01/08/2009

إستطلاع حول ظاهرة قرصنة المواقع الإلكترونية
 
محمد علي الصريط  (جيل - بنغازي - 2009/07/31)

 
 
عندما يقف الإنسان ويصرخ بأعلى صوته فإنه لن يسمع إلا صراخه وعندما تصادر الأفكار والآراء فهي مرحلة متقدمة لسلب الروح من الجسد. كما أن التاريخ له بصمة واضحة تحمل في مضمونها قولا (لن تستطيعوا طمس الحقائق والأفكار والآراء).
 
مع هذه المقدمة التي ستكون مدخلاً لتسليط الضوء على ظاهرة لطالما وصفها الكثير من المفكرين بهلوسة النظم الدكتاتورية التي لا تسمع ولا ترى إلا صوتها وظلها الخافت وهي ظاهرة قرصنة واختراق المواقع الالكترونية وذلك من خلال استطلاع آراء بعض المفكرين والبحاث والكُتاب من داخل وخارج الوطن، حيث قال الباحث الأكاديمي الدكتور فتحي البعجة أن ثمة فارقا في اللغة وفي المضمون بين لفظي (القرصنة الفكرية) و(حجب الأفكار) فالقرصنة الفكرية تعني أساسا سرقة أو انتحال مؤلفات الآخرين وأفكارهم وابتكاراتهم واستخدامها بدون إذن من أصحابها أو الحصول على تراخيص أو موافقات قانونية وشرعية تسمح بذلك. أما حجب الأفكار فيعني أن يقوم شخص أو جماعة ما بإخفاء أو كتم أو طمس فكرة أو رأي أو اختراع أو عمل أو فعل ما يراد تقديمه أو إشهاره للناس.
 
 

وقد ألصق هذا المصطلح بالنظم الشمولية (التوتاليتارية) التي تريد أن تخفي الحقيقة أو تحجبها أو تخبئ حتى جانبا واحدا ومهما كانت التبريرات أو الدعاوى هي مسألة قهرية وتسلطية وديكتاتورية ذات علاقة مباشرة بتزوير وتزييف الوعي وتغييبه وذات علاقة بتمرير سياسات ممنهجة ومقصودة وفيها الكثير من التضليل ومثل هذه الممارسات تتصل أيضا بغياب أو ضعف أو السيطرة على حرية الصحافة وحرية الإبداع في نظم كثيرة باتت مستهجنة وكريهة وغير مقبولة لأنها قامعة للرأي الآخر وللفكرة الجديدة والجادة للتحديث والإبداع الفكري.
 
كما قال البعجة إنه في ظل زمن العولمة الذي نعيشه الآن يصبح من المضحك أن يمارس حجب الأفكار من قبل النظم السياسية أو الجماعات المهيمنة على السلطة في هذه النظم الشمولية التي تدس أنفها في كل شيء إذ إننا نعيش عصر انسياب عظيم وكبير ومتسع لأبعد حدود ليست فقط للمال والأفراد والبضائع بل للمعلومات والأفكار والإبداعات الفكرية والعلمية.
 
وقد وصف محاولات القرصنة وحجب الأفكار والآراء بالفاشلة معللاً ذلك إلى قوة وبراعة وعظمة (الشاشة الصغيرة) وارتباطها بالتطور العلمي والفضائي (الستالايت والانترنت..الخ). مردفاً أن الحقائق كما نعرف عنيدة لا يمكن إخفاؤها طول الزمن وليعلم من يقوم بمحاولات إخفاء أو تزويرها أو تزيفها أو طمسها أو كبتها انه لن يجني سوى مزيد من الفشل والانتكاس والاكتئاب والتخلف.
 
 

ومن جهته قال الاستاذ جمعة القماطي وهو باحث وكاتب ليبي إن ظاهرة القرصنة وتخريب المواقع الالكترونية تعكس عقلية بائسة متخلفة تصر على السباحة ضد التيار وتجاهل التحولات الكبرى التي مر ويمر بها العالم منذ سقوط جدار برلين إلى انبلاج ثورة تقنية المعلومات ووسائل الاتصالات الكونية والانسياب الحر للكلمة والمعلومة والمعرفة عامة. كما أن عصر الدولة البوليسية التي تفرض ستارا حديديا حول مواطنيها من أجل طمس الحقائق عنهم وتزييف وعيهم حتى يستمر التحكم فيهم وقيادتهم وفق أهواء منظومة حاكمة قد انتهى أيضا، وهذا العصر ربما لا يزال متمرسا في رمقه الأخير داخل منطقتنا العربية ولكنه قطعا إلى زوال! ولذلك فان هذه القوى الظلامية التي تمارس هذه القرصنة هم في واقع الأمر أعداء أنفسهم وأعداء الجهة التي يدّعون بخدمتها وحمايتها لأن ممارساتهم تأتي بنتائج عكسية وتزيد من موجة الغضب والاحتقان وتؤكد ما يقال دائما من أن السياسات السائدة هي سياسات استبدادية تقمع وتمنع الرأي الآخر وتصادر التفكير والتعبير الحر.
 
واعتبر القماطي أن قرصنة وتخريب المواقع الإعلامية سواء في الخارج أو الداخل تزيد من شهرتها ومصداقيتها وإقبال الناس عليها وهو ربما عكس ما أراده هؤلاء البائسون الذين وراء هذه الأعمال الصبيانية. وبدوره دعا المثقفين والمبدعين والنشطاء الإعلاميين داخل ليبيا أن يعبّروا عن آرائهم وإبداعاتهم الفكرية والثقافية والعلمية ويبرزوها من خلال الفضاءات الرحبة والمساحات الواسعة من الحرية المتوفرة في العشرات من المواقع الليبية في الخارج. وختم كلامه بقوله إننا لن نبني ليبيا المتطورة المزدهرة ونحقق تنمية شاملة مستدامة إلا بعد أن نوفر حرية التفكير والتعبير ونطلق العنان لخيالات الليبيين والليبيات في الإبداع المعرفي الذي ينتج انبعاثا حضاريا. وقد أتثبت التجربة أن أصحاب العقلية الإقصائية القمعية التي تحرص على إسكات ووأد كل صوت يخالفها من منطلقهم وفلسفتهم أنهم غير قادرين على بناء أي شىء ولا يجيدون إلا الهدم والقرصنة والتخريب وهم بذلك يعجّلون بزوالهم الحتمي.
 
 
وفي نفس السياق قال البروفسور عوض الحداد وهو باحث أكاديمي بجامعة قاريونس إن ظاهرة القرصنة واختراق المواقع الالكترونية تعتبر اعتداء من قبل أفراد أو جماعات أو منظمات أو دول على مواقع اكترونية معينة ذات توجه سياسي أو ديني أو فكري مختلف مع توجه هذه الدول أو المنظمات أو الجماعات والطوائف.
 
ويرى البروفسور أن القرصنة لها أنواع عدة منها قرصنة وممارسة الهيمنة على أفكار ورؤى أشخاص لهم توجه يختلف مع التوجه القائم في دولة ما. مضيفاً الحجب أو القرصنة هي محاولة تستخدم فيها الجهة التي ترغب في حجب الأفكار باستخدام التقنية وهذا يعتبر مرضا نفسيا لأن القائم بهذا التصرف مفلس فكرياً لا يستطيع المواجهة الديمقراطية السلمية والحوار الصحي الهادف فيلجأ إلى أسوأ وأوضع الأساليب القمعية. وختم حديثه بأن القرصنة أو اختراق المواقع الالكترونية تعتبر من أساليب القمع الحديثة التي تعتمد على التقنية ليس من أجل التنمية وإنما من أجل شرعنة معتقدات معينة.
 
 
واعتبرا الكاتب محمد سحيم القرصنة واختراق المواقع هي ليست قرصنة حقيقية إذا ما قدمت في حضرة قرصان محترم ولا تحسب كإنجاز لأي شخص يُقدم على فعلها.
 
واستطرد في حديثه أن إعطاب المواقع والتجسس على بيانات المستخدمين أمر متاح لكل من يملك سبيل الولوج إلى الإنترنت فعلوم التخريب والتجسس الرقمي سهلة وميسرة لمن أراد التخريب، على الجانب الآخر "بالنسبة للأطراف المتضررة" في الغالب لا يعني هذا الأمر -إن حدث- سوى ساعات عمل إضافية فالإجهاز على موقع نهائياً أمر شبه مستحيل. الأهم هو الأثر النفسي الناتج عن أي عملية قمع.
 
ويرى سحيم أن من يقدم على إعطاب محتويات مواقع تقدم "وجهة نظر سياسية" ليس مراهقاً يتنمر أو يعبث بل غريما سياسيا للأفكار المطروحة من خلال هذه المواقع وهو لا يثبت غير ضيق أفقه وقرب انقراض فصيلته المتسلطة، حق التعبير عن الرأي لم يعد بالإمكان سلبه من الناس. كما قال إن المضحك المبكي في الموضوع أن البعض يرى النصف المملوء في كوب فارغ ويعتبر أنه -تخريب المواقع- والتشويش على برامج معينة بثت عبر فضائيات عربية يظهر "تقدماً تقنياً" للجهة الفاعلة ونسي هؤلاء أو تناسوا أن الأموال وحدها تفعل أكثر وأكبر من ذلك، الحال المتردي لكافة القطاعات الحيوية في البلاد وفي قطاع التعليم بشكل خاص لا يدع مجالاً للتفاخر بل للدعوى إلى إعادة النظر في السياسات المتبعة للتجهيل وتكميم الأفواه وطرق نواقيس الخطر عند أذن من يهمه الأمر.
 
وفي تحليله يرى بأن المواقع التي تهاجم تستعيد عافيتها بعد أيام.. والنخب المثقفة التي تقمع تصبح أكثر حدة وأميل إلى الصدام منها إلى المسالمة، من يَقمع ومن يحجب ومن يخرب ويشوش يعكس أزمته الشخصية أولاً، ثورة الاتصالات والمعلوماتية جعلت سيف الجلاد يصدأ وصارت معها الحياة أكثر مدعاةً للتحرر من قيود العقود المنصرمة. الشعوب دائماً في موعدٍ مع الحرية. سينضجون أو يهلكهم الدهر.
 
وفي ختام هذا الاستطلاع يبقى الصراع بين أصحاب الرؤى والأفكار وبين الجهات المتنفذة التي تهيمن على السلطة والحكم قائم وهذا أمر طبيعي على أن يكون صراعا متحضرا يقبل كافة التوجهات والآراء دونما إقصاء أو تخوين من قبل أحد الطرفين. أما نحن في ليبيا فلازلنا ننتظر حركة القطار.
 
نقلا عن موقع "جيــل"
http://www.jeel-libya.net/show_article.php?id=16040&section=7
 
للتعليق على الموضوع
الإسم:
العنوان الإلكتروني:
التعليق