17/04/2008
 

روبرت فيسك: نحن لا نتعلم أبدا!
 
خمس سنوات من حرب العراق ولازلنا نراوح مكاننا (الجزء الأول)
 
نشرت بصحيفة الإنديبندينت البريطانية 19/3/2008 *
 
ترجمة: رمضان جربوع

* إعلام الغرب الآخر: ماذا نفعل في العراق؟ ... هل نحن هناك من أجل النفط ؟ ... من أجل الديموقراطية ؟ ... من أجل إسرائيل ؟ .. خشية من أسلحة الدمار الشامل ؟ ... أم لخوفنا من الإسلام ؟
 
* إنه تواجدنا، إنها قوتنا، إنها غطرستنا، إنه رفضنا التعلم من التاريخ ... وأيضا إنه رعبنا، نعم رعبنا من الإسلام! .. كل ذلك يقودنا إلى الهاوية ...
 
* وحتى نتعلم ونترك هذه الشعوب الإسلامية وشأنها، فكارثتنا في الشرق الأوسط سوف تسوء وتسوء..
 
* لا توجد علاقة ما بين الإسلام و"الإرهاب".. ولكن هناك علاقة ما بين احتلالنا لأراضي المسلمين و"الإرهاب"... لأن الشعوب الإسلامية تتميز بشيء واحد .. ألا وهو نجاحهم عبر التاريخ في طرد القوى الامبريالية الغازية في النهاية .. بواسطة الإرهاب أو حرب العصابات...

 

 

جندي أمريكي يلتقط طفلة

عراقية .. ما تبقى من عائلة عراقية قتلت بفعلهم
 

 

جورج بوش يخطب في الجنود وعائلاتهم بفورت هود - تكساس

 (3 يناير 2003)

 

 
تمثال صدام وهو يهوي في بغداد
 

 
وزير الدفاع الأمريكي يوقع على لوحة إشارة الدخول للعاصمة بغداد
 

 

النيران تشتعل في الجيش
الأمريكي بعد فرحة الانتصار
 

 

 

 
خمس سنوات مضن، ولم نتعلم بعد .. تمر الذكرى كل عام، تتهاوى السلالم تحت أقدامنا، تزداد الشقوق في الصخور، الرمل يصبح هشّا ... خمس سنوات من كارثة العراق ... يخطر عليّ ما قاله وينستون تشرشل (رئيس وزراء بريطانيا السابق): في النهاية: فلسطين؟ .... كارثة من الجحيم! لقد استخدمنا هذه المقارنات من قبل وذهبن عائمات فوق نهر دجله تجرها لفحات الهواء.
 
العراق غارق في مستنقع الدم .. ونتسائل! .. ما هي حالة ضمائرنا الآن؟ ... سنقوم بتحقيق علني عن الحرب حتما!؟ .. ولكن ليس بعد! ... رباه، لوكان "العجز" .. هو رذيلتنا الوحيدة! نستغرق الآن في جدل لا يثمر، .... ماذا حدث من خطأ؟ .. كيف أمكن لشعوب عالمنا أن تسكن ولا تتمرد وتصرخ عندما تبينت الأكاذيب التي حيكت عن أسلحة الدمار الشامل؟ .. عن علاقة صدام حسين بالقاعدة وأسامة بن لادن؟ وعن 11 سبتمبر؟ كيف تسنّى لنا أن ندع ما حدث يحدث؟ وكيف لم نخطط لما بعد الحرب؟
 
حسنا .. الآن تقول لنا رئاسة الوزارة البريطانية بأنها حاولت أن تجعل الأمريكيون يسمعون! قالوا لقد حاولنا بالفعل .. نقسم بشرفنا بأننا حاولنا .. طبعا قبل أن نتيقن بأننا كنا، ومن دون شك على الإطلاق، بأننا على حق وكنا نعرف بأننا على حق، بوجوب الولوج في هذه الحرب اللاشرعية...
 
لدينا الآن أدبيات ضخمة عن الكارثة العراقية، وهناك بالطبع سوابق في التاريخ عن حكاية التخطيط لفترة ما بعد الحرب ... ولكن النقطة الهامة ليست هنا، القدر بالكارثة ليس هنا، إنه في الوتيرة المرعبة التي حدثت بها الكارثة وضخامتها ..
 
عندما اقتحم الأمريكيون العراق بعواصفهم في سنة 2003، عندما بدأت صواريخ الكروز الجوالة، تصفـّر وتتساقط من خلال الزوابع الرملية نحو مئات المدن والقرى العراقية ... كنت أجلس قابعا في غرفتي التي أغرقها التراب.. في فندق فلسطين ببغداد، لم أكن أجد للنوم سبيلا فرعد الانفجارات كان صاعقا ... أجوس خلال كتبي التي أحضرتها معي أقلب بين دفاتها، عسى أن تشغلني خلال هذه الساعات الخطيرة والمظلمة.. "الحرب والسلام" لتولستوي يذكرني كيف يمكن لنزاع أن يوصف بحساسية وبشاعة في نفس الوقت، أوصي بأن تقرؤوا كتاب "معركة بورودينو" (المترجم: وهي المعركة التي حسمت مصير محاولة الامبراطورية الفرنسية لاحتلال روسيا (1912)، حيث استطاعت هزيمة الجيش الروسي ولكنه فشلت في الاحتفاظ بمواقعها وانتهت بالانسحاب وفي خاتمة المطاف بالهزيمة وانهيار الامبراطورية الفرنسية) أوصي كذلك بقراءة ملف قصاصات الصحف، ففيه نرى خطابا صاخبا للسياسي الأمريكي المعارض والكاتب الكبير (باتريك بوكانان) منذ حوالي خمسة أشهر (قبل الحرب) ولا زلت إلى يومي هذا، أرتعد من قوته وسبقه للأحداث ونزاهته التاريخية المطلقة...
 
يقول باتريك بوكانان "مع تواجد خلفاء مملكة ماكارثر (باكس أميريكانا) إلى ذروته ثم يبدأ المد بالانحسار، أتعرفون لماذا؟ ... لأن الشعوب الإسلامية تتميز بشيء واحد.. ألا وهو نجاحهم عبر التاريخ في طرد القوى الامبريالية الغازية في النهاية.. بواسطة الإرهاب أو حرب العصابات... لقد طردوا البريطانيين من فلسطين وعدن، والفرنسيين من الجزائر والروس من أفغانستان والأمريكيين من الصومال وبيروت، الإسرائيليين من لبنان... لقد انطلقنا على طريق الامبراطورية .. وعندما نعبر التلة التالية سوف نتقابل مع أولئك الذي ذهبوا قبلنا... الدرس الوحيد الذي تعلمناه من التاريخ.. هو أننا لا نتعلم من التاريخ". (الجنرال الأمريكي ماكارثر، الذي هزم في بداية الحرب مع اليابان ثم عاد واحتلها وفرض عليها ما يريد، وفي حقبة لاقحة اقترح استخدام القنابل الذرية للقضاء على المقاومة في حرب فيتنام) ستصل الهيمنة الأمريكية والتشبيه لإثارة ظاهرة الغطرسة والجهل- المترجم)
 
كم سهلا لصغار الرجال أن يقتادونا للجحيم! .. رجال لايعرفون .. ولا يهتمون بالتاريخ، لا أحد منهم قرأ عن ثورة العراقيين ضد الاحتلال البريطاني في سنة 1920، أو كيف قام وينستون تشرشل بالتسوية القاسية المفاجئة السنة التالية ... (المترجم: المقصود استخدام الغازات السامة ضد العراقيين شبه العزّل).
 
على شاشة رادار التاريخ، لم نستطع رؤية أثرى جنرال روماني، كراسوس، الذي طالب بالعرش الامبراطوري عندما غزا مملكة مقدونيا (مسقط رأس الأسكندر المقدوني) ... في العصور الغابرة ... كان قد قال بأن "المهمة أنجزت" (الإشارة لجملة بوش على ظهر حاملة الطائرات) .. والذي تابع، وبروح انتقامية، انطلاقه لكي يدمر بلاد ما بين النهرين (العراق الآن) ... وعند نقطة ما في الصحراء .. ليست بعيدة عن نهر الفرات، قام أسلاف العراقيين (البارثيان) بتحطيم جيشه العرمرم ثم أسروه وقطعوا رأسه وحشوه بالذهب وأعادوه إلى روما ... لو حدث هذا اليوم، لكانوا صوروا عملية جز الرأس بالفيديو ..!!! كما يفعل العراقيون الآن.
 
صغار الرجال هؤلاء، وبغطرستهم وعجرفتهم الخرقاء، اقتادونا للحرب منذ خمس سنوات، أثبتوا لنا اليوم بأنهم لم يتعلموا شيء!
 
أنتوني بلير – وكما يلزم أن ندعوا هذا المحامي الصغير من البلدة الصغيرة، يجب أن يقدم للمحاكمة لكذبه وتدليسه، وعوضا عن ذلك، ها نحن نراه زاعما بمهمة إحلال السلام في النزاع العربي الإسرائيلي، النزاع الذي لم يؤل، السيد توني، جهدا في تأجيج نيرانه!
 
والآن بعده، لدينا رجل آخر، غيّر رأيه عن شرعية الحرب، وقام بذلك على ورقة واحدة بالحجم المعتاد (أي 4)، هذا الرجل تجرأ مؤخرا واقترح وجوب القيام بإجراء اختبار لمن يريد الجنسية البريطانية من المهاجرين ... يا للمهزلة! ... قد يكون السؤال الأول في هذا الاختبار، كما أفترض وجوبه:
 
من هو المدعي العام البريطاني البريطاني الدموي الذي أرسل 176 جنديا بريطانيا لحتفهم مقابل كذبة ؟ ... ومنه إلى السؤال الثاني: كيف استطاع الافلات من عاقبة ما فعل ؟
 
ولكن، السيد المدعي العام البريطاني (الذي أفتى بشرعية الحرب سابقا واليوم قام بتغيير رأيه)، نحس في كلامه الجديد ومقترحه المتسرع، ما يدلنا على كامل البنيان الورقي الكرتوني الانتقالي لعملية اتخاذ القرار...
 
القضايا العظمى التي تقض مضاجعنا، سواء كانت العراق أو أفغانستان، الاقتصاد الأمريكي أو ارتفاع حرارة الأرض، عمليات الغزو المدبرة ليلا... أو "الإرهاب" - لا يتم نقاشها وفقا لأجندات سياسية جادة ولكن ببساطة وفقا لجداول برامج التلفزيون الإخبارية .. ومواعيد المؤتمرات الصحافية...
 
على سبيل المثال: هل ستكون الغارة الأولى على العراق متوافقة مع برامج الذروة في التلفزيون الأمريكي؟ ... شكرا للسماء .. الإجابة بنعم!... هل ستظهر كتائب الجيش الأمريكي على نشرة أخبار إفطار الصباح؟ .. بالطبع! .. هل سيتم الإعلان عن القبض على صدام حسين في نفس الوقت من قبل بوش وبلير؟ ... (فلنضحك!)
 
كل ذلك جزء من المشكلة، صحيح أن تشرشيل وروزفيلت وافقا على توقيت إعلان انتهاء الحرب العالمية الثانية في أوروبا، وصحيح أن الروس هم الذين دفعوهما لهذا الموقف.. ولكن على الأقل قلنا الحقيقة عندما أجبر البريطانيون على الانسحاب إلى دنكرك استعداد للفرار للوطن، تشرشل أعلن بأن الألمان تمكنوا من اختراق الجبهة بعمق ونشروا الخوف والفوضى في أعقابهم..
 
لماذا لم يقل لنا السادة بوش وبلير متى بدأ المتمردون العراقيون في الهجوم على قوات الاحتلال الغربية؟ .. حسنا.. لقد كانوا منشغلين تماما بإخبارنا بأن كل الأمور تسير إلى الأفضل كله تمام يا فندم!، وبأن المتمردين ليسو سوى بضعة من "اليائسين"...
 
في يوم 17 يونيو 1940، أخبر تشرشل شعب بريطانيا "الأخبار عن الجبهة في فرنسا سيئة جدا وأنا حزين على الشعب الفرنسي المغوار.. الشعب الذي سقطت عليه هذه الكارثة المريعة!"... لماذا لم يقل لنا السادة بوش وبلير بأن الأخبار من العراق سيئة جدا وبأنهم حزانى... ربما بعض من ذرف لدموع... لدقيقة أو ماشابه.. على الشعب العراقي؟ لأن هؤلاء السادة.. تجرؤا وتلبسوا بلباس تشرشل.. اصطنعوا من أنفسهم أبطال! .. خططوا لإعادة إنتاج الحرب العالمية الثانية...
 
البي بي سي... مؤدية لواجبها، أخذت تطلق على الغزاة مصطلح "الحلفاء" الذي استخدم في الحرب العالمية الثانية ضد قوات المحور (إيطاليا وألمانيا واليابان)... وبالمناسبة، هيئة الإذاعة البريطانية، كانت قد قامت برسم نظام حكم صدام حسين على أنه "الرايخ الثالث!" الألماني...
 
عندما كنت طالبا، كان قادتنا، مثل أتليي، تشرشل، إيدن، ماكميلان أو ترومان وأيزنهاور وكينيدي في الولايات المتحدة، كانت لديهم خبرة ودراية بالحرب الحقيقية، لقد شاركوا فعلا في حروب... الآن ليس هناك قائد غربي واحد يملك خبرة مباشرة في النزاعات العسكرية.
 
عندما أطلق غزو العراق الأمريكي البريطاني، أشد المعارضين المهمين له، من أوروبا، كان جاك شيراك الرئيس الفرنسي، الذي شارك في القتال في حرب الجزائر، ولكنه ذهب الآن... وكذلك ذهب محارب فيتنام القديم كولن باويل .. الذي غرر به من قبل وزير الدفاع الأمريكي رمسفيلد والمخابرات الأمريكية (السي. آي. أي.).
 
وحتى هذه الساعة، لا تزال أفظع سخريات الأقدار في زمننا هذا، الحقيقة التي تقول بأن، أشد السياسيين الأمريكيين المتعطشين للدماء، أي: جورج بوش وديك تشيني ورمسفيلد وأبراهام وولفيتتز، لم يقم أي منهم بإطلاق رصاصة واحدة في حياته في معركة، بل لقد سعوا في أن لا يقاتلوا أبدا في سبيل بلادهم إذا ما توفرت الفرصة لهم!
 
لا عجب إذن، أن نرى العناوين الصارخة في أفلام هوليوود مثل "الصدمة والترويع" تفتح شهية البيت الأبيض، الأفلام هي كل ما لديهم من خبرة عن الحرب!؛ ونفس الشيء ينطبق على توني بلي وبراون.
 
وينستون تشرشل، رئيس وزراء بريطانيا إبان الحرب العالمية الثانية، كان عليه أن يقدم الحساب عن خسارة القوات البريطانية لسنغافورة للجيش الياباني الغازي، كان ذلك أمام برلمان منعقد بكامل أعضائه... أما السيد براون فلن يقدم أي حساب عن العراق حتى تنتهي الحرب..
 
والآن، وبعد خمس سنوات من التظاهر والاستعراض الزائف والدجل من قبل قادتنا السياسيين الأقزام والمسخ، صار لدينا التبرير المستهجن، الذي يسمح لنا بفتح جلسة تحضير أرواح.. لكي نجلس مع أشباح ضحايا الحرب العالمية الثانية.. والوسيط في هذه الجلسة الروحانية، اسمه: الإحصائيات!.. غرفة جلسة تحضير الأوراح يجب أن تكون مظلمة.
 
ولكن، الحقيقة الواقعة التي لا مفر منها، أن عدد الموتى الأمريكيين وصل إلى 3978 (3993 اليوم)... هذا الرقم هو أعلى ما تعرضت له أمريكا في عملية نزول الحلفاء من البحر على شاطيء نورماندي في فرنسا (أي بداية تحرير أوروبا من الاحتلال الألماني)..
 
لقد خسر الأمريكيون هناك 3384 فقط.. كان ذلك في يوم 6 يونيو 1944... والرقم النحس يمثل أيضا ثلاثة أضعاف ما خسرته القوات البريطانية في أشرس معارك أوروبا عند جسر أرنهايم في هولندا (عدد الموتى 1200). الرقم يمثل كذلك أكثر من ثلث كامل عدد الموتي في قوات الحملة البريطانية في أوروبا ابتداء من احتلال ألمانيا لبلجيكا إلى انسحابها السريع من ميناء دنكرك الفرنسي في يونيو 1940. (11014 قتيل بريطاني). عدد القتلى البريطانيين في العراق (176) يكاد يطابق عدد من فقدتهم القوات البريطانية في معركة البلج الكبرى (45- 1944) 200. عدد الجرحى الأمريكيين (29395) أكثر بتسع مرات من عدد جرحى معركة النورماندي الشرسة (3184)، وأكثر من ربع الجرحى الأمريكيين في كامل الحرب الكورية (103284 جريح).
 
الضحايا العراقيين، تقارن أعدادهم بسهولة أكثر مع ضحايا الحرب العالمية الثانية، فحتى ولو قبلنا بالإحصائيات الأكثر تحفظا، عن عدد الموتى من المدنيين (التي تترواح ما بين 350 ألف إلى مليون قتيل)، هذه الأرقام تجعل عدد الضحايا البريطانيين المدنيين في حملات القصف بالقنابل الألمانية الطائرة على مدينة لندن (ما بين 1944 و1945) رقما هزيلا، وهي الآن تفوق كامل عدد الضحايا المدنيين في الغارات الجوية على كامل تراب المملكة المتحدة من سنة 1940 إلى 1945، أي 60595 قتيل و 86181 مصاب إصابة بالغة.
 
عدد القتلى العراقيين من المدنيين، يفوق كامل عدد قتلى بريطانيا من العسكريين في كامل الحرب العالمية الثانية (256 ألف قتيل) ... وبعض الروايات تضع الرقم في خانة الثلاثمائة ألف، و277 ألف جريح. التقديرات الأكثر تحفظا لعدد قتلى المدنيين في العراق تعنى بأن شعب العراق تحمل سبعة أضعاف ما تحملته مدينة دريسدن الألمانية التي أحرقت بكاملها في الحرب العالمية، والأكثر رعبا، أن العراق تعرض لخسائر في الأرواح تعادل ضعفي عدد الضحايا الذين قتلوا في هيروشيما اليابان ... بالقنبلة الذرية.
 
في مقاربة أخرى، ما سلف ذكره، يلهينا عن الحقيقة المريعة التي ذكرها تحذير بوكانان!
 
لقد أرسلنا جيوشنا إلى أرض الإسلام، ولقد قمنا بذلك بتشجيع من إسرائيل فقط، إسرائيل التي قدمت تقارير استخباراتية زائفة عن العراق... والتي تم تناسيها وغض الطرف عنها بسريّة من قبل زعمائنا... في نفس الوقت الذي يذرفون فيه دموع التماسيح على مئات الآلاف من العراقيين الذين ماتوا... صيت وعظمة القوة العسكرية الأمريكية اضمحلت وسقمت .. دون رجعة! ...
 
إذا كان لدينا الآن في بلاد الإسلام عددا من القوات الغربية الذي يمثل اثنان وعشرين ضعفا لما كان لدينا هناك في القرن العاشر والحادي عشر الميلادي (إبّان الحروب الصليبية).. فيجب علينا أن نسأل أنفسنا: ماذا نفعل هناك؟... هل نحن هناك من أجل النفط ؟... من أجل الديموقراطية؟ من أجل إسرائيل ؟.. خشية من أسلحة الدمار الشامل ؟... أم لخوفنا من الإسلام ؟
 
نحن نقوم الآن، دون تفكير وعقل، بربط أفغانستان بالعراق... نقول.. لو لم تنشغل واشنطن بالعراق، حسب ما نزعم، فحركة طالبان لم تكن لتستطيع العودة وفرض وجودها من جديد في أفغانستان.. ولكن، أيها السادة، تنظيم القاعدة وأسامة بن لادن، الذين لا يراهم أحد، لم يكونوا منشغلين! ... لقد قاموا بتوسيع عملياتهم إلى داخل العراق ثم قاموا باستخدام الخبرة المكتسبة للهجوم على الغرب في أفغانستان... وأطلقوا سلاح "التفجير الانتحاري" الذي لم يكن معروفا هناك!
 
سأجازف الآن بتخمين مرعب: لقد خسرنا أفغانستان تماما، وعلى وجه التأكيد، خسرنا العراق، وكذلك، ودائما على وجه التأكيد، "سنخسر" الباكستان.. السبب ؟ إنه تواجدنا، إنها قوتنا، إنها غطرستنا، إنه رفضنا التعلم من التاريخ ... وأيضا إنه رعبنا، نعم رعبنا من الإسلام! .. كل ذل يقودنا إلى الهاوية ... وحتى نتعلم ونترك هذه الشعوب الإسلامية وشأنها، فكارثتنا في الشرق الأوسط سوف تسوء وتسوء.. لا توجد علاقة ما بين الإسلام و"الإرهاب" .. ولكن هناك علاقة ما بين احتلالنا لأراضي المسلمين و"الإرهاب"... المعادلة ليست معقدة.. لا نحتاج إلى تحقيق علني وعام لكي نكتشفها...
 
ترجمة: رمضان جربوع
ramadanjarbou@yahoo.com
 

* نشرت بصحيفة قورينا – بنغازي 16/4/2008

 
رابط المقالة:  http://www.independent.co.uk/news/fisk/robert-fisk-the-only-lesson-we-ever-learn-is-that-we-never-learn-797816.html

 

أرشيف الكـاتب
تعليقات القراء
الإسم:
العنوان الإلكتروني:
التعليق

تعليقات القراء

 
 

 

libyaalmostakbal@yahoo.com

 

جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع >>>> ليبيا المستقبل منبر حر لكل من يطمح ويسعى لغد أفضل لليبيا الحبيبة