29/08/2008

 كيف كنّا ... وكيف أصبحنا؟
الليبيّون ينتخبون آيزنهاور قبل الأمريكان!
 
بقلم: مفتاح السيد الشريف

أرشيف الكـاتب


 
الرئيس أيزنهاور يمزح مع الدكتور العنيزي في البيت الأبيض ويرى الدكتور فتحي الكيخيا خلف أيزنهاور.
 
هذه قصّة تُحكى للأجيال، وهي من النّوع الذي يطلق عليه (تأريخ ما أهمله التاريخ) وبطلاها هما:
 
1) الجنرال دوايت أيزنهاور- ولقُّب باسم آيك- وكان الرئيس رقم 34 في سلسلة الرؤساء الأمريكان، وحكم في الفترة من 1953 – 1961، وقد سبقه الرئيس ترومان الذي حدثت في عهده نكبة العرب الكبرى فلسطين، وهي ما برحت تتفاقم حتى هذه اللحظة.. وأعقبه الرئيس جون كندي.
 
وأثناء الحرب العالميّة الثانية، تقلّد أيزنهاور منصب رئيس أركان قوّات الحلفاء ضدّ المحور، فخطّط وأشرف على عمليّة غزو فرنسا وألمانيا عامي 1944 – 1945، ومن ثمّ تولّى قيادة الحلف الأطلنطي سنة 1949. ومن منجزاته عندما انتخب لرئاسة الولايات المتحدة الأمريكيّة: إيقاف الحرب الكوريّة - إعادة تنظيم ميزانيّة الدفاع لتركّز على الأسلحة النوويّة- أطلاق سباق الفضاء – توسيع الضمان الإجتماعي- تدشين بناء شبكة الطرق السريعة بين الولايات The high ways - ضمّ سنة 1959 ألاسكا لتكوّن الولاية رقم 49.
 
ويذكر عنه أنه عندما قاد معارك الحرب، واستعدّ للإنزال في نورماندي، أعدّ خطبة قصيرة– مقدّما قبل أن يعرف مصير الحرب- وكتبها من جزئين: الأوّل؛ أعلن فيه أنه سيتحمّل كافة المسئوليّات إذا ما أسفرت الحرب عن كارثة لقوّاته. ولكن بعد مدّة طويلة على الإنتصار الشهير الذي قرّر مصير الحرب والعالم، وجد أحد مساعديه في جيب قميصه الجزء الثاني من الخطبة الذي لم يُعلن عنه، وفيه قال:
 
"إن نزولنا على شاطئ شاربورج – هافر أصيب بالفشل لأننا لم ننجح في الحصول على موطأ قدم يرضينا، ولهذا قرّرت سحب القوّات. لقد كان قراري بالهجوم وفي هذا الموقع مبنيّا على أحسن معلومات متوفّرة. فالقوّات البريّة والجويّة والبحريّة بذلت كلّ ما يمكن أن تبذله من شجاعة وإخلاص. فإذا ما كان هناك أيّ لوم أو خطأ يقترن بالمحاولة، فهي مسؤوليّتي وحدي". أي أنه أعدّ مقدّما بيانا، يعلن فيه إنكسار قوّاته كأمر واقع قبل الإنزال!
 
2) الدكتور علي نور الدّين العنيزي الشخصيّة الوطنيّة الليبيّة المعروفة، ومن بناة دولة الإستقلال. وقد وُلد سنة 1904. وبعد تلقّيه للتعليم الأوّلي في بنغازي، أوفد للدراسة إلى كلّ من فلورنسا ونابولي بإيطاليا الدولة التي كانت تستعمر ليبيا، حيث حصل على شهادات عالية، ثم عيّن في وظائف إداريّة في ليبيا بعد عودته، من سنة 1931 إلى سنة 1941 تاريخ الإحتلال البريطاني الأوّل للبلاد، ومن ثمّ رحل إلى القاهرة ليختاره عبد الرحمن عزّام باشا أمين جامعة الدول العربيّة، سكرتيرا له للشئون الليبيّة، فلعب دورا نشيطا مع زعماء الحركة الوطنيّة الليبيّة في المهجر (الملك الرّاحل السيّد إدريس والسعداوي والمريّض وبن قداره وغيرهم)، وكان عضوا في وفد هيئة تحرير ليبيا إلى الجمعيّة العامّة للأمم المتحدة أثناء مناقشاتها المطوّلة لقضيّة إستقلال ليبيا. واشتهر لقيامه بإقناع منوب هايتي "إميل سان لو" لكي ينشقّ عن كتلة أمريكا اللآتينيّة ويصوّت ضد تبنّيها لمشروع بيفين- سفورزا الذي كان يدعو إلى تقسيم ليبيا بين بريطانيا وفرنسا وإيطاليا. وكان صوت"إميل سان لو" هو الذي أفشل المشروع، فمهّد بذلك لصدور قرار الإستقلال. وعندما نشب الخلاف داخل الحركة الوطنيّة الليبيّة عشيّة الإستقلال، ولعب أثناءها عزّام دور المحرّض، استقال د. العنيزي من عمله في الجامعة وانضمّ إلى صفّ التيّارات التي عملت على الإسراع في تكوين الدّولة الفتيّة، بعد جولة له في بنغازي وطرابلس، كتب عنها تقريرا موضوعيّا إلى عزّام عبّر فيه عن صدق مشاعره الوطنيّة وتأييده لمسار الحركة الوطنيّة. (لدينا نسخته الخطّيّة وستنشر في كتابنا عن الصراع من أجل إستقلال ليبيا).
 
ومنذ بداية الإستقلال إختار الملك الرّاحل السيّد إدريس الدكتور العنيزي ليعالج مشكلة العملة الليبيّة وتوفير مصادرها وغطائها، وانتخب عضوا في أوّل برلمان ليبي سنة 1952، ووزيرا للمالية في الحكومات الإتحاديّة المتعاقبة الثلاث الأولى، كما كان أوّل محافظ لمصرف ليبيا المركزي. وبعدها عيّن سفيرا في كلّ من لبنان والأردن، ثم استدعي سنة 1963 كوزير للبترول من 1963 – 1964 حيث ترك الوظيفة العامّة وتحوّل إلى النشاط الإقتصادي الخاصّ، وفيه تولّى رئاسة مصرف الصحارى وشركة ليبيا للتأمين والشركة الوطنيّة للملاحة، وأنشطة إقتصاديّة متعدّدة. وفي تلك الفترة من النشاط الدّؤوب ترأّس أيضا اللجنة الأولمبيّة الليبيّة، وجمعيّة الفكر في طرابلس. ولقد عرفته عن قرب ومن متابعتى لنشاطه لمست فيه روح الشباب المتجدّد والحيويّة الجيّاشة والتواضع الجمّ والبسمة الدّائمة ترتسم على شفتيه، وقد لازمته روح المرح إلى أن وافته المنيّة سنة 1983. ولعلّ القصّة التالية التي يرويها عنه أحد كبار الصحفيين الأمريكيين في الستّينات والسبعينات أسطع برهان على تميّز ليبيا برموز من أمثاله ستخلّد ذكراهم مدى الدهر.
 
بتاريخ 25 يوليو 1954 نشرت الوكالة الصحفيّة "بيل سينديكيت" تقريرا صحفيّا في باب "جولة ميري في واشنطن" كتبه "درو بيرسون (13 ديسمبر 1897 –1 سبتمبر 1969!)، وقد كان أشهر صحفي أمريكي خاض حملات ضدّ الفساد في مؤسّسات واشنطن، وكافح من أجل الديمقراطيّة وتصدّى لهجمات المكارثيّة. وجاء في ذلك التقرير الصحفي تحت عنوان كيف انتخب الشّمال أفريقيّون "آيك" رئيسا ما نصّه:
 
((عنما قام أبناء الملك إبن سعود بزيارة واشنطن، كانوا يرتدون أثوابهم الفضفاضة ويغطّون رؤوسهم بعقالات شيوخ الجزيرة العربيّة. ولكن الدكتور علي نور الدين العنيزي لم يكن من هذا الطراز. لقد انتعل حذاء أزرق من الجلد السميك، وارتدى بدلة صوف أنيقة من النوع المستعمل في البلاد الحارّة، وعلّق ربطة عنق ذات أربع طويات. لم يكن لديه ما يبعث على تذكّر الصحراء، ولا حتى حبّة تراب علقت بحذائه الأزرق. والأهمّ في الموضوع أنه سرد لأيزنهاور القصّة التي يحبّ سماعها قائلا له:"لقد إنتخبك الشعب الليبي رئيسا قبل أن ينتخبك الشعب الأمريكي"! وجاءت هذه الرواية خلال مأدبة غذاء أقامها (آيك) في البيت الأبيض. وهنا سأله الرئيس "كيف حدث ذلك؟" فأجابه وزير ماليّة ليبيا موضّحا :"في اليوم الذي سبق إنتخابات 1952، عُرض على مجموعة من الليبيين شريط سينمائي يشرح طريقة الإنتخابات الأمريكيّة. وكما تعلمون فقد كنّا في ذلك الوقت حديثي عهد باستقلالنا، ولهذا كنّا ندرس أساليب ونظم الإنتخابات. وما أن إنتهى عرض الشريط، حتى طُلب من المجموعة أن تنظّم إنتخابا مقلّدا بينك وبين ستيفنسون (يقصد أدلاي ستيفنسون مرشّح الديمقراطيين). وقبل أن تبدأ العمليّة التمثيليّة، نهض أحد شيوخ البدو البارزين القادمين من طبرق ليشتكي وبصوت عال من المعاملة التي تلقّتها الأقطار العربيّة من الرئيس الديمقراطي السّابق ترومان. وطبعا جرى التذكير بك كبطل لحملة شمال أفريقيا"، واستطرد الدكتور العنيزي شارحا : "ومن ثمّ جرى عدّ أصوات المقترعين فكانت بالإجماع لصالحك - فيما عدا صوتين إثنين". وهنا ختم الدكتور العنيزي القصّة معبّرا عن أسفه قائلا "حين أجري فرز سريع لأعضاء المجموعة، أكتُشف أن شخحصين منهم كانا أميريكييّين"!
 
لقد كانت ليبيا سنة 1954 من أفقر دول العالم، لا بترول ولا غاز، ولا تتجاوز ميزانيّتها 8 مليون دولار، ورغم أن شعبها ما فتئ مثخنا من فظائع إستعمار فاشي بغيض، وأهوال الحرب الكونيّة الثانية التي دمّرت مدنه وشرّدت وقتلت من بقايا أهله، إلاّ أنه خرج فتيّا معتزّا يستنشق نسائم الحريّة ويرسي دعائم دولة عصريّة بمؤسّسات ديمقراطيّة بدأت تشقّ طريق التجربة. ورغم ذلك يستقبل رئيس البيت الأبيض مسئوليه ويستضيفهم على مائدته، ويغمرهم بالودّ،. وأشهر صحفي العاصمة الأمريكيّة يطري وزير ماليّة الدولة النامية، ويعُجب بهندامه وروحه المرحة، بالمقارنة مع أقرانه من الأشقّاء الأغنياء في الشرق! وحتى لو عُرف عن الصحفي تهكّمه ونقده اللاّذع لأيزنهاور، حسبما عبّرت الملاحظة الأخيرة من مقاله، إلاّ أن إطراءه وإعجابه بالمسئول الليبي يظلّ صادقا حريّا بالذكر والتنويه والإعتزاز.
 
واليوم نقرأ أن وزير خارجيّة نفس الدولة التي أصبح وزير خارجيتها يحمل لقبا شبيها آخر، وخزانة حكومته تمتلئ بأكثر من ثمانين ألف مليون دولار سنويّا، قد سافر إلى نفس العاصمة الأمريكيّة، بعد أن سبقته أربعة آلاف مايون دولار صبّتها حكومته في جيوب الأمريكيين، مقابل صفح عن جريمة غامضة المعالم والأركان، وبعد أن سلّمت حكومته لسيّد البيت الأبيض برامج مخطّطها النووي، وما امتلكته من صواريخ بعيدة المدى مرفقة بما لديها من قوائم الشبكة الدوليّة للإرهاب الحقيقي والمزعوم.. ورغم ذلك لا يُسمح له بدخول مكتب وزيرة الخارجيّة الأمريكيّة إلاّ من الباب الخلفي، ويُحرم على الصحفيين أن يلتقطوا لهما صورة اللقاء التقليديّة ودون ظهور أمام الصحفيين في مؤتمر مشترك، بل وبدون صدور بلاغ رسمي عن فحوى المقابلة. وهاهي ذا الوزيرة التي تغزّل في مناقبها حاكم قذّافيستان، وسعى أعوانه وسخّروا شركات الإتصال بالملايين لأكثر من سنتين، لم تقرّر التكرّم عليه بالزيارة إلاّ بعد أن اعتصرت من ميزانيّة ليبيا أكثر من عشرين ألف مليون دولار (وهذا ليس خطأ أو مبالغة!) إضافيّة، وتعهّدات بعقود في كافة المجالات، وتعهّدات أخرى لا نعلمها.. أفليس الأمر جديرا بالمقارنة بين أمس ليبيا الغابر، بعد مرور أربعين عاما (مع الإطلالة!)، وحاضرها الأغبر؟
 
مفتاح السيد الشريف
 

 
تعليقات القراء

 
للتعليق على المقال
الإسم:
العنوان الإلكتروني:
التعليق

جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع >>>> ليبيا المستقبل منبر حر لكل من يطمح ويسعى لغد أفضل لليبيا الحبيبة
 

libyaalmostakbal@yahoo.com