02/01/2009

 
روبرت فيسك: قصف عسقلان، سخرية الأقدار الأكثر مأساوية!
 
صحيفة الإنديبندت البريطانية 30/12/2008
 
ترجمة: رمضان جربوع

أرشيف المترجم


 
• القتلى من الفلسطينيين لا يهموننا، بل البضعة الإسرائيلية هي المهمة!
• اجداد الشقيقات الخمس قدموا من الأرض التي سقطت عليها صواريخ القسام
• "مرزبانات" العرب قلقين! ويدعون لقمة، إن عقدت، لن تقرر سوى تكلبف لجنة لإعداد تقرير لن يكتب أبدا
• كم يفتقد الإسرائيليون ياسر عرفات!
 
كم هو سهل استدعاء تاريخ فلسطين ثم تُـحذف منه قصة المأساة، فقط لكي تتجنب سخرية الأقدار البشعة عن "غـزّة" وحكايتها... في أية حرب أخرى – كان الصحافيون سيكتبون في تقاريرهم الأولية ما يلي: "أن ملاّك الأرض "الإسرائيلية" الأصليين والشرعيين حيث تسقط صواريخ "حماس"، يعيشون الآن في غزّة!"
 
هذا هو السبب في وجود غزة أصلا: لأن الفلسطينيون الذين كانوا يعيشون في عسقلان (اسمها الآن أشكلون) تم تجريدهم من أملاكهم في سنة 1948 عندما تخلّقت إسرائيل وانتهى الأمر بهم بالعيش في شواطيء غزة، أو أولادهم وأحفادهم، وهؤلاء يشكلون 80% من اللاجئين المحشورين في "خزان المجاري" المدعو "غزة"... هذه هي حكاية غزة التاريخية، الحكاية الحقيقية، سكان غزة لم يأتوا من غزة!
 
ولكن عندما نشاهد برامج التلفزيون الإخبارية، قد تعتقد بأن التاريخ بدأ بالأمس فقط !.. قد تعتقد بأن حفنة من المجانين الإسلاميين الملتحين الكارهين للسامية ظهروا فجأة في أحياء غزة المزدحمة القذرة، أو بالأحرى "مكب" النفايات المليء بأناس لا أصل لهم ولا يملكون شيئا، ثم أخذوا في إطلاق الصواريخ ضد الدولة الديوقراطية المحبة للسلام التي اسمها "إسرائيل"، وهذه مدفوعة بحق الانتقام "الشرعي" أطلقت طائراتها ونيرانها لملاقاتهم !... هذا ما يقولونه لنا في إعلامهم الغربي. أما كون أجداد الخمس شقيقات اللاتي قتلن في معسكر "جبالايا" للاجئين كانوا قد قدموا من نفس الأرض التي قام أصحابها الجدد بقصفهن حتى الموت، فهذا لن يظهر في أية نشرة إخبارية !
 
في سنوات التسعين من القرن الماضي، كلا من إسحاق رابين شمعون بيريز تمنيا فقط أن تختفي غزة! أن تغرق في البحر، وبالطبع تستطيعون فهم السبب، استمرار وجود غزة بمثابة تذكير دائم بمئات الآلاف من الفلسطينيين الذين فقدوا منازلهم بعدما استولت عليها إسرائيل، هم الذين هربوا أو طردوا خارجا بفعل الإرعاب أو التطهير العرقي الإسرائيلي لأكثر من ستين سنة مضت، عندما انطلقت موجات اللاجئين في أوروبا عقب الحرب العالمية الثانية وعندها تم ركل حفنة العرب خارج ممتلكاتهم، هذا الأمر لم يعني شيئا للعالم !
 
حسنا، على العالم أن يقلق الآن ! في بضعة الأميال المربعة الأكثر ازدحاما في العالم على الإطلاق، يوجد شعب محشور يعيش في وسط القمامة والمياه السوداء، وخلال الستة أشهر الماضية مع الجوع والظلام، وهؤلاء تتم معاقبتهم منا نحن، الغرب ! غزّة، كانت دائما بلدا متمردا، لقد لزم أرييل شارون سنتين كاملتين "لتهدئة" المكان بدء من 1971، غزة، أيها السادة لن يتم تدجينها الآن ! وأسفاه، أقوى صوت لشعب فلسطين، سكت الآن، أنا هنا أتحدث عن "إدوارد سعيد" وليس عن ياسر عرفات الغارق في الفساد السياسي (كم يفتقده الإسرائيليون الآن!).
 
الناطق باسم الفلسطينيين الآن، هذه الشخصية الحمقاء بدون رجاء لم يستطع أن يوضح المأساة التي يعانيها شعبه، إدوار سعيد كان قال عن غزة: "إنها مكان مرعب حزين بسبب يأس وبؤس العائشين فيه، لم أكن أتوقع أن أشاهد معسكرات أسوأ من تلك التي رأيت في جنوب أفريقيا". لم يبق بالطبع، لوزيرة الخارجية الإسرائيلية "تزيبي لينفني" سوى الإقرار بأن: "أحيانا، المدنيون يدفعون الثمن" وهي حجة ما كانت لتقولها لو أن أعداد الضحايا من الفلسطينيين كانوا من الإسرائيليين.
 
كم هي دالّة كلمات أحد أعضاء "معهد المشروع الأمريكي" الببغاء المخلص المردد لحجج إسرائيل، كلماته كانت في سياق الدفاع عن حصيلة الموت الذي لحق بالفلسطينيين: "... إنه غير مفيد استخدام لعبة الأرقام !" ومع ذلك، لو قتل ثلاثمائة إسرائيلي مقابل مقتل فلسطينيين، تأكدوا بأن "لعبة الأرقام" والعنف غير المتناسب ستكون مفيدة وجديرة بالاهتمام.
 
الحقيقة البسيطة: الموتى الفلسطينيين لايهموننا بقدر اهتمامنا بالموتى الإسرائيليين ! صحيح، أن 180 قتيل كانوا من "حماس" ولكن ماذا عن الباقي ؟ ... حتى وإن صحت تقديرات الأمم المتحدة المحافظة بأن الضحايا المدنيين كانوا 57 فقط، فلا يزال هذا العدد مرعبا.
 
ليس أمرا مدهشا أن نلاحظ تقصير بريطانيا والولايات المتحدة عن إدانة الهجوم الكاسح ولوم حماس، سياسة الشرق الأوسط الأمريكية وسياسة إسرائيل واحدة لا يمكن تمييز إحداها عن الأخرى، والسيد رئيس وزرائنا، غوردون براون، لا يفعل سوى متابعة ولائه بما يشبه وفاء الكلب، لإدارة الرئيس بوش كما كان يفعل سلفه توني بلير.
 
وكالعادة، مزربانات العرب (أي: حكام العرب)، المسلحين من قبل الغرب والقابضين لأجور منه بصفة غالبة، صامتين، سيدعون لمؤتمر قمة عربي مستحيلة لمناقشة الأزمة التي (في حالة عقدها) ستقوم بتعيين "لجنة عمل" لوضع تقرير لن تتم كتابته أبدا.
 
هكذا هو حال العالم العربي وحال حكامه الفاسدين. أما بالنسبة لحماس، فستستمع كثيرا بورطة طغاة العرب بينما هي تنتظر بكل مكر أن تأتي إسرائيل وتتحدث إليها، وهذا ما سيفعله الإسرائيليون ! قطعا، خلال بضعة شهور سوف نسمع بأن "حماس" و"إسرائيل" تعقدان "محادثات سرية" تماما مثلما سمعنا ذات مرة عن إسرائيل ومنظمة التحرير الأكثر فسادا، ولكن عنئذ، الموتى سيكونون دفنوا منذ أمد، وسوف نواجه الأزمة التالية منذ الأزمة الأخيرة.
 
ملاحظة المترجم: منذ نشر المقال بلغ عدد القتلى الفلسطينيين قرابة الأربعمائة والإسرئيليون أربعة!
 
* نشرت ترجمة المقال أيضا بصحيفة قورينا (بنغازي) - 31/12/2008
 
 

 

محمد: والله شئ جميل حينما يكتب صحفى غربى فى صحيفة غربية مقال مثل المنشور فى صفحتكم الاخبارية واتمنى ان يتم نشره فى كل الصحف العربية الرقيمة والورقيه حتى يعلم حكام العرب والمواطن العربى ان هناك فى الضفة الاخرى ممن يحس باحساس اؤلئك المشردين والمضطهدين فى امتنا بسبب حكامنا فشكرا للكاتب على مقاله الرائع حقا والمنصف فى وجه الظلم والارهاب العالمى امريكا واسرائيل.
 
للتعليق على المقال
الإسم:
العنوان الإلكتروني:
التعليق