09/08/2008
 

خطاب سيف وما يجب عـمله لدرء الواقعـة ! *
 
بقلم: رمضان جربوع

أرشيف الكاتب


 
دون شك، خطاب السيد سيف الإسلام القذافي الأخير يستحق الإشادة به في معظم جوانبه والتعليق عليه، وكذلك إضفاء ما قد يتمناه المواطن كإسهام، وهو حق رجع إلينا (نسبيا)، أعني حق إبداء الرأي، دون أن تتم جرجرتنا إلي حيث كان يُجرجر الناس في بلادنا، ليبيا الوطن، التي نحبها على الرغم من كل شيء.
 
لأول مرة يعلن علنا عن اختطاف شيخ من شيوخ الدين الأجلاء وقتله غيلة، هو الشيخ محمد البشتي -رحمه الله-. ثم ورد الحديث عن مذبحة معتقل "بوسليم"، وكل ذلك كان في سياق عرض الحقيقة في سبيل التصالح وطي صفحة الماضي. الخطاب في مجمله كان معتدلا متوازنا، لا استعداء فيه، على غير خطابي السيد سيف الإسلام في السنتين الماضيتين، فلم يوجه التهم والمطاعن بذات الحدة. وهذا في حد ذاته دليل على استمرار نضج ووضوح الوعي، ومن ثم تصور الحلول، وهو فيما أحسب: النقد البناء.
 
إلا أن الخطاب وفحواه، شأنه شأن أي خطاب، من أي إنسان كان، لوحظ فيه غياب طرح برنامج محدد المعالم والمواعيد للمضي قدما، وربما يكون ذلك قيد الإعداد، ومن هنا ارتأينا إبداء بعض الرأي والرؤية.. وليت غيرنا يفعل أيضا:
 
المصالحة والالتفات نحو الغد..
 
ليس هناك من يرفض التصالح. ولا أحسب أن ثمة ليبياً، في الداخل أو الخارج، إلا ويحمل هم وطنه، وإن اختلف ليبي عن ليبي في الرؤية والرأي، ولكن ...
 
لكي نسير في طريق التصالح بنجاعة، لابد من الإشارة إلى أن جزءاً كبيراً من مواطنينا، إن لم يكن جلّهم، لم تعد لهم ثقة كاملة في مؤسسات الدولة، وما تعد به عودا وتكرارا على مضي سنوات، بمعنى أننا في حاجة إلى خطوات شجاعة، ضمن برنامج محدد، يهدف لإقناع الناس بأن هذه المرة هي الصادقة، وأن الوعد سيكون نصيبه الوفاء. ولحل هذه الإشكالية لنرَ ما يمكن عمله... بل ما يجب عمله:
 
الخطوات العملية
 
تعرض الآلاف من المواطنين للعسف والجور والظلم والقمع والإقصاء ومصادرة الأموال والإفقار والمهانة والسجن. وهذا الأخير بلغ بعضهم قابعا فيه ما يزيد على ربع قرن، ثم القتل والتمثيل بالجثامين. معظم ما حدث كان بجنوح وتهور واندفاع، لم يكن له من داع. كان من الممكن التعامل بروية وقانون، بل كان ما حدث عبارة عن ردود فعل غير عقلانية، ولم يحدث أبدا بحث في سبب حدوث الأفعال الأصلية من الطرف الآخر، والذي هو باختصار – حسب رأيي – حجب الرأي المختلف والتصنيف ورمي تهم الخيانة والعمالة.
 
تولـّـد الغبن والضغينة ثم التباشير!
 
لن ندخل في تفصيل الأفعال وردود الأفعال، فليس هذا محله، ولكن ما حدث أدى لولادة ضغائن وغبن وشعور بالظلم والإحباط، دفع بمعظمنا للانزواء قابعين في بيوتنا ساكنين، ولا فخر لنا في ذلك! كنا نتعلل بالأسرة والأبناء والبنات والمسؤوليات وعدم وضوح الرؤية، ومن ثم تناصحنا بالانتظار، لعل الفرج يأتي عقب الضيق. طال الانتظار أمدا طويلا. ولله الحمد والمنة ها قد لاحت بشائر إصلاح واستدراك وإعادة نظر وتوقف لمراجعة المسيرة، وسمح لنا بالحديث و"الكـِـتيبة"، بل وفتحت الانتيرنيت على مصراعيها استقبالا وإرسالا، وصدرت صحافة من نمط جديد، تحمل الرأي والرأي الآخر. وهذا حيز من الحرية تجاوزنا به العديد من الدول العربية، وهي نقطة تحسب لسيف الإسلام والقيادة. لذا نرى أنه من الواجب العودة لأداء الواجب الذي حرمنا منه أمدا طويلا، عسى أن يخرج من مضاهاة الآراء ومقابلة وجهات النظر خير..
 
استعادة ثقة المواطن بالدولة:
 
نعود لأسلوب استعادة المواطن ثقته في أجهزة الدولة، وهذا يتضمن حسب ما نرى:
 
– كل من تجاوز حدوده وتهور في معاملة المواطنين، ضربا وتعذيبا وسجنا، بل وحتى قتلا نتيجة لذلك، يجب أن يخرج علناً باسمه وصورته ويعترف أمام الجميع (على التلفزيون) بما ارتكب، ويسمي أسماء الضحايا. وحبذا لو كان ذلك في حضورهم، ويطلب الصفح منهم. وما أحسب أي مواطن تعرض لظلم وأهين في كرامته وتعرض لأذى وحرمان من حقوقه، يسمع ويشاهد جلاده يطلب صفحه إلا ويلبي ذلك. هكذا هي قيمنا وثقافتنا الاجتماعية، هذه خطوة أولى تليها:
 
– جبر الضرر حتى يرضى المظلوم، ونحن لا نرى في أنفسنا شأنا أقل من غيرنا الذين يجري تعويضهم على قدم وساق هذه الأيام.
 
– كل متجاوز أو جانح أو متهور، سواء من منحرفي اللجان الثورية، الذين اندسوا عليها، أو من بعض المرضى في الأجهزة الأمنية، الذين فعلوا ما فعلوا من دون سلطان، ولم يكن فعلهم إلا اجتهادا وطمعا في صعود السلم ونيل الحظوة، أو نتيجة لعقد نفسية لا تؤهلهم لشغل مناصب بمثل هذه الحساسية والخطورة، يجب أن تتم محاسبتهم. وإن كنت أرى شخصيا أن يتم ذلك من قبل أناس من داخل هاتين المؤسستين، يخافون ربهم أولا وآخرا، فنحن لم نعد نحتمل مشاهدة محاكم، ولا أعتقد أن أياً منا يبحث عن انتقام أو تصفية حسابات. لقد فعل هؤلاء ما فعلوا في كنفكم، فعليكم أنتم بهم. فقط لا نريد أن نراهم متبوئين مناصب من جديد.. نريد أن يكفوا عنا شرورهم فحسب، ولكم أنتم القرار فيما فعلوه، فقد الحقوا الضرر بكم أيضا وبسمعتكم ومهنيتكم.
 
– كل من تولى منصبا في أي مؤسسة تتبع الدولة، من الوزارة إلى الجمعية الاستهلاكية، وصال فيها وجال ونهب وتشدق وادعى بــ "الثورية"، لا مكان له في مثل هذه المناصب في عهد الإصلاح. الناس في ليبيا تعرف كل شيء، وكل شخص أثرى على حسابهم، فرؤية هؤلاء على الشاشة يتمايلون كديوك الحبش، ويتفاخرون بإنجازات لا توجد سوى في مخيلاتهم، لن تكون له نتيجة إلا أن المواطن سيشعر بالامتهان، وبأن القوم يسخرون منه!.. المعادلة بسيطة: من أفسد لن يستطيع إصلاحا، ومن ظلم لن يحسن عدلا، ألا فليرتاحوا ويريحونا. ومن لم يفعل شيئا وسكت وسكن، واستمتع بالمزايا، ولم يعترض أو يبدي رأيا، فهو مذنب أيضا، فليرتح هو الآخر! الحمد لله بلادنا زاخرة بذوي العلم والخلق.
 
العبرة بالاعتراف العلني ثم التصالح
 
لقد حدث ما حدث، وحدث أيضا في بلدان أخرى، تعرض شعب جنوب أفريقيا لأهوال من وحوش المستعمر الأبيض، لا تقاس بما عانيناه نحن، فنحن على كل حال نبكي على فقدان عزيز أو زوج أو ابن، وفقدان مستقبل مشرق وضياع فرصة نهوض، بينما هم هناك في جنوب أفريقيا، كانوا يتعرضون بجمعهم لعمليات إبادة لا يقر لها قرار. وعندما حانت ساعة التغيير، كان نيلسون مانديلا أسداً، خلقا وحكمة، خلص بحكمته إلى جلسات استماع الاعتراف وطلب الصفح، وتصالح السود مع البيض.. وهاهم يعيشون جنبا إلى جنب، بلا ضغائن ولا حتى شعور بغبن ...
 
وهكذا أيها السادة لكي نطوي الصفحة ونشرع في صفحة الغد، لابد من استعادة ثقة الناس وجبر ضررهم وإعادة شعورهم بكرامتهم، كبني بشر من سلالة سيدنا آدم ...
 
عن مؤتمر عام للمصالحة ولزوم الدستور
 
تقدم البعض بمقترح عقد مؤتمر عام للمصالحة الوطنية. ولا أرى بأسا في ذلك، بل إني أحبذه، وإن كنت أخشى فقط أن تتحول الفكرة إلى مجرد لائحة أو مرسوم بقانون، يشرع فيه، ثم يطوى في الأدراج. لعقد مؤتمر عام للمصالحة لابد أولا من إيجاد مؤسسات دولة ذات فعالية واستقلالية في اتخاذ القرار وإنفاذه. بعبارة أخرى لابد لنا من دولة ذات مؤسسات محددة المعالم، تخرج من ثنايا دستور، يحرره المواطن، ويعتمده وينفذه ويعمل به في كافة أعمال الدولة، وتكون للمواطن سلطة الرقابة والأمر والتعيين والعزل.... والمواطن هنا بمعنى الشعب! وفي جميع الأحوال لا مناص من العمل على استعادة ثقة هذا المواطن بأن الأمور أخذت في الانصلاح، وأن وعد الثورة قد أوشك على الخروج للتنفيذ، فما أحسب أيا منا في بداية الثورة كان معارضاً لها، إلا البعض لرؤى أو مصالح أخرى، ولكن بعض الذين التحقوا بالركب لم يكونوا كلهم بمستوى المبادئ والأهداف التي أعلنت علينا ذات يوم!
 
أنا هنا لا أطعن في جمع، ولكن شأني شأن كل من عاش في هذه البلاد، تعلمنا بأن ثمة دائماً بذرة حسنة وأخرى خبيثة، ألا فلنجتث الخبيثة، ونفرز الغثة من السمينة، فوالله إن طال بقاء الجانحين فسيحيلون أرضنا إلى غثاء أحوى ولا يبقون ولا يذرون!
 
المهمة صعبة .. ولكن!
 
أعلم بأن مهمة الإصلاح صعبة وطريقها شاق، ولكن إن استعادت الدولة ثقة الناس بها، فسيلتفون مع بعضهم البعض، ويأتون للساحة، وسيعملون، وستتحول ليبيا إلى البلد المأمول. فولله لم ينقصنا الرب شيئا، لدينا المال والرجال والأرض والقيم والأخلاق والعلم والخبرة، وحاملو هذه منهم شباب لا ينتظرون سوى صفارة الانطلاق ... أي عندما تعود ثقة المواطن بالحكومة والقانون ورجال القانون.
لا ضير عندي في أن تطرح اللجان الثورية فكرتها النظرية، ومأخذي إنما يتعلق بانزلاقها عن مسارها وحيدها عن الطريق القويم، بفعل فاعلين ممن ذكرت أعلاه، فعندما أقرأ النصوص الرسمية في كتاب الفكر الجماهيري المقرر على طلبة سنة أولى جامعة لا أجد فيه سوى وصف أهل الجنة، وإليكم بعض هذه النصوص:
 
"الثوري كل من ينظم في إطار حركة اللجان الثورية وهو ما يجعله قدوة في المهارة والمسلك ومثالا للإنسان النموذجي الجديد الملتزم خلقيا وقوميا وثوريا .."
 
"...هو المبشر بعصر الجماهير، وهو كذلك البعيد عن المصالح الذاتية، والمتفاني في خدمة مصلحة الجماعة، وهو الذي يعمل بصمت وجد بعيداً عن الاسترخاء والاتكالية... (و) الإنسان الذي يريد أن ينضم إلى اللجنة الثورية لابد أن يضع في اعتباره أنه لا يملك سلطة، وأن هدفه هو ترسيخ سلطة الشعب الذي لا سلطة لسواه، حيث إن إن اللجنة الثورية ليست حزباً ولا قبيلة ولا غير ذلك من..."
وفي موقع آخر "عضو اللجنة الثورية هو أول من يفيد، وآخر من يستفيد".
 
لا مراء في أن مواصفات مثل هذه في منتهى الروعة، أليس كذلك ؟ ... للأسف الذين يحملون هذه الصفات لم يكونوا هم الذين تولوا الدفة ... لقد تولاها، أحيانا، آخرون
 
"القوم" متربصون لنا
 
قد يعتقد البعض أنا ما أطالب به ترف وترّهات أحلام، ولكن للأسف الأمر ليس كذلك، نريد إصلاحاً، ونريد دولة ذات مؤسسات، يسودها القانون، لأننا في حاجة لذلك، لكي نقوم من بعض عثراتنا، ولكن أيضا لأن هذا، بالمصادفة، هو مطلب صار ملحا من قبل المجموعة الدولية في عصر العولمة، الذي أطل علينا على حين غرة، ولسنا مستعدين له. ولما كنا للنفط والغاز من الحائزين، ولموقع جغرافي حساس وخطير نحن فيه موجودين، فسيأتي "القوم" مطالبين بأن ينصلح حالنا، لكي نلتحق بركب أمم العولمة. ولا مناص لنا من التعامل معهم. ولكي نكون لاستقلال كامل من الحازئين، ولكي نكون مستقلين في حدود "قواعد اللعبة" المسموح بها لأمم من أمثالنا.
 
وإذا لم نفعل ما يجب فعله لكي ننهض ويستقيم حالنا، فسيأتي القوم ليجعلوا حالنا على "هواهم" ... فمن ذا الذي سيعيقهم ؟ ...
 
نستطيع أن نكرس جهودنا في تنمية البلاد والبشر الذين يعيشون فيها، ونتعامل مع الجمع الأعم بثقة ومقدرة.. بعد التصالح والمصالحة الوطنية المنشودة كما بينت.. وأحذر من جديد.."القوم" متربصون... أفلا نسد عليهم الطريق؟ ونصلح حالنا بأنفسنا ؟
 
بقي لي الإشادة من جديد بحرية التعبير التي أتيحت في الصحف ومواقع الانتيرنيت، ولكن بقدر ما توهجت الانتيرنيت بحرية الرأي، خفتت الشعلة في صحف الغد، فلقد لاحظنا في الفترة الأخيرة أن بعض منها وعلى الخصوص "قورينا" التي صدرت تحت شعار "الرأي للجميع" والرأي والرأي الآخر، أخذنا نشاهد "الرأي" ولم نعد نشاهد "الآخر" إلا لماما ، ألتمس للإخوة القائمين عليها العذر فربما الأمور لا تزال قيد الترتيب، ولا يسعني سوى شكر السيد عبد الباري عطوان ناشر صحيفة القدس العربي (صحيفة كل العرب الحقيقية) وكافة مواقع الليبيين في الداخل والخارج ولهم مني كل تقدير واحترام ومحبة.
 
ramadanjarbou@yahoo.com
 
 

* سبق لي نشر هذا المقال بصحيفة القدس العربي/ لندن 7/8/2008
 

 


 

التعليقــــــــــــــــات

 

Libyan brother in exile: Mr Jarbou.. All what you wrote is sensible and I would say it sounds more of a proposal paper for discussion rather than an article. You remember our wise countryside people used to have a saying: " Spring if it is good can appear at the entrance of the tent / home." I believe that most libyan people know the meaning of this famous countryside saying. However briefly It means if there is any good of something or someone coming it should be felt or noticed even before such a good thing materialised. Forgive me to say that I am one of those libyan people who has his doubts and fear of the Gaddafi's regime regardless of whatever they promise or say. Their history is full of evidence to confirm my doubts. But I still have minimum percentage of hope and that is conditional with the wish of seeing and  hearing Gaddafi himself admitting publicly all the crimes committed against all of us (the libyan people) and releasing all political prisoners without any exception and most of all accepting responsibilty for all of that as a leader of the country. Only then you could say yes Gaddafi & Co mean to correct the horrible past and really want to start rebuilding what they have destroyed. Thank you.
 


 

للتعليق على المقال
الإسم:
العنوان الإلكتروني:
التعليق

libyaalmostakbal@yahoo.com

 

جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع >>>> ليبيا المستقبل منبر حر لكل من يطمح ويسعى لغد أفضل لليبيا الحبيبة