04/06/2008
 

ماندارين الصين ونـَخـْـبة الخِــنـْبة والبرتقال الهشّ!
 
بقلم: رمضان جربوع

أرشيف الكاتب


 
ما هو المندارين؟
 
(يعني Mandarin) لمن فاته الأمر، اسم أطلقه أهل الصين قديما للكناية عن "كـَـتبة" أو "تنابلة" السلطان أو "الحـَـكومة" ومديري شؤون البلاد والعباد، بما يستقيم به حال السلطان .. وأحيانا البلاد ... توصل هؤلاء لمراتبهم بفعل علمهم وقدرتهم على فك الخط والإبداع في البلاغة والتدبيج وشؤون الإدارة، ومن ثم أصبحوا من الطبقة الوسطى، وارتقى بعضهم فوصل للعلى، وصاروا من الأمراء وتقاسموا مع الحكومة الريع والمكوس، وسيطروا على الإدارة والسياسة، وبنصحهم يرفعون هذا عاليا، وينزلون ذاك لأسفل سافلين، ولبسوا وجلسوا على الديباج والاستبرق والسندس والحرير، وراق لهم لحم الطير والخمر مذهبة العقول، التي يدور بها عليهم الغلمان والمحظيات، ويقضون ليلهم في الرقص والطرب والجواري البضّ السمان منهن والقشيبات ... ومع مرور السنين صار (المندارينيون) ثقافة، واختزلوا الحكومة و/أو صاحبها، شعبا كان الصاحب أم إمبراطورا، في ذواتهم، وفي الوقت نفسه كانوا الخصم والحكم، عندما يعنّ لأحد شكوى أو مطالبة بعدل من مظلمة، عندها يهبون عليه بالمقارعة بالقلم والعبارة، وأحيانا بالفلقة والزنزانة، ناهيك عن الموس والساطور. الأمر كان لهم يسيراً، فهم يسطرون القوانين والمراسيم، ويضعون بها المفاتيح والثغرات لضمان الفائدة والعمولات، وينقلون الصورة التي يريدون للقابض على المصائر! .. وهم على مناصبهم يهرّون ويذودون، يبغون الخلد فيها، وينصبون الشباك والفخاخ لكل من تسول له نفسه منافستهم فيها.
 
تلك، باختصار، هي "النخبة" من شعب الصين في القديم، والتي أصبحت أس الفساد الذي أدى لانهيار العمران، تغيرت مسمياتهم، ولا يزالون يديرون الأمور بحذق وروية، هم الآن الكوادر العليا في حزب الصين الشيوعية أو الرأسمالية، سيّان، فهم أهل المندارية بكل فتل يغزلون! وبكل نسيج يحيكون.
 
لما كان أهل الصين من الشرق كما هم أهل بني العرب، فالثقافة وصلت واعتنقت وطبقت، ننظر لبلدان العرب فنجد نخبها المتعلمة التي صرفت عليهم البلاد وتعلموا و(تدكتروا) و (تهندسوا) منها الآلاف المؤلفة، ثم أخذوا يصولون ويجولون، يقولون للسلطان (مجازا: أي حاكم عربي في معظم الأحوال) ما يحب أن يسمعه ويطرب له، يسوغون له الباطل حقا، ويبطلون الحق، حيثما كان ذلك مبعث انزعاج، يتنافسون مع بعضهم البعض، ثم يتفقون ويتحالفون، ويتقاسمون ما يسرقون.
 
البرتقال الهش الليبي!
 
في بلادي، كما في بلاد العربان على وجه الإجمال، وإن اختلفت الأسماء والكيفيات، إلا أن الفحوى واحدة، فقد صار عندنا مانداريون ، وأتوقف هنا لمنع اللبس:
 
الرجاء عدم الخلط مع فاكهة لذيذة من الحمضيات تسمى عندنا بالماندالينا (اليوسفي).. وفي مدينة درنة الليبية، التي كانت جميلة، يقال عنها "برتقال هشّ، أي سهل التقشير، وهكذا كان قوم درنة – قديما أيام الهنا – أهل جميل اللفظ والملبس والمأكل والأدب، ولا عجب فلقد أعاد تأسيسها عائلات وفدت من الأندلس بعد اندحار بني يعرب، وأحضروا معهم الطابع الحضري المميز، درنه كانت درّة مدن ليبيا، يفوح في شوارعها شذى الورد والياسمين، وأهلها ذوو رقة وانبساط، ينعكس على تفردهم على سائر سكان ليبيا بطرائف النعوت.. فيقولون "زبط الجنة" للمهلبية، وخدود النبي للتفاح، ووجبة الأرز بالخضار "رز جنانات"..إلخ، إلا أن ذلك كله تغير بعد ما أصاب الفقر والبؤس المدينة، بسسب عسف "البعض" وحمق "الآخر"، وهجرها جانب كبير من أهلها، ومن بقي، خصوصا من شبابها، اتبع عقائد إسلامية متطرفة نوعا، وأصبحت أكبر مدينة تصدر الاستشهاديين (الله أعلم بهم) للجهاد في العراق، وبعد أن كانت المدينة تصدر أفضل الكوادر المصرفية والدبلوماسية والتجارية والأدبية والشعرية، تغير بها الحال ليوم، وتحولت الرقة إلى الغلظة ... وتلك الأيام نداولها بين الناس...
 
نعود الآن لموضوع الماندارين وعمائلهم، فنكتشف مفارقة غريبة جديرة بالتأمل، ماندرين الصين القديمة كانوا ذوي بلاغة، بل صارت لغتهم تحمل اسمهم إلى اليوم (الصينية الماندرينية)، وأصبح يشار إلى طبقة كبار موظفي الدولة في جميع قطاعات العالم بالماندرين، خصوصا عندما يكونون بشكل أو آخر من الذين يسهل قيادهم على ولي الأمر، وأيضا عندما يتضح للعيان، خصوصا عيون اليوم ذات الإليكترون، بأن هيئتهم العامة تشوبها الهشاشة!... وهنا، أيها السادة، نصل للفاجعة، أي أن الجماعة من نوع "البرتقال الهش"، سهل التقشير (سهل كشف الفضائح) أو الماندرين أو كما نقول نحن "الماندالينا".. بنيانهم هش.
 
صفات وعمايل النخبة الخنّابة!
 
لماذا وكيف؟... إليكم ما رأيت بعد التفكر في بلادي وبلدان بني يعرب:
 
• الكادر الكبير عندما يصل إلى مركز مرموق، يجعل منه تكية خاصة له، يحارب كل كفاءة واعدة، حتى لا تحرجه، ثم يجعل قوته في صوته العالي وتقربه من الرؤساء (الفوقانيين)، ويحرر التقارير التي تكاد تقول بأن دنيانا قد تحولت على يديه فردوسا، أما عن خدمة الشعب وقضاء مصالحه، فحسب التساهيل والتدبير... وأحيانا يضطر الشعب لقضاء حاجته لوحده!، وهم وعلى الرغم من تأهيلهم العالي ودراساتهم في بلاد الأجانب إلا أنهم بالتخلف يستنجدون، وبمقيت القبلية يتحصنون، وببعض من فسّاد القبيلة يتمترسون، ويدعون خدمة القبيلة واستخلاص حقوقها من براثن القبائل الأخرى الشريرة. وإن لم تكن قبيلة فهي جهة جهوية أو عصبة أو شلة من الشلل التي تشوبها أمراض النفس والذمة المالية. وفي خاتمة المطاف، لا هم القبيلة خدموا، ولا للوطن أخلصوا، وكل ما فعلوا أنهم في ترسيخ التخلف أسهموا، ومن مال الشعب سمنوا واكتنزوا.
 
• الدكتور في الجامعات (البعض منهم طبعا)، خصوصا عندما يرأس قسما مهما، يضع نصب عينيه عدم السماح بخروج أي نجيب يرتجى منه خير، فقد يشب التلميذ، ويصبح ناجحا، فيهدد منصبه وتكيته. يحاربون النجاح أينما كان، فهم من اليوم الذي أخذوا فيه "الورقة الدكتورية"، عفّوا عن الاطلاع وأقسموا أغلظ الأيمان بأن لا يتعلم أحد علما، فلقد تعلموا هم وكفي، والعلم الذي تعلموه، نسوا أول شروطه السلوكية التي تنص على مباديء الأخلاق، وكان من نتاج أعمالهم أن تدهور حال العلم والتعليم، وصار كل من له نجابة في أي علم من العلوم يفر لبلاد الروم، حيث يبرز، ويحتفى به، وتكون فائدته لغير وطنه. هل تصدقون أنه من صنف الأطباء المهرة لدينا في بريطانيا فقط قرابة الأربعة آلاف طبيب ليبي؟.. ليبيا الآن فيها أسوا نظام رعاية صحية في عالم عرب النفط! والمتربعون على هذه الكراسي ينجحون من يريدون، ويسقطون من لا يحبون، وإن كانوا على استعداد للاستجابة في حالة تقديم الإعانة.... تكاليف الحياة مرتفعة يا قوم.
 
• أهل القضاء والإدعاء، (من الذين توسوس لهم الأبالسة طبعا) يخاف سخط الناس "اللي فوق"، فيحور ويتحجج ويتنحنح، ثم يكاد يسأل أين تذهب الريح، فيذهب معها، ويصدر الأحكام التي لا تغضب.. المقعد وثير يا سادة. ثم شط البعض منهم فرسموا الأحكام بمبالغ الأموال، يأتيهم بها الوسطاء ذوو الدراية من فاسدي المحامين وما شابه. أما وكلاء النيابة والإدعاء فحدث ولا حرج.. تاجر المخدرات بالأطنان يحاكم بتهمة حيازة بغرض الكيف.. بضع غرامات.. وموالاة القبيلة تؤدي إلى أن يخرج القاتل العمد بريئا بدعوى ذهاب عقله عند فعله... وإذا ما أتي رفيق في "الماندالينا" بسبب فواح ريح فساده، فالأمر يسير ... لا توجد أدلة إثبات.
 
• مسؤولو المشاريع ذات الريع، تخطيطا كانت أم تنفيذاً - إلا من رحم ربي – يجتهدون ويكدون ويحسبون ويحتسبون المحاسبين والمحاسيب، ويتحول المشروع إلى حفرة مجاري من جهنم تسأل هل من مزيد؟
 
• قوم الماندالينا هؤلاء، أنفق عليهم وأحضروا لخدمة الدولة وشعبها، فاختزلوا الدولة بذواتهم، أما الشعب فبكل بساطة خنبوه .. وهنا نتوقف للمفارقة الأكثر فجاعة:
 
"خنب زيد، أو عمر(ما تفرق)، يعني فسد وضعف ووهن. والخناب تعني الأحمق المختلج، وفلان ذو خنبات أي ذو غدر وكذب، يصلح مرة ويفسد مرات"
 
حسنا ترون جيدا ما أرمي إليه، نحن في ليبيا لا زلنا نستعمل لفظ "الخنبة" لنعت السارق والسرقة، وإن كان استعماله اندثر لديكم يا أهل المشرق والمغرب، ولكن حيث أنه موجود في معاجم العرب، فنحن نصر عليه، ومنه ننطلق إلى لفظ "النخبة" وهو خيرة القوم ذو الدراية والعلم افتراضا، وفي هذه الحالة، طبقة البيروقراطية العليا (ندع الصغرى لمقام آخر)
 
نخبة مجتماعتنا، عندما ننظر لما يفعلون، لا نستطيع سوى نعتهم بالنخبة الخانبة... ولا أقول الخائنة، لأن أكره ما أكره لفظا "التخوين" و"التكفير".. ولكن هذه الخاء اللعينة تلاحقني .. وبهذه المفارقة نستطيع إثبات بطلان مقولة "أن العرب ظاهرة صوتية" التي يقول بها مفكرنا "عبد الله القصيبي"، فنحن العرب لدينا لسان وأفعال ومعان وتمعن!
 
ونختتم استعراض صفات فساد العلم وسوء الدبارة لدى "النخبة الخنابة" (بالمناسبة معظم الشهادات التي تحصلوا عليها في بلاد الغرب، تشوبها شوائب كثيرة، أهمها أنها لا تصلح لكي يعملوا بها لديهم، ومن يصلح لذلك يستقطبه الغرب ويغريه فلا يرجع).
 
ظلم النخبة الخنّابة الصارخ!
 
شاهدت بأم عيني (التي سيأكلها الدود والتراب) مواطنا مصريا نائما على كرتونة في برد الشتاء بالقرب من ضريح سيدنا الحسين، قبل صلاة الفجر بقليل، وبجانبه بالضبط على الرصيف تصطف سيارة رولز رويس لا يقل ثمنها عن مليون دولار! .. وشاهدت من أيام إمرأة عجوز بعد صلاة الفجر بقليل تجوب شوارع بنغازي المدينة القديمة، تحمل كيسا تضع فيه ما تلتقطه من فتات الخبز في عربات القمامة، لكي تبيعه كعلفة حيوان، مقابل بضعة دراهم .. دخل هذه السيدة الفقيرة بمتوسط ما تستحق من ثروة النفط يقارب الثمانين ألف دولار سنويا ... وتقولون لدينا نخبة؟... لدينا خنبة يا سادة.
 
ومن يصلح الحال؟
 
لا يتم إصلاح إلا بإبعاد "النخبة الخنابة" عن أي فعل وإسهام بإصلاح وإعادة هيكلة وصياغة دستور ومحاربة فساد... هذه النخبة انتخبت سابقا، وأتمنت، فخنبت الأمانة .. فكيف بالله عليكم؟
 
كاتب ليبي من بنغازي
ramadanjarbou@yahoo.com

 


* نشر بصحيفة قورينا، بنغازي بتاريخ  4/6/2008

 


 

التعليقــــــــــــــــــــــات

 

دارنس: ياأخى جربوع أنا من مدينة درنه أبا عن جد وصدقنى لم أسمع بهذه التندرات أو التعابير والمصطلحات التى أوردتها فى مقالك إلا من غير الدراونه وهى مخترعة من قبل بعض مرضى النفوس ولذلك لا واقع لها فى درنه ولا يتم تبادلها بين السكان... وهى فقط من باب التندر على الدراونه أخترعها سكان بنغازى بالذات ردا على تندرات درناوية على أهل بنغازى... تماما كما يتم التندر على أهل ترهونه أو طرابلس.... فالمندرينا وليس المندلينا كلمة تطلق على اليوسفى فى درنه وتعبير برتقال هش درنه منها براء وألصقت بأهل درنه من قبل الغرباء من باب الحسد والحقد مثلها مثل زبط الجنة وهى تطلق على الحناء وليس المحلبية.... إلخ وجب التنبيه وشكرا.
 

تعليقات القراء
الإسم:
العنوان الإلكتروني:
التعليق

 

جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع >>>> ليبيا المستقبل منبر حر لكل من يطمح ويسعى لغد أفضل لليبيا الحبيبة

 

libyaalmostakbal@yahoo.com