16/09/2008

"العاصية" تفقد تاجها *
بقلم: هشام بن غلبـون

 

 
هدم ضريح سِي عمر المختار، يُعد أكبر إهانة يلحقها القذافي بمدينة بنغازي منذ أن أمر باستخراج رفات شيخ الشهداء من ترابها قبل 20 سنة وإعادة دفنه بمنطقة سلوق النائية. فلطالما افتخرت المدينة باحتضانها جثمان الشيخ البطل، وتزينت بضريحه الجميل المتواضع، الذي كان بمثابة تاج على رأسها.
 
والضريح كان آخر رموز المدينة ومعالمها التي نجت من حملة المسح والتدمير التي تعرضت لها هذه المدينة التي يسميها القذافي في مجالسه بـ "العاصية". فالعائدون من زيارة الوطن بعد أن ابتعدوا عنه لسنوات طويلة يتحدثون بأسى عن ضياع تراث هذه المدينة ورونقها، واختفاء جميع رموزها الدالة على تراثها وعراقتها. ابتداء من مركزها التجاري العتيق الذي كان يعرف منذ العهد العثماني الثاني "بسوق الظلام" إلى الشجرة التي كانت تتوسط ميدان "عمر طوسون" الذي صار يعرف بها. ومرورا بأسماء جميع شوارع وأزقة المدينة القديمة وأحياءها التي كانت تحمل أسماء الأسر والعائلات التي قطنتها منذ أن شاركت في تأسيس المدينة.
 
وهذه الظاهرة ليست بدافع كره العقيد لـ "العاصية" وحقده عليها فحسب، وهو الأمر الذي تجلى لأول مرة في محاولته الخبيثة اليائسة للإيقاع بين أهلها من "البوادي" و"الحضور" أثناء أحداث الطلبة سنة 1976، بل هي سياسة مدروسة ومخطط لها تخطيط دقيق، تطبق في جميع أنحاء البلاد الغرض منها طمس وإلغاء كافة الرموز والمعالم البشرية والحضارية والثقافية التي من شأنها تنمية وتوطيد علاقة المواطن بوطنه ـ بصرف النظر عن شكل الدولة ونظام الحكم القائم فيه ـ وربط الوطن بشخصية القذافي ونظامه، ومن ثم حصر الوطنية في الولاء له وحده. وقد استُهدفت مدينة بنغازي بصفة خاصة بهذه السياسة كونها معقلا لمناهضي النظام منذ البداية، ومسرحا لمواجهات دامية و متوالية مع أجهزته الأمنية.
 
والشواهد على هذه السياسة الشيطانية كثيرة وواضحة. إذ لم ينج منها حتى اسم البلاد الذي تغير إلى "الجماهيرية" بدلا من ليبيا، ولا أسماء مدنها الرئيسية (البيان الأول، النقاط الخمسة، الشرارة الأولى، الخ…). وكذلك علمها رمز سيادتها واستقلالها، الذي استُبدل بخرقة خضراء لا تعني شيئا للمواطن ولا تمت للوطن وتاريخه بأية صلة. بل أن خريطة البلاد نفسها أصبحت مرهونة بالتقلبات السياسية الخاضعة لمزاج العقيد. بينما تُجنـّد آلة النظام الإعلامية الرهيبة لمحاصرة عقل المواطن وسمعه وبصره، بصور العقيد "بطل النصر والتحدي" و "مقولات الكتاب الأخضر" و "الفاتح العظيم" و "النظرية العالمية الثالثة" و"فكر القائد" وغيرها من الشعارات الصاخبة. مما أدى إلى فقدان المواطن لشعوره بالانتماء إلى الوطن وانعدام غيرته عليه بسبب مقته للقذافي ونظامه. كما سهل على النظام إلصاق وصمة الخيانة للوطن بكل من يعارضه ويتصدى لممارساته.
 
ولا يخفى أن خطورة هذه السياسة على الأمد البعيد ـ ما لم يتم تداركها ـ أنها ستؤدي حتما إلى إلغاء دور التيار الوطني البحت في التصدي إلى النظام، بالإضافة إلى ترك مصير الوطن تحت رحمة المغامرين والمتصارعين على السلطة.
 
ولعل احتجاجات جماهير النادي الأهلي على تدخل الساعدي، ابن العقيد ورئيس الاتحاد الليبي لكرة القدم، السافر في تحديد مكان ونتيجة المباراة التي حُسمت لصالح فريقه، مما أدى إلى هبوط النادي العريق إلى الدرجة الثانية، والتي تحولت إلى مظاهرات حُطمت فيها صور القذافي ونودي فيها بسقوط النظام، هو ما قدم للنظام الذريعة للإقدام على هذه الجريمة النكراء في هذا الوقت بالذات. خاصة في ضوء ما قام به البعض من ربط بين الحادثتين، وتاريخ النادي الذي أسسته جمعية عمر المختار إبان عهد الاستعمار الأجنبي للبلاد كغطاء رياضي لنشاط سياسي محظور. ويدعم هذا الربط إقدام النظام على هدم النادي يوم الجمعة أول سبتمبر الجاري.
 
إن مدينة بنغازي- شأنها شأن سائر مدن ليبيا المجاهدة- ستظل عاصية للقذافي، كافرة به وبدجله، وبكتبه الخضراء والصفراء. ومثلما انتقمت لـ "سي عْمرّ" من "الدوتشي" فإنها ستنتقم له من "الدجال". 
 
هشام بن غلبـون
16 سبتمبر 2008
مانشستر/المملكة المتحدة
hishaam2@lcu-libya.co.uk
 

 *سبق لي نشر أصل هذه المقالة في سبتمبر 2000 عقب جريمة هدم ضريح شيخ الشهداء (رضي الله عنه(.

تعليقات القراء

للتعليق على المقال
الإسم:
العنوان الإلكتروني:
التعليق

جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع >>>> ليبيا المستقبل منبر حر لكل من يطمح ويسعى لغد أفضل لليبيا الحبيبة
 

libyaalmostakbal@yahoo.com