مقتطفات من كتاب "حكومة حسين مازق.. وقائع وتطوّرات"
بقلم: د. محمد يوسف المقريف
 
مشروع إدريس للإسكان
 
يصف الدكتور راؤول فارلي في كتابه القيِّم "التخطيط من أجل التنمية في ليبيا"[1] جانباً من حالة المساكن في ليبيا غداة الاستقلال بالعبارات التالية:
 
"إنَّ الغالبية الساحقة من السكان كانوا يعيشون في ظروفٍ سكنيةٍ على درجةٍ كبيرةٍ من الزراية، وفي بداية الاستقلال كان هناك في مدينة طرابلس ما بين (8,000) و(10,000) ليبي يعيشون في خمسة معسكراتٍ بُنيت على عجل قبل ثلاثين عاماً على الاستقلال. وقد كانت هذه المعسكرات مكتظَّةً بالسكان، وفي معظمها دون تهويةٍ ودون مرافق، ولم تكن سوى صفيحاً صدئاً، مهدَّمة الجدران، منهارة الأسقف. وكانت الحياة في هذه المعسكرات مدعاةً للانحراف وعدم الرضى والسخط الاجتماعي .. وفي المناطق الجبلية اتَّخذ الأهالي من الكهوف سكناً لهم، وهذه الكهوف ينقصها الهواء وضوء الشمس .. وفي بقية أجزاء البلاد اتَّخذ المواطنون من الخيام مساكن لهم هرباً من زحام مدن الصفيح والكهوف الجبلية... وقد قُدِّر عدد الأسر التي لا تملك مأوًى من أيِّ نوع في مدينة طرابلس وضواحيها في عام 1954 بنحو (3591) أسرة ..".
 
وقد ازداد الطلب على المساكن، وبالتالي ازداد حجم مشكلة توفير المساكن في البلاد بسبب جملةٍ من العوامل كان من بينها:
  • الزيادة السنوية في عدد السكان والتي كانت بمعدّل (1.1%) سنوياً.
  • هجرة أعداد كبيرة من سكان الدواخل فور حصول البلاد على الاستقلال بحثاً عن فرص التوظّف والعمل وانجذاباً لحياة المدن.
  • هجرة المزيد من سكان الدواخل إلى المدن في أعقاب شروع شركات البترول في نشاطها.
  • الليبيّون العائدون من الخارج بعد حصول البلاد على استقلالها، وقد قُدِّر عدد الليبيّين العائدين من تونس وحدها بنحو 27.000 شخص، أمَّا إجمالي العائدين من مختلف بلاد الهجرة فقد بلغ نحو 54.000 شخص.
  • الزلزال الذي ضرب مدينة المرج في الشقّ الشرقي من البلاد عام 1963 والذي أدَّى إلى تدمير نحو 2200 وحدة سكنية تدميراً كاملاً وتدمير نحو 500 وحدة أخرى تدميراً جزئياً.
  • زيادة القوة العاملة الوافدة من الخارج. وقد بلغ إجمالي عدد الأجانب المقيمين في البلاد عام 1962 نحو 100,000 شخص أي ما يعادل 8% من مجموع السكان.
  • وفضلاً عن ذلك فقد قُدِّر عدد المساكن التي اعتبرت غير قابلة للسكن دون إحداث ترميمات وإصلاحات واسعة لها بحوالي 36.000 وحدة سكنية.
وقد زاد من استفحال حجم مشكلة توفير المساكن في البلاد أنَّ الاستثمار في البناء من قِبل القطاع الخاص لم يكن مغرياً وبخاصَّة في السنوات الأولى للاستقلال.
 
كان طبيعياً خلال السنوات الأولى للاستقلال وحتى اكتشاف البترول واستلام عائداته، أن تحجم حكومات الحقبة غير النفطية عن التفكير والبحث عن حلٍّ لمشكلة الإسكان في البلاد يعتمد على الخزانة العامَّة، وذلك بسبب خواء تلك الخزانة من جهة وبسبب حجم المشكلة من جهةٍ أخرى. ويمكن وصف موقف تلك الحكومات إزاء مشكلة الإسكان باقتصاره على إعطائها أولوية متأخّرة جداً عن التعليم والصحة والمرافق والأشغال العامَّة والزراعة والصناعة.
 
فما أن توفَّرت الأموال للخزانة العامَّة عبر عائدات البترول منذ عام 1963، حتى شرعت حكومات الحقبة النفطية في إيلاء هذه المشكلة حيِّزاً متنامياً من اهتمامها بتخصيصها جزءاً من مواردها لحلِّها.
 
وكانت أوَّل خطوةٍ قد تمَّت في هذا الشأن خلال حكومة الدكتور فكيني، عندما كلَّفت تلك الحكومة في عام 1963 المكتب الاستشاري اليوناني العالمي الشهير: Doxiadis Associates, Consultants On Development. Athens. Greece بإجراء دراسة ومسح شامل لمشكلة الإسكان في ليبيا وتقديم توصياتها في هذا الخصوص. وقد قدّرت الدراسة التي أعدَّها المكتب الاستشاري المذكور احتياجات ليبيا من الوحدات السكنية على امتداد الخمسة وعشرين سنةً التالية بنحو 137.000 وحدة سكنية. وقدِّر إجمالي الاحتياجات المالية اللازمة لبناء الوحدات السكنية المطلوبة على مدى العشرين سنة التالية بنحو 650 مليون جنيه ليبي وبتكلفةٍ سنويةٍ تقدَّر بحوالي 32.5 مليون جنيه ليبي.[2]
 
وفي عام 1964 أمرت حكومة السيد المنتصر بإجراء دراسةٍ أخرى لمشكلة الإسكان في البلاد كشفت أنَّ المشكلة هي أسوأ حالاً ممَّا كشفت عنه الدراسات والإحصاءات السابقة.
 
وفي ضوء هذه الدراسات والتوصيات قامت حكومة السيد حسين مازق في 4/8/1965 بالإعلان عن "مشروع إدريس للإسكان"[3] الذي استهدف بناء 100.000 وحدة سكنية منها 60 ألف وحدة في الدواخل على أن يتمَّ تأجير هذه المساكن للمواطنين بإيجاراتٍ زهيدة أو يتمّ تمليكها لهم, وقد بلغ إجمالي المخصّصات المبدئية التي أعلن عنها لهذا المشروع 400 مليون جنيه ليبي. وخلال التعديل الذي أجري على الوزارة في 2/10/1965 جرى استحداث وزارة جديدة هي "وزارة الإسكان والأملاك الحكومية" أسندت إلى السيد عبد القادر البدري[4]. وقد تمَّ إنفاق نحو 12.1 مليون جنيه و23 مليون جنيه على قطاع الإسكان خلال العامين الماليين 65/1966، 1966/1967 على التوالي.
 

[1] مرجع سابق. الصفحة (58).
[2] بلغ إجمالي ما أنفق على قطاع الإسكان خلال العام المالي 63/1964 نحو (4.1) مليون جنيه، وخلال العام المالي 64/1965
     (7.5) مليون جنيه ليبي.
[3] أنشئ المشروع بقرارٍ من مجلس الوزراء ونشِر هذا القرار بالعدد (12) من الجريدة الرسمية بتاريخ 10/10/1965.
[4] صدر باختصاص الوزارة الجديدة مرسوم ملكي مؤرّخ في 24/11/1965 نُشِر في العدد (16) من الجريدة الرسمية
     بتاريخ 6/11/1965.
 
نقلا عن موقع الجبهة الوطنية لإنقاذ ليبيا