منتدى القراء

29 نوفمبر 2004


 

طـارق القـزيـري


*المرصد الوطني للكلمات الضائعة (3/4)

*الدولـة .... : القـامعة المقمـوعة.

 

في حديثنا عن الدولة ( ونعني فقط دولتنا في العالم الثالث) فإننا نستحضر ملاحظات ثلاث الأولى في طبيعة تأسسها ، والثانية في وظيفتها ، والثالثة في موقعها ورصيدها الإجتماعي.

  • التأسيس والتأسس :في الغرب تأسست الدولة عبر مخاض طويل ومع تزايد نمو ووعي الطبقة البرجوازية، أما لدينا فقد تأسست الدولة غالبا بعد الفراغ الذي أحدثه نهاية العصر الكولونيالي ( الإستعمار)، فلم يكن هناك مناص من ملء الشغور الحاصل نتيجة ذلك إلا بتكوين سلطة محلية، تخلف السلطة الأجنبية المحتلة، وعليه  لم يكن معنى الدولة الذي ترافق مع السلط التي قامت بعد الأستعمار، موجود قبل الأستعمار،وبالتالي فالدولة هي ثقافة إستعمارية أي أستجلبت من أداء المستعمر نفسه، وهي في الوعي الجمعي معارضة للتاريخ الأستعماري بحاضر مشابه ولكن محلي الشخصية، نريد دولتنا لادولة الأستعمار ، لاحظ حداثة مفهوم الجيش فلم يكن في المنطقة مفهوم الجيش الحديث قبل الأستعمار وبعده تم أنشاء الجيوش، وطبيعة الأقتصاد الذي كان محليا، زراعيا،مجزء غير شمولي، اصبح مطلوبا خضوعه لسياسة إقتصادية وطنية أرادها الأستعمار لمصلحتها الأمبريالية وأردناها لمصلحتنا الذاتية. بل حتى النمط الثقافي والتعليمي : بعد قيام الدولة يختلف عن ما لدينا قبل الأستعمار ، ولا يكفي هنا القول بتقدم ونمو مفاهيم الحداثة دون الإشارة إلى المحفز النفسي والمادي لهذا النمو والوعي فدولتنا هي وليدة المفاهيم الأستعمارية أي محاولة إستنساخ للدولة الأستعمارية .

  • في الوظيفة: وهذه تأسست على ماسبق فالأساس هو الذي صبغ الدولة بصبغته فتأمل مثلا شعار الحرية والأشتراكية والوحدة ( بإختلاف الترتيبات بحسب كل إيديولوجية ) هل تستطيع تخيل أي دور لهذه الشعارات أو رصيد نفسي وذهني دون الشعور والأحساس  بوطأة الرغبة في مخالفة الحقبة الأستعمارية . لقد ظلت إشكالية الأخر عقدتنا حتى عندما رحل. ألم يكن دأب الوطنيين دائما التحذير من الأرستقراطية والبرجوازية والمثقفين ( تللك البذرة التي زرعها الأستعمار قبل خروجه ...!!) . تأمل سياسات التأميم الشهيرة ألم يكن دافعها الأساسي إرجاع الخير لأهله وحرمان الأجنبي منها، هل يمكن أن تكون الثقافة التأميمية بكل هذا الزخم لولا الماضي الأستعماري. وهذه هي الخطورة إنه التأثير الخفي بدون أن يعي المتأثر به، فيظل ثأئرا منتشيا منتصرا مقررا لمستقبله كما يريد (أو يزعم أنه يريد). في بعض دولنا العربية تلاحقت مرحلتين (الليبرالية ثم دولة الثورة) وليبيا من هذه الدول . وهذا مايحيلنا للواقع الإجتماعي للدولة العربية الحديثة إبان الظهور والتأسيس.

  • الدولة والمجتمع : قيام الدولة لدينا لم يحل الإشكال، فهي عندما ولدت لم يلق مشروعها القبول الكامل بل لعله لم يلقى القبول أصلا. فمحاولة الدولة مفارقة الأثر الأستعماري جعلها تقع تحت المطالبة بأن تكون أقوى منه وأفضل . هذا من جهة ومن جهة أخرى فقد كان تنامي الطبقة الوسطى والبرجوازية الصـغيرة ( الهامشية) بوابة ميلاد مشاريع إجتماعية موازية لمشروع الدولة، فتولد الرفض الكامل من هذه الطبقة وهي المؤثرة في خلق الوعي الشعبي للدولة عندنا، عارض القوميون الدولة لأنها ذات طموح أقليمي إنكماشي، والأسلاميون لأنها ليست دولة إلهية، أو لا تطبق شريعة الله ، والماركسيون والاشتراكيون لأنها مرتهنة للرأسمال العالمي ، وحتى الليبراليون والوطنيون عارضوها لأنها بدت لهم تلفيقية غير جادة  بما فيه الكفاية . أختلفت مبررات رفض الدولة وتفاوت منطقها وسلامته وتماسكه لكنها ظلت مرفوضة على كل حال، لم تستطع الدولة أن تخلق القناعة بها، ولم يستطع مجتمعها أن يلائمها لتطلعاته ( المتناقضة أصلا). دولتنا التي تأسست في الفراغ الاستعماري وتوظفت بمهام أكبر من قدرتها لأنها ظلت تعايش دولة الأستعمار في مخيالها، واصطدمت بمجتمعها أي بالنخبة المؤثرة فيه واللازمة لإحدث أي تغيير جدي.

هذه الملاحظات الثلات متداخلة ومتشابكة جعلت الدولة معزولة عن واقعها الإجتماعي محدودة الأثر في واقعها المادي ، متخوفة وحذرة من رصيدها المجتمعي وهو المفترض كمادة بنائية لها في مشروعها، فأنعزلت بداية، وتسلحت بالعنف لتثبيت نفسها ( وهل تملك إلا ذلك)، وارست مبادئ القمع لصيانة مشروعها ، لقد صارت الدولة قامعة لأنها وجدت نفسها مقموعة من كل المشاريع التي قامت في نفس مجتمعها وفي وجهها وضدها فحاربت الجميع تحت شعار ( لاصوت فوق صوت المعركة ). ووزعت جبهات معركتها حسب ماتريد وأستمرت في هروبها للأمام . حتى فشلت تماما في كل جنبات هذا المشروع البراق والحماسي.

 

فلم تتحرر الأرض (فلسطين) بل ضاع غيرها . ولم تتحقق التنمية فقد عمت البطالة والركود الأقتصادي، وزاد ضغط الشبح الغريب (الأستعمار) وقد أصبح نموذجا لكل المجتمع بعد أستمرار تفوقه وكفاءته الأقتصادية والثقافية والمجتمعية عموما.

 

صارت الدولة مقموعة وقامعة في آن واحد، فهل يستطيع هذا المجتمع الذي عاند دولته كل هذا العناد ، وتحداها سرا وجهرا ، ( ألم يكن التسرب الضريبي أحد أسباب أزمة الدولة العربية). هل يستطيع أن ينشئ مفهوما تعدديا تنافسيا سلميا مدنيا ، بعد أن فشل مشروعه التغييري العنيف بتراجع الجهادية الأسلامية ونظريات العنف البلشفي.؟؟ (1)

 

هنا نصل إلى دعاة المجتمع المدني دعونا نتعرف عليهم من هم، طبيعة أفكارهم، لنعلم هل يريدون المجتمع أم يستهدفون الدولة ... وتظل محاولتنا للإجابة مجرد إجتهاد لكن المهم أن نكون فد اسسنا لمشروعية السؤال وتنصيبه في الوعي . إذ نرجو أن نحوز أجرا واحدا على الأقل .

 

ولنا لقاء مع حلقتنا الأخيرة ... إن شاالله

 

  طـارق القـزيـري

abusleem@al-haqiqa.info

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1)   يكفي في هذا السياق أن نورد (من الذاكرة) لسيد قطب في تفسير سورة الأنعام ( وعلى الدعاة إن أرادوا أن يتحملوا مشاق الطريق ... أن يعلموا أنهم على ملة وقومهم على ملة وأنهم على دين وقومهم على دين وكذلك نفصل الأيات ولتستبين سبيل المجرمين ... (النص ليس (هو هو) لكن معناها حرفي بالتأكيد وفي البيان الشيوعي (لماركس وأنجلز): لايتدنى الشيوعيون إلى أخفاء أرائهم، ومقاصدهم، ومشاريعهم، ويعلنون صراحة أن أهدافهم لايمكن بلوغها وتحقيقها، إلا بهدم النظام الإجتماعي التقليدي،بالعنف والقوة....!!!

 

الرئيسية | من نحن | اتصل بنا

© 2004 Libya Alomstakbal. All rights reserved.