01/07/2009
 

 
نشأة التيارات والأحزاب السياسية فى ليبيا (1) تنظيم حركة الإخوان المسلمين 
(من محتويات كتاب "التاريخ السياسى ومستقبل المجتمع المدنى فى ليبيا")

 
 
بقلم: ابراهيم عميش
 
مــدخــل
 
إذا كانت حركة التحرر الوطني قد استجابت فى مرحلة ما قبل الاستقلال في ليبيا؛ بالدرجة الأولى لمتطلبات المرحلة التحررية في مواجهة الاحتلال ومقاومته، وكانت في مُجملها ، صناعة ليبية متأثرة بالتطور الفكري والسياسي والديني والقومي؛ وكانت لها الغلبة فيما استجابت له المعطيات السياسية أو رفضته… أي فيما حققته حركة التحرر الوطني الليبي عبر تاريخها الساعي إلى تحقيق الاستقلال وقيام الدولة ؛ فأنها ستبقى تجربة تاريخية يجوز البناء عليها سياسياً وثقافياً واجتماعياً، وهي جديرة في عالمنا العربي بالدراسة والاهتمام.
 
ولما كان التاريخ الوطني للشعوب يرتبط في جدليته التفاعلية بسلسلة متتابعة، فكرية وسياسية و اجتماعية - وإن تعرضت لمحاولات التفكيك وتجريم تواصله… فإن ذاكرة الشعوب تستحضره في حالات الفراغ السياسي واشتداد حالات القمع الذي يرفض الأخر، خاصة… عندما يكون الأخر شعباً في وطن يحاسب فيه الإنسان على إنتمائه الفكري والعقيدي، وعلى ما يدور في عقله.
 
ولابد لنا ونحن نعيد قراءة التاريخ السياسي، بعد إعلان استقلال ليبيا وقيام الدولة "المملكة الليبية" من أن نستطلع الواقع الفكري؛ السياسي والاجتماعي في العلاقات القائمة بين الطبقات والقوى الاجتماعية والأيديولوجيات السائدة؛ لفهم طبيعة ونشأة الأحزاب والتيارات السياسية، ومن ثم أهدافها وبرامجها وأساليب العمل السياسي الذي اختارته ورأت ملاءمته للمرحلة وشروطها.
 
ولما كان نشاط و دور التيارات والأحزاب السياسية قبل الاستقلال في ليبيا قد تميز بالنضال الوطني التحرري المقاوم للاحتلال والرافض للاستعمار والمُطالب بوحدة البلاد واستقلالها في إجماع وطني عام؛ فإن مرحلة ما بعد الاستقلال قد تميزت بالنضال السياسي من أجل تحقيق كامل التحرر الوطني الديمقراطي في مواجهة الهيمنة الدولية على ليبيا في ثوبها الجديد، وإحتكار الملك إدريس السنوسي وإدارته التاريخية العتيقة للسلطة في البلاد بأسلوب وسياسات كانت قد تجاوزتها المرحلة ومعطياتها… وبحسابات تقليدية خاطئة في فهم الخارطة الجيوسياسية الدولية فيما بعد الحرب العالمية الثانية؛ وتمركز القوى في مناطق نفوذ كل منها، وفيما بعد نشوب الحرب الباردة فيما بينها، وأثارتها في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وعلى امتداد ساحل البحر الأبيض المتوسط … ومع نشوء وقيام دولة إسرائيل في فلسطين، فالملك إدريس السنوسي بشخصيته الأبوية الدينية لدى قبائل وعشائر البلاد المتأثرة فكرياً واجتماعياً بالحركة السنوسية؛ كان قد حقق استقلال البلاد بإتفاقات وعهود أبرمها مع القوى الدولية صاحبة السلطة والنفوذ والامتيازات في المنطقة، وأعتبر ذلك إنجازاً وطنياً حققته حكمة إدريس ودهاؤه وفهمه للعبة وموازين القوى آنذاك؛ ولم ينكر إدريس السنوسي إعجابه بالدولة البريطانية العظمى التي لا تغيب الشمس عن مناطق نفوذها وسطوتها في ذلك الوقت، وقد كان غيره الكثير من قادة العمل السياسي في البلاد العربية يعلن هذا الموقف وانحيازه للسياسية البريطانية، كما أن ذلك كان شرطاً بريطانياً لتحقيق استقلال البلاد وقّعه الأمير إدريس في لندن سنة 1949م…
 
وحين وصل السيد "أدريان بلت" مندوب الأمين العام للأمم المتحدة إلى ليبيا لاتخاذ الإجراءات الكفيلة بتأهيل البلاد لتطبيق قرار الأمم المتحدة بنقل السلطة وإعلان استقلال ليبيا ؛تقدمت الحكومة البريطانية بصورة من اتفاق لندن المُوقّع بالحروف الأولى بينها وبين الأمير إدريس السنوسي في شأن مستقبل البلاد ؛ ليكون المندوب الأممي على بينة، ويكون لهذا الاتفاق وزنه الدولي عند وضع أُسس الاستقلال وتسيير إجراءاته و نظمه الدستورية، غير أن مندوب الأمم المتحدة السيد "بلت" لم يعترف بهذا الاتفاق، واعتبره مُخالفاً لقرارات الأمم المتحدة، ولأن ذلك كان شرطاً بريطانياً ووعداً أميرياً؛ فقد وقّعت حكومة المملكة الليبية المتحدة في 29 يوليو - تموز سنة 1953 م على معاهدة أثارت تخوفاً إقليمياً، وكانت المدخل لنشوء مُعارضة وطنية ليبية لسياسات حكومات المملكة وارتباطاتها العائقة لتحقيق التحرر الوطني الديمقراطي الكامل، وزاد الأمر خوفاً بعد توقيع معاهدة ليبية - أمريكية تستأجر بموجبها القوات الأمريكية قاعدة "هويلس" بعد أن كانت تحتلها من الباطن الإنجليزي.
 
* * *
 
لم يستطع الملك إدريس السنوسي مواكبة ما يحدث من تطور سياسي واجتماعي، ولم يكن يعتقد أن هناك مُستجدات تستوجب التحول السياسي؛ بقدر ما كان يعتقد أن ذلك الارتباط هو المخرج الوحيد من الفقر وانعدام مقومات النهوض الاقتصادي والاجتماعي الذي تعانيه البلاد، وحاجتها إلى المساعدات المادية لتحقيق استقرار الدولة و حمايتها. وبحسب دستور البلاد، فإن الملك كان يملك ولا يحكم، فهو يملك التكليف بتشكيل الحكومة، ويملك إقالتها… وقد توالت على إدارة شئون البلاد منذ سنة 1951م إلى 1969م أحد عشرة وزارة، كان يختار في كل مرة شخصية سياسية تتولى تشكيل الحكومة دون أن تقدم برنامجاً سياسياً واقتصادياً واجتماعياً متكاملاً يعكس متطلبات المرحلة؛ بقدر ما كان يأتي التغيير في أعقاب أزمة سياسية محلية تعصف بالبلاد والحكومة. ولم يكن النظام في عمومه مواكباً للتطور الفكري والسياسي والاجتماعي، ولم يكن هناك تفاعل مع الأحداث في المنطقة العربية بما تستجيب له تطلعات الشعب الليبي في زمن الصعود القومي وسطوته، وقد خلا الخطاب السياسي لمجمل الحكومات المتعاقبة من برامج تُشبع الطموحات الوطنية للقوى السياسية الصاعدة في البلاد.
 
ولما كان الدستور الليبي يحظر قيام الأحزاب والتنظيمات السياسية؛ فإن الانتماءات الفكرية والسياسية المعارضة كانت واضحة بمعالمها وألوانها وفي الشارع الليبي وعلى صفحات الجرائد اليومية والإصدارات الدورية، وداخل البرلمان وفي برامج وسياسيات المرشحين لعضويته… وكان الشعب الليبي في عمومه مُتميز بانتماءاته الدينية والقومية، ومتفاعل مع قضايا العروبة والإسلام الساخنة في مصر وفلسطين وفي سوريا والعراق واليمن وفي الجزائر، وكانت في ليبيا قيادات إقليمية لفروع أحزاب سياسية قومية ودينية بكل ألوانها وإنحيازاتها؛ اليمينية واليسارية، المتشددة منها والمعتدلة، وكانت هذه التيارات والأحزاب بحسب تسلسل تاريخ نشأتها؛ تضطلع في ليبيا بدورها الوطني وبمعارضة الحكومة، وإلى جانب أهداف وإستراتيجيات الحزب التي تتبناها القيادة القومية أو المرجعية الدينية، وقد كان لهذه الأحزاب والحركات السياسية صداها في الشارع الليبي ودورها الفاعل في النقابات والاتحادات العمالية والطالبية، وفي المنتديات الثقافية والنوادي الرياضية والاجتماعية، فكان تنظيم جماعة الأخوان المسلمين، وكان حزب البعث العربي الاشتراكي، وكانت حركة القوميين العرب قبل و بعد النكسة بيمينها القومي ويسارها الماركسي، وكان حزب التحرير الإسلامي إلى جانب الجماعات المُستقلة بألوانها الفكرية المتعددة من أقصى اليسار التقدمي الاشتراكي إلى أقصى اليمين الليبرالي الديمقراطي.
 
* * *
 
تنظيم حركة الأخوان المسلمين
 
إذا كان تناول تنظيم "حركة الأخوان المسلمين" بالبحث ودراسة وتاريخ النشأة وتطور معطيات مراحلها؛ في الكثير من البلاد العربية والإسلامية لا يحتاج إلى كثير عناء؛ فإن بلد المنشأ "مصر" حيث وُلِدت، ومنها انطلقت كفكر وعقيدة ومنهج إلى مشرق ومغرب المنطقة العربية والإسلامية؛ وقد أغنت بزخمها ومنطلقاتها الساحة الفكرية والسياسية على امتداد العالمين؛ العربي والإسلامي منذ أسس مدرستها الفكرية - التنظيمية الأولى الإمام الشهيد حسن عبد الرحمن البنا سنة 1928 م لتصبح برصيدها الديني - الثقافي والسياسي من أغنى حركات الإسلام السياسي منذ غروب دولة الخلافة الإسلامية وولدت من رحمها تيارات عديدة للإسلام السياسي المعاصر بمواقعه وتصنيفاته المحافظة فيها والمتشددة؛ فقد لعب المكان دوره المحوري الذي أناطه الزمان به لتملأ فيه ومنه حركة الأخوان المسلمين الفراغ الفكري والسياسي، وتعّزي به الأمة العربية في مصاباتها التي تلاحقت عليها منذ صدر "وعد بلفور" من وزير خارجية بريطانيا العُظمى آنذاك اللورد "آرثر بلفور" إلى زعيم اليهود الإنجليز وراعي المنظمة الصهيونية اللورد "جيمس روتشيلد" بتاريخ 2 نوفمبر- تشرين الثاني سنة 1917 م والذي قرّه مجلس الوزراء بنصه التالي:
 
(إن حكومة صاحب الجلالة تنظر بالعطف إلى إنشاء وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين. وسوف تبذل قصارى جهدها لتسهيل تحقيق هذا الهدف. ومن المفهوم أن هذا الإعلان لا يمثل تحيزاً ضد الحقوق المدنية والدينية لطوائف غير يهودية موجودة في فلسطين. كما أنه لا يؤثر على الأوضاع القانونية أو السياسية التي يتمتع بها اليهود في البلاد الأخرى. وسأكون شاكراً لكم إذا تفضلتم وأبلغتم هذا الإعلان لعلم الاتحاد الصهيوني.)
 
المخلص
آثر بلفور
 
لم تتنكر في البدايات الأولى حركة الأخوان المسلمين للبعد القومي العربي في استراتيجيات نضالها على طريق الإسلام السياسي، وكان لذلك معطياته التي شكلت على امتداد تطورها الفكري والتنظيمي؛ أحد أهم مرجعيات التشريع السياسي لقوى الصراع الإقليمي والإقليمي الدولي في زمن الانكسار العربي.. لتصبح في وقت من الأوقات من أهم عناصر (التشريع الثوري) لتغيير أنظمة الحكم… أو لدعمها، تحت غطاء الدين ومظلة العروبة، وبقدر ما أزعجت حركة "الأخوان" أنظمة وحكومات؛ بقدر ما ركنت إليها واستخدمتها ثورات العسكر وحكومات الاستبداد من بعد تحولها من حركة دعوية إلى حركة سياسية بعد عشر سنوات من تأسيسها، عندما أعلن المُرشد العام ، مؤسسها الشيخ حسن البنا سنة 1938م على صفحات العدد الأول من مجلة "النذير": (… أن الجماعة ستنتقل من دعوة الكلام وحده إلى دعوة الكلام المصحوب بالنضال والأعمال …).
 
و في إطار التأريخ لتنظيم جماعة الإخوان المسلمين في مصر؛ يصف الأستاذ محمد صلاح الفترة بين 1939م و سنة 1949م بأنها، (من أخطر المراحل في تاريخ الأخوان؛ إذ شهدت استكمال البنى التنظيمية داخل مصر وخارجها و بداية بروز الدور السياسي للجماعة بدءاً من المؤتمر السياسي الذي عُقد في كانون الثاني - يناير 1939م و تحقيق الانتشار الواسع للجماعة و إنشاء "النظام الخاص" وصولاً إلى الجناح العسكري السري… إذ نفذ الجهاز بعض عمليات العنف و إغتال القاضي "أحمد الخزندار" في آذار – مارس 1948م لإصداره أحكاماً ضد أعضاء في الجماعة ضٌبطت و في حوزتهم متفجرات؛ وهو الحادث الذي دفع برئيس الوزراء آنذاك "محمود فهمي النقراشي" إلى إصدار قرار حل الجماعة، وقبل أن تمضي فترة طويلة إغتال الجهاز الخاص النقراشي نفسه لتزداد دائرة الصراع بين الأخوان وأعدائهم .) …(1)
 
وفي 12 فبراير - شباط سنة 1949 م اُغتيل مؤسس حركة الأخوان المسلمين في مصر الإمام حسن البنا من جانب عناصر من البوليس السياسي ليكون الحصاد المُر للعنف المتبادل.
 
* * *
هيئة الدعوة الإسلامية فى ليبيا
 
رغم أن ليبيا من أول البلاد العربية التي انطلقت إليها جماعة الإخوان المسلمين بعد فلسطين و السودان في منتصف القرن الماضي؛ غير أن صعوبة البحث عن المصادر التي يمكن الركون إليها في التأريخ لتنظيم حركة الإخوان المسلمين ونشأته في ليبيا كان محفوفاً بالمصاعب والمتاعب؛ ذلك أن الأخوة فى جماعة الأخوان المسلمين الليبيين كانوا على حرص دائم في التكتم عن الحديث أو الإجابة عن تساؤلات تعني بشئون الجماعة وعلاقاتها؛ وقد يعتبرون من يتناول علاقاتهم التنظيمية أو مواقفهم السياسية التكتيكية منها أو المبدئية بالبحث والدراسة إنما ينقب عن شئ لا يعنيه، خاصةً وان الوقت يثير لديهم علامات الشك والتعجب حول أهمية ذلك في ظروف محلية ودولية تتربص وتتحالف فيها قوى عديدة للنيل منهم؛ وهي الحركة الدينية - السياسية؛ الإسلامية والدولية الغنية بتراثها الفكري والعقيدي. ودورها السياسي الذي لا يجوز إهماله أو القفز عليه. وقد كانت لهذه الأسباب وغيرها؛ الصعوبة في الحصول على وثائق أو إصدارات (تخص الفرع الإقليمي) توثق لنشأة ودور تنظيم حركة الأخوان المسلمين في ليبيا، وإن كانت من أغنى حركات الإسلام السياسي وأقدمها أثراً منذ ما قبل منتصف القرن الماضي في البلاد؛ فتنظيم حركة الأخوان المسلمين في ليبيا له جذوره منذ بدايات نشأتها الأولى في مصر على يد الداعية الإمام الشهيد حسن البنا ومنذ عاصر عدد من المهاجرين والطلبة الليبيين حركات الإصلاح الديني بين جنبات الأزهر الشريف وفي أروقته وعلى صفحات الإصدارات الدينية، فلم تكن نشأة الأخوان الأولى نشأة سرية أو يجرمها قانون، وقد كانت إفرازاً لواقع المجتمع العربي المسلم الباحث عن مخرج من أزمة إنهيار دولة الخلافة في الآسيتانة.
 
وحتى لا تكون هناك تصورات مفترضة فقد تجنبت أن أركن إلى معلوماتي الخاصة أو مشاهداتي ومعايشتي للجماعة داخل السجون والمعتقلات أو خارجها، وذلك بحكم الطبيعة الخاصة لمجتمعنا الليبي وعلاقاته، وحتى لا أنزلق في متاهات الإنشاء والتأليف.
 
وبالبحث والتنقيب فيما تيسّر لى من مٌطالعات صادفتني واقعة تاريخية أعتبرها هي المدخل والتاريخ لنشأة تنظيم (الأخوان) في ليبيا؛ و قد كانت مبتورة في بعض جوانبها من حيث البيانات التفصيلية الخاصة بعناصرها… إلا أنني واصلت البحث عن وثائق كانت كفيلة بتكملة الواقعة ووقائع أخرى، ليكون المدخل لتاريخ نشأة تنظيم حركة الإخوان المسلمين في ليبيا. ففي (الفاتح) من شهر يونيو - حزيران 1949م وعندما أعلن الأمير إدريس السنوسي من قصر المنار في بنغازي استقلال برقة ؛ ألقى الحاكم العسكري البريطاني للإقليم ( السيد دي كاندول ) كلمة أكد فيها إعتراف بلاده بالأمير إدريس السنوسي رئيساً للحكومة المحلية في برقة وأعتذر عن عدم إمكان تسليم السلطة للأمير إلا فيما بعد زيارته للندن التي حدد لها يوم 9 يوليو - تموز القادم، وكانت قد سبقت ذلك التاريخ حادثة تجاوزت أبعادها نطاق السياسة المحلية كما يقول دي كاندول: (... في ذات يوم من أوائل يوليو - قبل سفر الأمير إدريس بأقل من أسبوع - و بينما كنت في إحدى زياراتي المعتادة للأمير ؛ أخبرني بأنه في مساء اليوم السابق سمع طرقاً على النافذة ... فلما أستوضح الأمر.. وجد ثلاثة شبان غرباء يطلبون مقابلته بصورة مُلحه: وحين دخلوا عليه قالوا أنهم لاجئون من مصر بعد ما أُتهموا -زوراً- بالاشتراك فى جريمة اغتيال النقراشى باشا...)... وهنا يُهمش مترجم كتاب دى كاندول التعريف بالشبان الثلاثة بأنهم (كانوا من جماعة الإخوان المسلمين في مصر)(2) ، دون أن يذكر أسماء هؤلاء الثلاثة، إلا أنى وجدت في وثيقة أخرى تعريفاً لهم وتأكيداً للواقعة؛ يقول: (بدأ نشاط الأخوان المسلمين بالظهور في ليبيا منذ عام 1949م عندما لجأ إليها ثلاثة من الأخوان المصريين هم: "عز الدين إبراهيم و محمود يونس الشربيني وجلال الدين إبراهيم سعده" حيث قاموا بالتمهيد للحركة ببث الدعوة لها بين صفوف الشعب الليبي، وقد ساعدهم في ذلك عُمر باشا الكيخيا الذي كان يعمل حينئذ رئيساً لديوان الأمير إدريس السنوسي واستطاعوا أن يكوّنوا أول شعبة للإخوان في ليبيا تحت اسم: "هيئة الدعوة الإسلامية") (3)
 
وإسترسالاً لما ترتب على هذه الواقعة يُكمل دي كاندول على لسان إدريس السنوسي له: (… لقد استجاروا بي متوسلين بإسم الواجب الإسلامي، ولم أجد بداً من إجابة طلبهم… لقد أجرتهم وأمرت بإسكانهم في قصر المنار...)... ويكمل دي كاندول: (... قلت للأمير إدريس بصراحة إن هذا التصرف يضعني في موقف حرج إذ أنني ما زلت مسئولاً عن الأمن العام و العلاقات الخارجية، فأصر الأمير على أنه لا يملك إلا أن يجير من يلجأ إلى حماه…)… ويضيف الحاكم العسكري البريطاني دي كاندول في كتابه: (… وحين رجعت إلى بنغازي علمت أن اثنين من كبار ضباط الشرطة المصرية قد وصلا من القاهرة جواً في مطاردة الرجال الثلاثة بعد ما تم إقتفاء أثرهم إلى حدود برقة، وكان من الغريب أننا لم نتلق أي معلومات عن الموضوع من القنصلية المصرية وبالتالي لم يكن بوسعي أن افعل شيئاً أكثر من رفع تقرير إلى الحكومة البريطانية، وبطبيعة الحال أخفقت عملية البحث عن الأشخاص الثلاثة وعاد الضابطان المصريان إلى القاهرة…)(4)
 
وقبل أن أُكمل الجانب الأمني والسياسي الذي تناوله دي كاندول؛ عما ترتب على هذه الواقعة التي تؤرخ لنشأة فرع حركة الإخوان المسلمين في ليبيا؛ تجب الإشارة إلى دلالة لجوء الإخوان الثلاث إلى الأمير إدريس السنوسي، ثم دلالة الموقف الذي اتخذه الأمير حيالهم رغم ما يمكن أن يترتب على ذلك من سوء علاقته بالحكومة المصرية آنذاك… فمما لا شك فيه أن إختيار الإخوان اللجوء إلى الأمير إدريس شخصياً يشير إلى معرفة مُسبقة بالحركة السنوسية بإعتبارها حركة إصلاح ديني؛ ووجوب التزام الأمير بتطبيق مبادئ الشريعة الإسلامية في إجارة المستجير وتأمين المُستأمِن، ثم أن موقف الأمير يشير بطرف بارز إلى تعاطفه معهم؛ بتأكيده للحاكم العسكري البريطاني بأنهم اتهموا (زوراً)… وقد يكون مرد ذلك موقف سياسي من حكومة النقراشي باشا، وبالـتأكيد أن الالتزام الأدبي والأخلاقي والديني تجاه جماعة الإخوان المسلمين "المصرية" كان الأكثر تأثيراً على الأمير.
 
ولم تنته واقعة لجوء الأخوان المسلمين الثلاثة عند هذا الحد… بل يُكمل الحاكم العسكري البريطاني روايته واصفاً رد فعل الحكومة المصرية فيقول: (... وسرعان ما جاء الرد المصري على تصرف الأمير … ففي اليوم التالي مباشرةً أًغلقت الحدود المصرية مع برقة كما أُلقي القبض على اثنين من الشخصيات السنوسية البارزة كانا يزوران مصر، وبعد ذلك طلبت الحكومة المصرية من حكومة بريطانيا تسليم الفارين رسميا، ولم أجد رداً مناسباً غير الإشارة إلى فروض الإسلام، تاركاً للسفارة البريطانية بالقاهرة أن تُجادل السُلطات المصرية كما تشاء)… ويختم دي كاندول بقوله: (... وهكذا فأن أول إجراء اتخذه الأمير بعد الاعتراف الرسمي به أقحمه في صدام مع الحكومة المصرية … وكان رأيي الشخصي أن نُسلّم الرجال المطلوبين… ولكن الأمير إدريس ظل متشبثاً بموقفه."(5)
 
* * *
 
ولم يكن الخطاب السياسي الديني لجماعة الإخوان المسلمين في ليبيا يلقى صعوبة لدى سكان ليبيا لسببين:
 
• أولاً: إن أكثر من 98% من سكان ليبيا مسلمون ويتبعون مذهب الأمام مالك.
 
• ثانياً: إن جماعة الإخوان لم تكن من أهدافهم آنذاك بناء تنظيم سياسي؛ له برنامجه السرّي للإطاحة بالنظام الملكي في ليبيا، وقد كانت هناك شخصيات اجتماعية ورموز وطنية معروفة ؛ يُشار إليها بالبنان؛ أن هذا من جماعة الإخوان المسلمين، وكانوا يُوصفون بالصفوة الصالحة… ولم تكن قامت ثورة عبد الناصر بعد.
 
و قد تمثلت علاقة الحركة الوطنية السياسية الليبية و فهمها لمنطلقات الخطاب السياسي – الديني لجماعة الإخوان المسلمين في المقال الذي نشرته جريدة "الوطن " لسان حال جمعية " عمر المختار " في برقة بتاريخ 15 فبراير سنة 1949م و قبل وصول الإخوان الثلاثة إلى ليبيا و طلب اللجوء بخمسة أشهر؛ تنعى فيه مقتل الإمام حسن البنا كما تنعى النقراشي باشا في نفس المقال ، الذي جاء فيه: (بالأمس القريب فُجع العالم العربي بمصرع المغفور له دولة النقراشي باشا، وها هو اليوم يُفجع العالم الإسلامي بمصرع فضيلة المرشد الكبير حسن البنا، رجلان كلاهما مصري لا نشك في إخلاصه للعروبة والإسلام عامة، وللكنانة خاصة وإن اختلفت وجهات نظرهما و تباينت سُبل عملهما للصالح العام، ولكننا فقدناهما في أحرج الأوقات وعلى أسوأ الحالات، مهلاً يا شباب الكنانة وانتم أملنا المُرتقب لتكونوا أئمة الشعوب العربية والإسلامية في المُستقبل. مهلاً… فقد هدمتم بقتل النقراشي ركناً وطنياً عُرف بالنزاهة و الإخلاص، ولقد هدمتم بقتل حسن البنا صرحاً دينياً عماده التقوى والقوة.
 
ونحن لا يسمح لنا الموقف؛ و لعدة اعتبارات أن نبحث الأسباب الدافعة إلى الحادثتين الأليمتين وهي لا شك متضاربة لا متقاربة، إلا أننا نسمح لأنفسنا أن ننظر إلى الواقع على ضوء الحالة التعسة التي يعانيها العرب هذه الآونة… فنتساءل ؛ أّمن المصلحة أن يُقتل النقراشي الذي تحدى الإنجليز ورفض مفاوضتهم وإن أخذ عليه تكتمه وتريثه، أو أن يُصرع حسن البنا الذي أعد جيلاً مؤمناً بالدين على حقيقته… مستعداً للوطن بقوته وإن تطرف من اتباعه من تطرف. نناشدكم الله و الضمير يا فتيان مصر أن لا تتخذوا القتل وسيلة لإصلاح لقيادتكم…(6) "واتقوا فتنة لا تُصيبنّ الذين ظلموا منكم خاصة" (الأنفال. الآية: 25 )
 
* * *
 
إن ما تم التأريخ له و توثيقه الآن، لم يكن واضحاً آنذاك… وكان يُعتبر نشاطاً سرياً لإكتمال البناء التنظيمي لجماعة الإخوان المسلمين وإن كانت بداية التنظير الفكري للإسلام السياسي قد أوضحه الإمام البنا في رسالته إلى المؤتمر الخامس عندما أضاف النشاط السياسي إلى عمل الجماعة في شكل رسمي بقوله: (إن الإسلام نظام شامل متكامل بذاته وهو السبيل النهائي للحياة بكل جوانبها، وإن الإسلام قابل للتطبيق في كل مكان وزمان)(7)
 
ذلك هو المنهج الذي يتضمن برنامجاً جامعاً شاملاً؛ يرسي قواعد الفكر والعقيدة و يُعد للعلاقة بالأخر ويسعى لتحقيق التكامل بين الدين والدولة في إطار أحكام الشريعة الإسلامية والعودة إلى القرآن الكريم والحديث الشريف. في البدء رفض الإخوان المسلمون الحزبية السياسية ودانوها منذ بدايات التأسيس للحركة في مصر عندما أطلق الإمام حسن البنا مقولته المشهورة بأن "لا حزبية في الإسلام"... غير أن أية دراسة تتناول جماعات الإخوان سواء في بلد المنشأ "مصر" أو البلاد العربية والإسلامية الأخرى؛ لا يمكنها ان تتجاهل المسارات التاريخية للحياة السياسية في بلادها أو إنطباق المفاهيم والتعريفات العلمية للحزب السياسي على تنظيم حركة الإخوان المسلمين كقوة حزبية:
 
• فهو هيئة سياسية تدعو إلى إصلاح النظام في الداخل وتُشّرع بأصول حق الولاية للعلاقة بين الحاكم والمحكوم.
 
• وهو مؤسسة اقتصادية تدعو إلى تدبير المال وكسبه وإنفاقه بما و فيما أوجبه الله في كتابه الكريم وسُنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
 
• وكذلك هو منظمة اجتماعية تُمارس التطور والإصلاح بما يتفق ويُعزز ويؤكد الهوية و يذيب الفوارق بين الطبقات. (8)
 
* * *
 
إلتزمت جماعة الإخوان المسلمون فريضة الجهاد إذا ما توافرت شروطه المُوجبة له، وذلك ما كان صوغه في الخطاب الوطني لحركات التحرر في العالم الثالث وعُرف بــ "الكفاح المُسلح"، أو بالحق المشروع للمقاومة المسلحة، وهذا ما اضطلعت به جماعة الإخوان في مقاومة الاحتلال الإنجليزي في منطقة القناة، وفي فلسطين، وما رسّخ قواعده الوطنية في مصر وفي العالم العربي والإسلامي؛ وكان الواعز الديني والدافع الوطني الذي أكسبها ثقلاً سياسياً واجتماعياً دفع بالانقلابات العسكرية للتقرب منها والتودد للجماعة ليصبح الانقلاب العسكري "ثورة مُباركة"، فما من قائد أو ثوري انقلابي (طالب حكم وسلطة) جاء لهذه الأمة إلا وارتدى عباءة الإسلام ؛ حتى إذا ما تمكن من سلاح بقائه و انفراده بالسلطة جرّد الآخرين من كافة أسلحة الدفاع عن النفس؛ وخلع العباءة ليكتم بها الأنفاس ويخنق الرقاب، وذلك ما حدث في أول مواجهة وطلاق بائن بين الأخوان المسلمين في مصر وجمال عبد الناصر سنة 1954م، وقد تفاعلت في هذا العام (1954) الأحداث في كلا البلدين؛ وكان لتنظيم حركة الإخوان المسلمين باع في مصر وأثر في ليبيا.
 
ففي أعقاب حملة الإعتقالات و المطاردات التي استهدفت جماعة الإخوان في مصر وتوجيه التهمة لهم بتدبير محاولة اغتيال جمال عبد الناصر في مدينة الإسكندرية؛ تمكنت جماعة أخرى من الإفلات من الاعتقال؛ والهروب إلى ليبيا، واللحاق بإخوانهم الذين سبقوهم سنة 1949م، وقد لقوا الترحيب من الملك إدريس كعادته، الأمر الذي شجعهم على متابعة نشاطهم السياسي والتنظيمي بين أصدقائهم من الليبيين، وقد نجح هذا الفريق في تكوين أول شُعبة مُنظمة للإخوان المسلمين في ليبيا و مارسوا نشاطهم بصورة علنية حتى اليوم الخامس من شهر أكتوبر - تشرين أول من نفس العام؛ ( 1954م ) حيث وقعت أول عملية اغتيال سياسي؛ قام بها الشاب "الشريف محيي الدين السنوسي" ابن ابن عم الملك إدريس السنوسي؛ بإطلاق الرصاص على ناظر الخاصة الملكية "إبراهيم الشلحى"، الأمر الذي أثار الملك بفقدانه أقرب أصدقاءه ومساعديه والقائم على خدمته منذ سنة 1913م، وقد ترتب على هذا الحادث أمرين:
 
الأول: شرخ عميق في الأسرة السنوسية؛ وإصدار الملك لمرسوم يُحظر بموجبه على جميع أفراد العائلة السنوسية ممارسة السياسة وتقلّد الوظائف الحكومية العامة.
 
الثاني: صدور أمر يمنع جماعة الإخوان في ليبيا من ممارسة نشاطهم السياسي،  واتخذت بعض إجراءات "حاصرت" قيادته وبعض عناصره الليبية إثر شكوك في ثبوت علاقة للقاتل "الشريف محيي الدين السنوسي" بجماعة الإخوان المسلمين في ليبيا.
 
وقد حاولت حكومة الرئيس عبد الناصر في فترات مُتقطعة كثيرة؛ مُطالبة الحكومة الليبية تسليمها عناصر من جماعة الإخوان، وفي كل مرة يُعرض فيها الأمر على الملك إدريس، كان يرفض الطلب ويُحيل المسئولين في الحكومتين الليبية والمصرية إلى الحظر الدستوري الليبي الذي يمنع تسليم اللاجئين السياسيين، ولم ينحصر نشاط جماعة الإخوان المسلمين "العلني" في طباعة بعض الإصدارات (السياسية - الدينية) المحدودة ولكنها كانت تواصل نشاطها التنظيمي "المصري - الليبي"، فبمثل ما كانت ليبيا ملجأ ومأمناً للإخوان طيلة العشرين سنة (1949م - 1969م)؛ كانت بيئة سياسية واجتماعية حاضنة، وكانت مركزاً للتواصل وخط دفاع أول في مواجهة ما تعرضت له الحركة وما أصابها في مصر قبل "النكبة" وإلي أن بدأ الصعود المتنامي للتيار الإسلامي على خلفية انتكاسة التيار القومي بعد حرب يونيو - حزيران سنة 1967م، وإلى أن تكررت ذات اللعبة مرة اخرى في ليبيا، وقامت هدنة لم تستمر طويلاً مع العقيد مُعمر القذافي (1969م – 1973م).
 
إلى اللقاء فى الحلقة القادمة: (نشأة التيارات والأحزاب السياسية فى لييا)(2) حزب البعث العربى الاشتراكى.
 
إبراهيم عميـش
 

(1) راجع: مقال ( اإخوان المسلمون يسيرون بقوة الدفع الذاتى) الاستاذ محمد صلاح، صحيفة لحياة العدد14908 بتاريخ 20/1/2004م
(2) راجع : كتاب( الملك إدريس عاهل ليبيا – حياته وعصره) تى.أ.ف. دى كاندول، الناشر محمدعبده بن غلبون – لندن 1988م.
(3) عـن: تقرير خاص يتضمن رصدا لنشاط بعض الجماعات والأحزاب السياسية فى ليبيا، صادر القاهرة سنة 1964م.
(4) راجع: مصدر سابق
(5) راجع: مصدر سابق
(6) راجع: كتاب ( وثائق جمعية عمر المختار ) محمد بشير المغيربى، عن مؤسسة دار الهلال- القاهرة 1977م
(7) راجع : مصدر سابق
(8) راجع: كتاب (الأحزاب السياسية فى العالم الثالث) دكتور أسامه الغزالى حرب، صادر عن المجلس الوطنى للثقافة – الكويت 1987م
 
* * *

الحلقات السابقة

 
 
للتعليق على المقال
الإسم:
العنوان الإلكتروني:
التعليق