03/01/2009

 
عن العدالة الجغرافية وكوارث العواصم!
 
بقلم: رمضان جربوع

أرشيف الكاتب


 
مدينة كبرى لماذا ؟
 
هنالك فكرة مغلوطة، في ظنّى، عن ضرورة العاصمة الضخمة "الديناصورية" من حيث كونها تستهلك مقدارا عظيما من موارد الدولة في سبيل الإنفاق على تشييدها وتطويرها وصيانتها فهي طبعا يجب أن تكون مدينة ضخمة، حديثة مزودة بكل لوازم العاصمة من فنادق وإدارات، والفكر السياسيي وراء ذلك في الغالب المباهاة بها أمام العالم ولكي يشاهد الزوار ما حققته الدولة من إنجاز حضاري كبير.
 
الإنفاق في دول العالم الثالث يتم عشوائيا ومزاجيا ووفقا لمصلحة متخذي القرار في إدارات الدولة، وتصبح العاصمة بما توفره من فرص عمل، حيث أنها استحوذت على الجزء الرئيس من مخصصات التنمية، بعد أن استلبت الحصة الشرعية لبقية حواضر الدولة التي كسد سوقها وقل نشاطها وأصحبت عالة على "إعانات" العاصمة من حين لآخر، ومن نتائج ذلك البطالة الشرسة خصوصا للأجيال الشابة، العاصمة بازدهارها تٌفقر غيرها وتجعلها شبه قفر،عندما تكون برامج التنمية والتطوير لا تتوخي العدالة الجغرافية ما بين مختلف مناطق البلاد بل يركز السادة المخططين جل اهتمامهم بمحيطهم حيث يسكنون.
 
الدول النامية أو التي تضخمت مواردها بالنفط، لا تستطيع أن تنشيء مدنا كبرى بجرة قلم على عقود صفقات مع شركات أجنبية أو محلية أو بمجهودات محتاجين لمساكن يضطرون لبناء أحياء مساكن كيفما كانت بدون تخطيط أو حتى أكواخا من الصفيح.
 
ثقافة المدينة الكبرى
 
المدينة الكبرى مفهوم ثقافي بالدرجة الأولى ولم تنشأ مدن في "الغرب" الكبرى إلا عبر قرون من الزمن وهي تنموا تدريجيا ويتكيف سكانها، عبر أجيالهم، مع هذا النمو ثقافيا ويستوعبون مقتضاه من حيث التعامل فيما بينهم وتحديد أنماط السلوك، الذي هو هنا حضري بدرجة عالية تظهر فيه بكل وضوح شخصية المواطن المتفاعل، حقوقا ووجبات وحريات، مع الدولة والسياسة وأهلها، وكذلك في كل ما يتعلق بإدارة المدينة والاهتمام بها وصيانتها وترتيبها والتخطيط المستقبلي لها ضمن حس فني وذوق راقي ونظافة قصوى، وبما يتناغم مع تاريخ المدينة ولا يشذ عنها ولا يسمح فيها بنشاز.
 
إلى جانب ذلك، كبر حجم المدينة يكون عادة بموجب محفز له، مثل نشاط اقتصادي تجاري أو صناعي معين أو حينما تكون المدينة ميناء أو واقعة على مفترق طرق رئيسية، وقد تصبح إحدى هذه المدن عاصمة للبلد بحكم توافق إقامة عاهل البلد، ونادرا ما تتضخم مدينة بحكم كونها عاصمة معلنة إذ لابد أن يتلازم ذلك مع مقتضيات اقتصادية أو استراتيجية.
 
مفهوم العاصمة في الغرب لا يقتضي مدينة كبيرة، وليس لنا سوى ملاحظة واشنطن، عاصمة الولايات المتحدة، التي لم تصبح أبدا مدينة كبرى بعد قرنين من تأسيسها وإعلانها عاصمة، العاصمة تقتضي حيزا كافيا لاحتواء أجهزة الدولة المركزية الأساسية مثل الحكومة والمجلس التشريعي وبعض المؤسسات ذات السيادة في أنشطة معينة والسفارات.
 
بطر مدن العرب وفسادها!
 
في بلاد العرب، هنالك شغف مزمن باتخاذ مدينة كبرى كعاصمة، وإن لم توجد فيتم اختلاقها بكلفة عالية وغالبا ما تكون النتيجة مخيبة للآمال، فثقافة المدينة الكبرى ونمط العيش فيها لا يمكن استيراده، فتظهر فيها العيوب وتتكدس فيها المصالح، وهنا نرى بجلاء كثرة المؤسسات الخاصة التي تسعى للربح تتخذ العاصمة مقرا لها، "عليّة" القوم تقيم فيها وهؤلاء لديهم مفاتيح الخزائن فتقوم بفتح المكاتب والمحلات وتستخدم أيدي عاملة عديدة لم تكن موجودة ويحدث التكدس السكاني الذي يستفحل بعد شبه الانعدام للتنمية والتطوير في غيرها من مدن البلد، العاصمة تصبح في هذه الحالة عبئا على خزانة الدولة دون مبرر وتحرم بقية مدنها من تنمية منتظمة ومخططة تستشرف المستقبل وعواقبه، تكفينا إلقاء نظرة على دول النفط في الخليج حيث بلغ البطر أشده في التطاول بعمران العواصم مع إهمال شبه كامل للدواخل، وظهرت فيه أنماط حياة تتطلب "يد عاملة" مخصوصة غير متوفرة محليا سواء لإدارة المكائن أو لتسلية القوم ليلا والتوريح عنهم!
 
العاصمة بهذا المفهوم مضرّة أكثر منها منفعة، فهي مكلفة وهي مزدحمة وهي مكدسة وهي داعرة لتضييعها الأخلاق والقيم وهي مهدرة للوقت بمجرد الانتقال من مكان لآخر فيها، ووفق عادة قوم الأعالي من الذين يحلوا لهم النصب والاحتيال مستغلين مناصبهم ووظائفهم، يتحول هؤلاء قدوة لسكانها ويصبح قضاء المصالح والتربح مرهونا بالالتزام بقواعد لعبة القوم إياهم... وبالمعنى المباشر؛ الرشوة والفساد، ومن ثم الاستغراق في التخلف والانحلال الاجتماعي.
 
ونظرة عندنا، ماضيا وحاضرا!
 
الأمم المتحدة في سنوات الخمسين من القرن الماضي، قامت بدراسة عن إمكانيات التنمية والتخطيط، وقد لفت نظري منذ ذلك الحين، إشارة واضحة توصي بعدم تشجيع بناء المدن الكبرى في ليبيا الداخلة حديثا في مجتمع الدول المستقلة، وكان السبب المٌورد هو شحّ المياه وغياب إمكانيات تمويل البنية التحتية المتطلبة وكانت الدراسة توصي بمدن لا يتجاوز سكانها المائتي الألف أو ما يقارب على طول الشريط الساحلي مع اهتمام نوعي بالجنوب والعناية بطبيعة الحياة فيه.
 
لم تكن لدينا مدينة كبرى بالمفهوم الحديث و قياساته، طرابلس كانت رشيقة أنيقة فلقد بذل فيها المستعمر الإيطالي الجهد العظيم لتكون عاصمة المستعمرة، بنغازي وبقية مدن الشرق كانت مدمرة بفعل الحرب، الجنوب كان يعيش حالة يرثى لها، المال لإعادة الإعمار كان عسير، البلاد كانت تعيش بالكاد على إعانات أجنبية، ثم أتى النفط!
 
في البداية كان الانتعاش بفضل شركات البترول الأجنبية وما وفرته من فرص عمل، العاصمة كانت منذ البداية تتبادل عليها بنغازي وطرابلس كل سنتين، ثم قر القرار بإنشاء مدينة البيضاء بمنطقة الجبل الأخضر لتكون هي العاصمة، وبعد الثورة حدثت طفرة في أسعار النفط وانطلقت مشاريع التنمية الضخمة ونالت كل منطقة نصيبا، وكان النبراس العدالة الجغرافية بمعنى أن تحظى كل منطقة في ليبيا بنصيب من أموال التنمية والمشاريع.
 
طرابلس، عاصمتنا غصبا عنها!
 
لم تعلن لدينا عاصمة إلى هذا اليوم، وإن كان الواقع يوحي بأن العاصمة هي طرابلس، في فترة ما أعيد إنشاء مدينة سرت لتكون هي العاصمة لوسطيتها الجغرافية، ولسبب أو لآخر لم يحدث هذا بعد، قبل ذلك رأينا مدينة جديدة تظهر بين كثبان الصحراء عند واحة "الجفرة" وكان من المفترض أن تنتقل إليها الحكومة وأجهزتها، وجرى الحال كذلك إلى حين، ولكن بعد الشقة ووعثاء السفر و"سخونة" الجو لم يتعود عليه السادة الوزراء وكبار الموظفين فكان الرجوع إلى طرابلس.
 
طرابلس منذ ذلك الحين صارت مركز الثقل في ليبيا، ليس بسبب عقلاني تمليه ظروف معينة، ولكن وبكل بساطة، السادة الوزراء المسؤولين عن مشاريع التنمية وإنشاء المؤسسات، طاب لهم المقام في "العاصمة" التي اتخذوها، وبطبيعة الحال نوعية "قوم العلياء" لدينا لا يهمهم كثيرا الوطن ونواحيه ولا يملكون رؤية شمولية له ولسكانه، ويشهد بذلك سجل ما أنجزوه في الوطن بكلفة جد عالية، فلقد كانت المشاريع تخرج ويتم تنفيذها في طرابلس ونواحيها وكان أن تضخمت المدينة واتسعت وأصبحت مدينة أنموذجي لمدن العالم الثالث العشوائية عقيمة التخطيط معطلة الصيانة وحاقت بها كل المثالب التي تحدثنا عنها أعلاه.
 
صارت مركزا للنفوذ، ليس نفوذ الدولة على البلاد لصلاحه، ولكن مركزا متعدد البؤر لذوي الصلاحيات من كافة الأصناف والتوصيفات والكوادر، لا ينشدون إلا صلاح حال أنفسهم وخزائنهم، وبالطبع هنالك دائما من يجاري ويسهل لهم الصفقات مقابل المشاركة في المرابحات! .. الخليج العربي يتكرر عندنا!
 
والنتيجة ؟
 
• تولّد ثقافة جديدة، بمعنى ثقافة المدينة التي تفتح فيها الخزائن، ينفق منها الضئيل على البلاد والباقي في "غير محل"، لم نشاهد أبدا أحدا من الوزارء، أو رئيسهم الوزير (الطبيب) الأول كما يقول إخوتنا في تونس، يزور المناطق النائية التي تعاني من التخلف وانعدام فرص العمل والفقر وهزالة وضعف أداء المخولين بإدارة شؤونها، لم يذهب رئيس الوزراء، فيما نعلم، لزيارة درنة أو الكٌفرة أو مرزق، يفضل الرجل زيارات أكثر حبورا في بلاد ومدن أخرى، اللهم فيما عدا بعض الزيارات من باب "قلع الملامة" ورفع العتب!
 
• تدني المستوى في جيمع المجالات لكل المدن الليبية باسثناء طرابلس، ففي بنغازي على سبيل المثال، من بين 28 شركة نفطية وطنية، لا توجد إلا واحدة (شركة الخليح العربي)، مستشفياتها المتهالكة المتدنية المستوى تؤدي خدماتها لمنطقة شاسعة من حدود مدينة سرت إلى طبرق وجنوبا إلى "الكُفرة" نصف ليبيا تقريبا، بل حتى بعض المؤسسات التي توفر العمل لسكانها تم نقلها إلى طرابلس، على سبيل المثال فقط: في البدء الخطوط الجوية وأخيرا السوق المالية!، ويقال في البلاد أن أحد المسؤولين كان قد صرح برغبته في نقل المدينة الرياضية في بنغازي إلى مكان آخر!
 
• تقريبا لم يشيد شيء من المشاريع التنموية الضخمة في شرق وجنوب ليبيا، بل تكدس معظمها في طرابلس، فهي "أقرب" وأقل عجاجا! وبدل أن تكون ليبيا مزدهرة بمدن توفر العيش الكريم وفرص العمل لكل المواطنين بغض النظر عن منطقة عيشهم، وعندما تعم البطالة كل شيء يمكن أن يحدث؛ من التدهور الآخلاقي، إلى الفقر المنتشرالمتسع. ونشير هنا إلى الأحداث الدامية التي خرجت علينا وعلى غير توقع في منطقة الجبل الأخضر بشرق ليبيا في تسعينات القرن الماضي، من قبل ناشطين "إسلاميين" مسلحين، فلقد قامت الدولة بما رؤي في حينه من ضرورة القضاء على الحركة عسكريا وأمنيا، وحدث ذلك وانتهت، ولكن لم يسأل أحد عن السبب الفعلي لنشوء مثل هذه الحركة في بلادنا، لم يخطر على بال أحد أن السبب الرئيس كان الفقر والبطالة وأن الشباب عندما يفقدون الأمل في عمل أو تأهيل لعمل سيصبح مستمعا جيدا لمن يريد أن يحدثه عن حركة عنفية خصوصا عندما يقول له: انظر إلى سيارات القوم ومساكنهم ونمط حياتهم، إنها أموالك سرقوها منك! فلا غرابة إذن أن يستجيب البعض، فالدولة غير موجودة ولا يشعر بها ولا تلبي حاجاته ... إنها في طرابلس!
 
• نحن لا ندين ولا نطعن في طرابلس المدينة الجميلة الوادعة وسكانها، فهم من أفضل وأكرم القوم، وأنا على ذلك شهيد، فهم أيضا يعانون مما يحدث في مدينتهم واعوجاج مسيرتها وصعوبة العيش فيها، ولكن الحديث عن طرابلس "العاصمة" التي اصطنعها السادة الوزراء وكبار المتنفذين من الذين لا يطيب لهم مقام إلا فيها، وحولوها إلى مدينة عالم ثالث نمطية"كبرى" عالية التكلفة مرهقة وبشعة الإخراج، وحدث فيها كل ما نخشاه وما لم يحدث، فهو قاب قوسين أو أدنى!
 
• عندما نسأل المسؤولين عن لماذا المشاريع الجديدة، بل وحتى الشركات الجديدة والمؤسسات لا يتم توزيعها بالعدالة الجغرافية؟ يتذرعون بأن لا يوجد في بنغازي أو درنه أو مرزق أو سبها، البنية التحتية وإمكانيات استقبال الشركات الوطنية أو الأجنبية، أو الندوات والمحافل، حسنا، ومن المسؤول عن ذلك أصلا؟
• تولد الشعور بالاضطهاد والظلم بل وحتى بعنصرية جهوية مقيتة لدى البعض وأن "العاصمة" تأخذ كل شيء منهم، وهذا غير صحيح فالذي يأخذ منهم ليست العاصمة المرغمة على أن تكون ذلك، بل من يقبع فيها من جماعات النفاق والنهب المنظم!
 
العلاج المقترح للظاهرة
 
لا يزال متسع من الوقت ولا تزال بعض الموارد متوفرة، يجب إعادة النظر في مفهوم المدن في ليبيا والحد من نموها العشوائي عن طريق بناء مدن أخرى وتطوير المدى الصغرى على أساس أننا نعيش في وطن واحد هو كله لنا جميعا، وأن موراده لنا كلنا، يجب التخلص من مفهوم "مركزية" سلطة اتخاذ القرار ومن تطبيقاته المؤذية لكافة سكان الوطن.
 
ليبيا أيها السادة، على الرغم من كبر حجمها على الخريطة، في واقع الأمر ليست سوى شريط ساحلي بطول يناهز الألفي كيلومتر وبعمق لا يتجاوز الخمسين، يعني "بلد طولي"، ويعيش 90% من سكانها ضمن هذا الشريط، فمن العدل أن يتوزع الإنماء والتطوير بعدالة، وسيتأتى من ذلك استقرار أكثر ورخاء أعم والفائز من مثل هذا المفهوم، ستكون طرابلس ذاتها، فسيخف العناء فيها وتأخذ الحجم الطبيعي. ويجب بذل العناية التنموية الخاصة بالجنوب المحروم تقريبا من كل شيء، فهو ظهر الوطن ودرعه والمشرف على حدوده التي أصبحت لك مهرّب وهارب!
 
العاصمة السياسية للبلاد يجب أن تكون في مدينة صغيرة لا يزيد عدد سكانها عن مائة ألف، فتكتسب أهميتها بكونها عاصمة وليس لها من حاجة لمشاريع ضخمة تشق عنان السماء، وإذا كان لنا أن نزهو أن نباهي الأمم، فليكن ذلك بالنجاح في الرقي بمستوى معيشة المواطن وتنمية قدراته، فمواطن سعيد، هو المفخرة الأولى لأي دولة تريد أن تتباهى...
 
ramadanjarbou@yahoo.com
 
* سبق نشر المقال أيضا بصحيفة  القدس العربي بتاريخ 2/01/2009

 

 

Celi Bate: مقال جيد وموضوع يحتاج الى انتباه. أحببت ان اضيف ان في كثير من الدول ذات النظرة غير التقليدية يفرق بين العاصمة السياسية، والعاصمة الاقتصادية، والعاصمة الصناعية، او حتى السياحية او الزراعية. وهناك امثلة لذلك منها ماليزيا والولايات المختلفة للويلات المتحدة. ولعل ليبيا تحتاج الى تحديث كبير في جوانب كثيرة منها اضافة الى مفهوم تخطيط المدن.
 
للتعليق على المقال
الإسم:
العنوان الإلكتروني:
التعليق