06/07/2008
 

لا تصدقوا أبدا أننا نجحنا في شيء !
 
بقلم: رمضان جربوع

أرشيف الكاتب


 
أنا من يفترض أني من النخبة..أعترف بذنبي!
أفلا ننظر لأنفسنا ؟ ألا يمكن أن يكون العيب فينا ؟
 
أعلم أن ما سأقوله لن يستسيغه البعض، بل وقد ينال النقد والتجريح، وربما حتى الشتم والسباب.. ومع ذلك فها أنا ذا أكتب .. وليكن ما يكون! ...
 
في سبيل البحث في هذا التردي الذي نعيشه اليوم، عنّ لي الغو ص في ذواتنا، ولم أجد أفضل من نفسي كمثال.. وهو مثال رديء على كل حال!
 
أبحث يا سادتي عن فهم، ومن ثم عن مخرج، وشأني في ذلك شأن جيلي الذي ما انفك يخيّل له، كلما تعلم شيئا، أنه قد أحاط بالعلم كله.
 
خرج منا الآلاف المؤلفة، في مختلف العلوم والحرف، وتبوؤوا المناصب، وأصبح العديد من ذوي سلطان وجاه، وانضووا تحت الإمرة الآمرة، أو بحذوها كفاعلين إداريين متثاقفين، أو تجار ورجال أعمال أو رجال فساد، أو متحدين مع أهل البصاصة والعساسة، أو على هامش ما بين هذا وذاك، متعللين بكيان الدولة ولزوم أن تكون... كيفما صارت..وكأننا صرنا من أصحاب الدول ذات الصولة والشأو مستقلين بالقرار والرأي.
 
تناسينا أو أقنعنا أنفسنا بذلك، فانقسمت الأمة إلى نيف وعشرين أمة، وكان ذلك محتوماً، فبعد دخول نابوليون بونابرته (كما قال الجبرتي) في 1789 ؟ وطغيان المماليك وضعف خلافة آل بني عثمان، ورثة آل العباس، وما نصبوه من ولاة وباشوات، تفتتت الأمة، وحاق بها مثل ما حاق بها من قبل، من طوائف وملل ومذاهب، ناهيك عن صليبيين وأعوان لهم وحلفاء من بني جلدتنا وغزاة آخرين، من هولاك وتتار وقبائل وعشائر شتى.. راجعوا تاريخ بلاد الشام وأرض السواد في هذه الحقبة، إن خالجكم شيء من شك، ففيها مناظر وعبر.
 
انتهى بنا الأمر بعد الحرب الكونية الكبرى إلى سايكس بيكو، واقتسام أراضينا مناطقَ نفوذ أو وصاية وحماية، أو احتلال أو إحلال غيرنا بدلنا كفلسطين، وقريبا ربما عراق أو لبنان، بل وحتى "شام"، وغير ذلك من شخوص ملوك وأمراء وسلاطين ورؤساء استحدثوا في علم وبفعل الآخر! وعلينا نصّبوا!
 
كل هذا مفهوم، فتلك الأيام يداولها خالقها بين الناس، تدول دول، وتنبعث أخر.
 
ومع ذلك أتيح لنا نهوض في بلداننا، ولم نستفد ولم نفد، في مصر أنشئت أول مدرسة طب في سنة 1830، ولم تفعل اليابان ذلك إلا بعد ثلاثين سنة... أين مصر من اليابان اليوم؟ ... في سنة 1954 كانت نسبة الأميّة في كوريا الجنوبية أكبر بكثير من تلك التي كانت لدينا في ليبيا، وفق تقديرات الأمم المتحدة في حينه، أين نحن من كوريا بالله عليكم اليوم؟ رزقنا بخيرات لا عد لها ولا حصر، نفط ومياه وزراعة، وأطلال أقدمين، وشواطئ للسياحة جاذبة، ومواقع إستراتيجية تكاد تمسك بخناق العالم، وتنوع ثقافات يغبطنا غيرنا عليها، ومع ذلك تقاسي شعوبنا الفقر والعوز والعسف والسقم، ناهيك عن تخلف وعصبية مقيتة، وتناطح ما بين بني مضر وبني الربع، حضر وقبائل وتخيلات عصبيات، وجور حكام ومأموري حكام.
 
باختصار لم نفلح في بلاد العرب في إقامة دولة واحدة تستحق الاسم..
 
وتشتكي الشعوب ونشتكي، نحن نخبتها، ونكيل القدح والذم والتهم لحكامنا ومعهم آخرون، ومن يسير في ركابهم، وننسى بأننا ملامين بذات المقدار..
 
حكامنا ومأموروهم، أيا كانوا، لم نستوردهم، ولم يأتونا من بلاد أخرى، هم منا ونحن منهم، من ذات اللحمة وذات الثقافة، وإن كان بهم عطب، فلدينا منه أيضا..نحن "النخبة!"..
 
الباشوات واللواءات والوزراء وأحزاب الحكام وما اصطنعوا من مسمّيات، واللجان الثورية وجماعات "الأمة العربية الواحدة ذات الرسالة "الضائعة" – اعذروني لا أستطيع التبجح بــ "الخالدة".. والمنادين بــ "القومية"، عربية كانت أم أمازيغية، فارسية أم تركمانية أم آسيوية أم أفريقية، أو حتى "بحر أبيض متوسطية" على نمط الفذلكات الساركوزية... ومن يدري ما سيفد علينا من مسميات أخر..
 
كل هؤلاء المذكورين أعلاه لم يأتوا إلينا من كوكب آخر.. لا من كوكب عطارد ولا الزهرة ولا المشتري.. لقد أتوا من عندنا..ومرة أخرى هم منا ونحن منهم، كل يحمل تخلفّه على كتفيه، وقلمّا احتاج "الآخر" لغيرنا ليسود علينا ويتحكم فينا!
 
يحلو لنا التعلل بشرور الآخر، أيــًا كان: صهيوني، أمريكي، غربي، قرصاني بريطاني، امبريالي، شيوعي ماركسي، أو إسلامي إرهابي متطرف، طالباني، بن لادني أو عدو مأجور مأفون عميل، مؤامراتي جاسوس داسوس..لا يهم، فلكل آوان أعداء، تم إحصائهم وإدراجهم وتصنيفهم بقوائم..أُعِدت سلفاً...
 
أي حاكم كان أو كائن، يريد، إلى جانب بقاءه، أن تكون هنالك دولة فاعلة.
 
المناط بهم شؤون الدولة، أي رجال النخبة، أخفقوا، وهم بكل بساطة من طينتنا وعجيننا.
 
صارت دول العربان (وكم أخجل من وضع النقطة على العين!)، تحتل المراتب الأولى في الفساد وانعدام الشفافية وانتهاك حقوق الإنسان والإصرار على ديمومة التخلف وإهدار المال العام، بل وحتى استلابه.
 
ليس بالضرورة الملام في ذلك الحكام وحدهم، بل المذنب، في اعتقادي إلى حد ما، النخبة، وبفعل، قد لا يكون إرادياً، من طبقة الحكام ذاتها، حين تعجز عن أداء متطلبات الحكم الرشيد، نحن، النخبة الخائبة، نرسّخ الترويع وخشية الحاكم، وبل وحتى في بعض بلدان بني يعرب (أو يغرب إن شئتم)؛ نمجد تقبيل الأرجل، ونطنب في المديح لدرجة القول بمقولة أن لا بشر سويّ، إلا هو! العاهل الوحيد الفريد..
 
الملوك والحكام والأمراء يذهبون.. تلك سيرة الأولين والآخرين، ولكن النكبة تكمن في أن النخبة تبقى، فهي ثقافة وتوارث، وهي دوماً حاضرة، ونـُخبنا، أيها السادة، يؤسفني أن أقول لكم، قاصرة، بالعث مليئة، وبحب الذات مستكينة، أين نحن من عظام رجال اليابان الذين أوفدوا للعالم للدراسة والتعلم، وعندما رجعوا، كان همهم الأول: تعليم من لم تتح له الفرصة، كانوا يرون إنجازهم في إيصال العلم، وليس الكسب ونيل الإشارة بالبنان.
 
تكون لدينا خطاب نخبة، نخبة تخاطب ذاتها، ولا تخاطب المواطن أو رجل الشارع، إما ترفعا وتعللا باختلاف المستوى، وإما بقلة الحيلة، ولا أدري كيف يتسنى لنخبة كهذه أداء دورها نحو شعبها الذي أنتجها، آملا في عونها للخروج من دائرة التخلف لمصاف التنمية والازدهار والعيش الكريم.
 
القول باختلاف المستوى باطل أساساً، فأي علم كان، سواء في الذرة أو الكيمياء أو الفيزياء أو الطب أو الفلسفة والأدب والنقد، إذا لم يكن المتكمن فيه قادراً على تبسيطه وجعله في متناول الفرد العادي، فلا أرى فيه ولا فينا خيراً.
 
فرانكلين روزفلت وأعضاء الكونغرس، إبان الحرب العالمية الثانية، لم يكونوا يفقهون شيئاً في القنابل الذرية، ولكن علماء ذلك الزمن استطاعوا تبسيط المعلومة وشرحها لهم، ففهموها وأيدوها وأصدروا القرار بصنعها!
 
الفلاح الكادح في تلال البرتغال أو اليونان لم يسمع أبدا بأرسطو، ولا بجان جاك روسو ولا الفارابي، ولكن مفكريهم استطاعوا إيصال المعلومة بالحق في الانتخاب.. وانتخبوا ...
 
أما نحن، فلا نتحدث إلا مع أنفسنا، ونتحاور حول التفكيكية وما بعد الحداثية والسيميائية والكرنكاطية، ومواطننا المسكين الفلاح أو راعي الإبل أو عامل اليومية لا يفقه شيئا مما نقول.
حظيت، أنا، في حياتي بالتعرف على أمثال هؤلاء ومحادثتهم.. المواطنون البائسون الذين لم ينالوا ما نلت من علم، هالني ما لديهم من حكمة واستعداد للإدراك وإبداء الرأي فيما كنت أقول، عندما أتمكن من تبسيطه لهم.. وصرت مقتنعا بأن أي علم آخر أو تخصص لو صيغت لغته على حسب المتلقي.. سيفهم.
 
نحن نتكلم هجيناً من اللغات، ونزهو بالمصطلحات.. عربية وإنجليزية وفرنسية وألمانية وإيطالية، أو خليط من الكل هردميس ...
 
بالطبع نفهم بعضنا البعض، فنحن متعلمون، ولكن الذين بفضلهم تعلمنا وتم بعثنا للدرس والتحصيل، لا نخاطبهم بما يفهمون، لقد اصطنعنا لغة غير لغتهم... وعجزنا عن التحدث بما نعلم بالطريقة التي تجب.
 
بمختصر القول، لقد فشلنا وانحدرنا واندحرنا، وانحدرت شعوبنا واندحرت، خبنا، وخاب حكامنا وعساكرنا، ولكن لا نفقه غير توجيه التهم للآخر..والآخر -أيها السادة- سواء كان من لحمتنا أو من بني الفرنجة والروم أو الأنغلوساكسون، له لغة وفهم، ويفهم أكثر مما نفهم نحن أهل النخبة الخائبة.
 
قد يقول البعض، وما عسانا نفعل؟ .. لسنا كلنا في ركاب الدولة، والرد بسيط، عندما نكون نخبة لا تفكر إلا في نفسها ومزاياها، مع السلطان كانت أو عنه بعيدة، لا تهتم كثيراً بغيرها من بني جلدتها، نعتقد أن غيرنا متخلف جاهل..وننسى أنه قد يكون أيضاً جائعاً أو مريضاً أو مجرد إنسان مسكين..
 
النخب العربية تتحمل معظم المسؤولية عن الحال الذي صرنا إليه..
 
أعترف، بحسباني من ضمن هذه النخب، بالذنب والتقصير، والأنانية، بل وربما بالنرجسية وعشق الذات.. وأطلب الصفح..وأتمنى، فقط أتمنى، أن يواليني غيري.. فلعلنا نتغير ونقوم بمثل ما قام به أهل اليابان وكوريا والصين وماليزيا والهند..
 
وإن كان لي ولأمثالي، بقية من عمر، ربما نستطيع! أما الخير والأمل فمعقود بالجيل الذي يلينا،
وأقول لإخوتي، من النخبة، بأن عصر عمر بن عبد العزيز وصلاح الدين أو قطز أو المعتصم، قد انتهى..أولئك رجال خرجوا في وقتهم، ووقتنا متاح للجميع أن يكون مثلهم..فلا تنتظروا أن يأتيكم أحدهم من جديد، ففي جيلنا الحاضر من يتربص.. وقد يستطيع! لعل من بيننا من يفذّنا بأفضل مما فعلنا..أو بالأحرى مما لم نفعل..
 
لي صديق يردد دوما أننا فقدنا الاتجاه منذ تحكيم عمرو بن العاص ما بين علي وابن سفيان، ويقول لي آخر، ممن يقر الهزيمة والفشل: لقد فقدناه منذ خطبة الوداع!
 
ولعل شباب اليوم يدرك مغزى رسالتي .. وأردف لهم:
 
تأملوا في ما فشلنا فيه..ولا تصدقوا أبدا أننا نجحنا في شيء..لم ننجح أبدا .... أحبكم كلكم يا سادتي وأرجو منكم الصفح والغفران..ربما لم أع من علمي إلا يقيني بتقصيري! ولكن القلب موهوب، ولا يزال يرف حبا .... ويسع الأرضين حبا..
 
ramadanjarbou@yahoo.con
 

* سبق نشر المقال بصحيفة القدس العربي 3/7/2008

 

التعليقــــــــــــــــات

 
محمد عياد العرفي: الكاتب الفاضل/رمضان جربوع ..  بعد تحية.....  ما ذكرته هو صواب بعينه ... لكن ألامل موجود... فلماذا الحكم بالفشل على الغد مثلا؟! من صعب وليس من المستحيل ... أن يأتى صلاحً أو عمراً .. ربما الغد.. رهان يفتح فيه .. أفواه المتشدقين .. المعتدين.. وترجع أيام الحقيقة من جديد... وتنطلق أقلام الكتاب في رحلة ... طويلة المدى! أعذرني سيدي فاضل ... على بعض العشوائية.... فأني والله أتمتع بمقالتك كثيرا وأتعلم من مدرستك النقدية الاختراقية... كل حرف.. ملموس كل كلمة صادقة.., تنبع من كاتب حقيقي. والسلام.

فوزي عبد الحميد/ المحامي/ لوزان: نحن الشعب الليبي قبلنا أعتذارك وتوبتك وتخليك عن السلطة من أجل الجيل الجديد.. والعاقل يفهم من المقصود !!
 

 

للتعليق على المقال
الإسم:
العنوان الإلكتروني:
التعليق

libyaalmostakbal@yahoo.com

 

جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع >>>> ليبيا المستقبل منبر حر لكل من يطمح ويسعى لغد أفضل لليبيا الحبيبة