08/09/2008

 
رحيل حارس الوردة
 
بقلم: مجاهد البوسيفى

أرشيف الكاتب


بأكبر قدر ممكن من التجاهل الرسمى غادر على صدقى عبدالقادر الحياة الفنية ليدخل تاريخ الادب الليبي والعربى والإنساني فى المستقبل وليبقى وصمة عار فى جبين دولة الفوضى والحقد على كل ماهو اصيل.
 
لقد كان صدقى عبدالقادر بوردته الحمراء وشعره السابق لعصره وطيبته المتناهية واخلاصه لمشروعه الكتابى وطريقة عيشه البسيطة التى على حافة الفقر مشروعا مناقضا للسائد الليبي المقام على التزلف والنفاق والنهب والمدح الرخيص، ولاشك ان وفاته مثلت خلاصا رخيصا للعديدين من الذين يرون فى مجرد ان يدب مثل هذا الكائن الشفاف على رجليه كشفا يوميا لممارساتهم الرخيصة التى ترتكب فى كل لحظة باسم الادب والثورة والتغيير، الكائن المديني فى زمن البدونة، والفقير الذى فضل بساطة العيش فى وقت يكسب فيه انصاف الموهوبين ثروات تتراكم باسبالهم شرعية ثقافية مزيفة على مشروع الهدم المستمر الذى يجرى فى ليبيا منذ عقود، وهو العصامى الذى يسكب عيشه من شقاء يومه فى زمن الفهلوة والقفز على المراحل والتقارير، لقد كان غريبا بوردته وطريقة حياته ومبادئه واطروحاته الشعرية وكل تفاصيله المناقضة للسائد الرخيص.
 
الموت حق، وكأس تدور على الجميع، لكن مايملأ النفس مرارة وحزنا إضافيا تلك الطريقة التى عومل بها هذا الشاعر والإنسان الكبير طوال فترة مرضه والتى تميزت بالتجاهل المقيت واصرار خبيث على قتل الشاعر يوميا بتحسيسه بعدم جدوى ماقدم وبعدم قيمة ماعاش من اجله وغرس نصل النكران والانتقام الرخيص فى قلبه الشفاف حتى لايغادر هذه الفانية إلا وهو مكلوم ومثخن بجراح الروح والجسد.
 
لأشهر بقى على صدقى عبدالقادر مرميا فى عيادة خاصة تحمل اصحابها مشكورين تراكم ديونه المادية بينما بقت مشاعره المرة تتناسل داخله دون ان تجد مخرجا يخفف آلام احتضاره الطويل، لقد دعوت الله دائما ان يمنحه الراحة الابدية فى افضل ظرف ممكن، وكنت اخشى دائما من وقوعه فى براثن طاحونة الفوضى التى لن ترحم شيخوخته وحيائه ونفسه العزيزة التى تقف على شاطىء العفة، لكن القدر شاء ان يكون الطريق لغيابه وصمة عار اخرى فى جبين دولة التصحر الثقافي والانتقام الرخيص من كل مايمثل المدنية والشعر والمحبة والعفاف.
 
لقد عجزت الدولة التى يبلغ ريعها عشرات المليارات عن دفع فاتورة علاجه، فالنهب المستمر منذ عقود خلق ثقافة جديدة مستلة من ثقافة الغزو والقبيلة وكره المدينة وكل مايشى بالمحبة، وبينما تصرف مئات الالوف من الدولارات على المنافقين، وتنثر الهدايا والاموال على فنانات الدرجة العاشرة الذين يأتين بدعوات خاصة لحفلات خاصة ولأناس خاصة، يموت شاعرنا الكبير فى كنف الفقر والتجاهل بعد ان عجر محبيه وتلاميذه عن توفير ادنى درجات الاهتمام له، ولهم العذر فى ذلك فهذه هى دولة الكذب والفوضى والفهلوة حيث لامكان إلا لمهرجانات التنجيع الشعبى التى يكذب فيها مريدوها فى كل حرف، وينافقون فى كل خطوة، ويزيفون التاريخ الفنى والادبى للبلاد فى كل تجمع.
 
ورغم كل هذه الطعنات الغادرة فقد تمكن شاعرنا الكبير من توجيه ضربة نهائية قاضية لدولة الكذب والبدونة عندما اختار ان يغادر الفانية فى اول يوم من سبتمبر ليكون رحيله المحزن اعلان اخير منه بانه غير معني بهذا الكرنفال المزيف، فبينما كانت مجاميع الرياء تدبك وتهتف لمشروع الثورة المضلل كان شاعرنا يمضى نحو الجانب الآخر من الحياة فى إشارة قدرية واضحة لكبرياء النص وعزة النفس، وعدم المبالاة بلوك الشعارات ومضغ الاكاذيب، متأكدا من انه سيعيش اطول من متجاهليه، وستبقى نصوصه نبراسا يضىء شرف الكلمة وعفتها، بينما سيذهب اعداء مشروعه إلى هامش التاريخ والحياة طال عبثهم ام قصر.
 
رحمك الله ايها الشاعر الكبير، ولعن قاتليك فى الحياة، وعاش شعارك الخالد، ليحيا الحب ولتسقط كل مفردات الكراهية التى يحاولون زرع بذرتها الكريهة فى ارض ليبيا بكل الطرق الرخيصة.
 
مجاهد البوسيفى
 

تعليقات القراء

للتعليق على المقال
الإسم:
العنوان الإلكتروني:
التعليق

جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع >>>> ليبيا المستقبل منبر حر لكل من يطمح ويسعى لغد أفضل لليبيا الحبيبة
 

libyaalmostakbal@yahoo.com