيا الحب"
د. سعدون إسماعيل السويح (العرب أونلاين )

 

 

الشاعر الليبى

على صدقي
 
اختار الشاعر الراحل محمود درويش عنوانا لإحدى مجموعاته الشعرية عبارة "أثر الفراشة"، وجعل من الفراشة رمزا لجمال الشعر وأناقته وما يضفيه من خفة وأثيرية على الوجود الثقيل، ولست أجد وصفاً أصدق من "الفراشة" أُطلقه على شاعرنا الليبى الراحل على صدقى عبد القادر الذى ترجل ـ رحمه الله ـ عن صهوة الشعر بعد محمود درويش بأسابيع قليلة.. كان على صدقى عبد القادر حقا خفيفا، أنيقا، ظريفا كالفراشة، وكانت الفراشة هى ربطة عنقه الأثيرة التى عرفناه بها منذ بواكير الستينات حين بدأ جيلى يعى الدنيا من حوله هنالك فى طرابلس الغافية فى أحضان البحر يهدهدها كطفلة مدللة ويحنو عليها كما تحنو عروس الغزالة على جرتها ... كنا نرى على صدقى عبد القادر أنيقاً، ساحر الإبتسامة يرتدى "فراشته" الزاهية كقوس قزح فى تماوجها، ويضع وردة مثبتة فى "جاكيتته"، كان وجهه يفيض بشرا، وكان شعاره الدائم "يحيا الحب".
 
معلم حقا هذا الرجل من معالم طرابلس وعلامة مضيئة فى جبين ليبيا التى منحها أجمل وأحلى قصائده منذ دواوينه الأولى، وكانت ليبيا عشق الشاعر الحقيقى ممتزجة فى وجدانه بصورة الأم.. كانت هى "فاطمة" التى أحب وغناها فى كل شعره، وكانت هى الجميلة التى بيوتها "الأقراط فى أذن السماء"، والتى يذوب الياسمين من "وله فى حبها" ولا "يتوب".
 
وقد تواصل عَطاءُ هذا الشاعر عقودا طويلة، وقد كتب القصيدة بكل أشكالها، وكان رائدا من رواد شعر التفعيلة والشعر الحر وفضاءات قصيدة النثر فى ليبيا، واكبت بداياته بدايات الرواد الكبار أمثال السياب والبياتى ونازك الملائكة ومحمود الفيتورى وصلاح عبد الصبور ونزار قباني، لكنه ظل أبدا يجدد قصيدته ليحتفظ بجدارة بلقب "شاعر الشباب"، وكان منفتحا على تيارات الشعر العربى والأجنبي، مواكبا للحركة الأدبية فى ليبيا وخارجها... وكان حاضرا دوما فى جميع المنتديات الثقافية، شديد الاحتفاء بالأصوات الجديدة الشابة، يحنو عليها جميعاً دون "تثاقف" أو "تعالم"، ودون ادعاءٍ بالريادة أو النخبوية.
 
على صدقى عبد القادر كان يدرك أن موت الشعر فى اجترار ماضيه والتدفؤ بأحطاب ذاكرته، ولذا كان يتطلع دوما إلى الجديد، مغامرا فى أرض الدهشة، مبحرا إلى الآتي، نجد فى شعره ملامح "سريالية" و"دادية"، نلمح اصداء أدونيس وجاك بريفير وبعضا من تجليات بودلير ومالارميه ورامبو، ولكننا نحس دوما بتميزه وفرادته وجرأته.. وكثيرا ما تعرَّض على صدقى عبد القادر لسوء الفهم، بل سخر منه بعضنا وشكك فى شعريته وعبقريته.. لكنه لم يتوقف قط عن العطاء، ولم يرجم أحداً أو يهجو أحدا.. كان حقا عف اللسان، مؤمنا بأن قدر الشاعر ومحياه ومماته فى شعره، وكان المفتاح الحقيقى لعبقريته هو طفولته الدائمة، وقد ظل على صدقى عبد القادر طفلا كبيرا يطارد الفراشات ويحاول القبض على حفنة من قوس قزح، وهذه الطفولة جعلته يتشبث بالحياة ويقاوم الموت، شاهراً فى وجهه القصيدة:
 
فلينتظر الموتُ وراء البابْ
ماذا لو ظل ملايين الأعوامْ
خارج بابى
يتثاءب
ينفض عن عينيه غبار الدهر
ويقلم أظافره
يتلهى هناكَ
بمطاردة الذبابْ
 
ولم تفهم المدينة طفولة شاعرها، وأنكر عليه كثيرون أن يعلن "موت الموت"، وظنوا أن به مساً من الجنون، وأذكر أننى لقيته مرة فى شارع الوادي، قرب مصلّى مدينة طرابلس القديم، وسألته معاتبا: هل مات الموت حقا يا أستاذ علي؟ وأجابني، وغلالة طفيفة من حزن تكسو عينيه الصافيتين خلف زجاح نظارته: يعتقد السذج أننى لا أعى حقيقة موتى كواقعة مادية ولا يدركون أن رسالتى هى أن أبشر بالحياة.
 
على صدقى عبد القادر كان حقا شاعرا يبشر بالحياة.. كان يؤمن بأن النوع البشرى يحقق خلوده بالفن، ولذا ترك الإنسان نقوشه على جدران الكهوف فى الصحراء، وعلى سقوف المساجد والقصور والمعابد، وكان الكائن الوحيد الذى غنى وكتب الشعر..
 
ورحل الشاعر أخيرا كما ترحل الفراشة.. طار إلى أفق آخر عله أجمل وأرحب.. لكن قصائده باقية تنثر القمح لعصافير طرابلس مع إشراقة كل شمس، وعندما تهطل أمطار الخريف الأولى هذا العام، سيهدى الشاعر كلاً منا حفنة من قوس قزح، وسيهتف من وراء كل غيمة "يحيا الحب"!.
 
1-كاتب وأكاديمى ليبى يعمل مع الأمم المتحدة فى نيويورك.
2-الإشارة هنا إلى تمثال الحسناء والغزالة الشهير فى مدينة طرابلس على مقربة من البحر.
 

 

جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع >>>> ليبيا المستقبل منبر حر لكل من يطمح ويسعى لغد أفضل لليبيا الحبيبة

 

libyaalmostakbal@yahoo.com