25/10/2008

 
العساكر سوسة، أو الذين لا يتورعون! ... مكمن الخطر القادم!
 
بقلم: رمضان جربوع

أرشيف الكاتب


 
كيف صار المصطلح ؟
 
قديما كان للدولة العثمانية معسكر في مدينة سوسة الساحلية بشرق ليبيا، الواقعة ما بين الجبل والبحر، وهي مدينة صغيرة هادئة ساحرة، ولكن "العساكر" المجندين والوافدين من الآستانة، لم يجدوا فيها ما يسليهم، فهي بعيدة عن أي مركز عمراني كبير، وما يحتوي من صنوف الترفيه و"الكيف"، فاتجه العديد منهم إلى فعل أشياء "يتورع" الناس الطيبون عن ارتكابها، مثل السلب والنصب والتنكيل ومقيت المزاح والمكر، وغير ذلك من خبائث الأفعال، تصرفات هؤلاء اتسمت بهذه الصفة، أي الخبث وعدم الحياء، وصار يتداول في الثقافة الشعبية مصطلح "عسكر سوسة"، ليطلق على كل من يقوم بفعل أو قول أو سلوك به خبث وقلة حياء، بمعنى آخر كل من لا يتورع عن فعل القبيح والمستنكر، ولا يراعي ضوابط السلوك الحسن.
 
لكن "عساكر سوسة" لم يكونوا كلهم سواء في مقدار ما يمارسونه من قبح وخبث.. فكان منهم من هو قليل السوء ومن هو شديده..
 
أمّا في أيامنا هذه!
 
في عصرنا هذا، اتسع نطاق التعريف فأصبح يطلق، على سبيل الدعابة، حتى على الأطفال ذوي المكر والمغرمين بالمقالب والمشاكسة، وشمل فيما شمل أصحاب "الكيف" بأنواعه، أو ما جرى العرف على الاستنكاف منه لدى معظم الناس، وكان أن وصل الأمر بأولياء الأمور بنصح أنجالهم بعدم مرافقة "العساكر سوسة"! مخافة أن يتخذوا طريقهم شرعة ومنهاجا. وأصحاب الكيف هم أقل الناس إيذاء لغيرهم بل هم عادة لا يؤذون إلا أنفسهم!
 
إلى هنا لا غرابة في الأمر، فلكل مجتمع ثقافة، يتفق فيها على قيم وأنماط سلوك لا ينصح بتركها، إلا أن الغريب العجيب في مجتمعاتنا الآن، في معظمها في واقع الأمر، أن تصبح "العسكر سوسية" طريقة حياة ومنهاج سلوك في سبيل نيل المآرب، التي قد تشاء الظروف السياسية والاقتصادية السائدة، عدم التمكن من بلوغها بالطريق المعتاد. والطريق المعتاد هنا، كما جرى عليه العرف، الجد والكد والعمل المثابر لكل من يسعى إلى العلو والرقي، مع توخي قيم الأخلاق والحرص على السمعة الحسنة.
 
المفهوم وقد صار لازما "للزوميات"!
 
تطور النهج السلوكي، بل وحتى نهج التفكير والتدبير، إلى أن أصبحنا نشاهد أن معظم القوم الذين "وصلوا" للمراتب والثروات في بلدان العرب، يصح في حقهم أن ينعتوا بــ "العساكر سوسة".. وللأسف يشمل ذلك الكثير من الأكاديميين والكوادر العليا والوسطى، بل وحتى الدنيا منها، في هيكلية الدولة فهم لا يتورعون عن الكذب والنفاق والتزلف والتلفيق والتزييف ولا يرعوون...
 
تكاليف الحياة وظروف السياسة والمال، ثم ارتفاع "لزوميات" النجاح في المجتمع، من المسكن الباهظ المكلف بحمام السباحة، وربما حديقة حيوان صغيرة، ومعها مرآب سيارات فاخرة، واللباس والرياش (بالنسبة لكبار الناجحين) جعل الوصول إلى المراتب العليا بالطريق المعتاد أمرا عسيرا، حتى على حاملي الشهادات العليا الحقيقية أو التجار.
 
نماذج عشوائية من "العساكر سوسة"
 
ومن هنا أخذ نهج "العساكر سوسة" في الانتشار، بل لعله يكاد يصبح السبيل الوحيد، وما علينا إلا أن نتأمل كبار الشخصيات الشهيرة المتنفذة، المتسلطة أحيانا، فسوف نلاحظ على الفور أن معظمهم قد اعتنقوا فلسفة "العساكر سوسة" ضمن منظومتهم السلوكية، فلنحاول إلقاء نظرة للتعرف على أهم سماتهم:
 
نجد الأكاديمي المتنفذ، لا ينفك عن الإشادة بالوضع الحالي، مهما كان مترديا، وعندما ندقق نجد أن الرجل لديه أغلب "لزوميات" الفخامة، وحيث أن قرار وجوده في منصبه كان بموجب سوابقه، فقد صار يزدري كل أكاديمي حقيقي، بل وكل من يسعى لتطوير العلوم وتدريسها، بل وينتهج معهم سلوك السوقة والرعاع من شائن القول وفاحشه، إلى حد السباب والشتيمة. وإذا دققنا في راتبه الفعلي، وفق السلم الوظيفي، نجد أنه لا يتجاوز بضع مئات من الدنانير، ولكنه لا يتورع عن إقامة حفل كبير في أكبر فنادق العاصمة، يكلف الآلاف المؤلفة، بمناسبة عرس أحد الأنجال. وإذا سألت من أين أتى بهذا؟ ... فقد تقع في المحظور، وقد يكون من المنصوح به ترك هؤلاء "العساكر سوسة" وشأنهم.
 
ثم تلتفت يمنة فترى أحد ضباط الأمن الكبار، وهو الآخر وصل إلى الرتبة بمواهبه "العسكر سوسية" واجتهاده في تضخيم الأمور، لإثبات جدارته، من خلال التنكيل بعباد الله، ولو كانوا أبرياء ولا جريرة لهم.. ناهيك عن تدبيج التقارير التي تخيف وترعب الدولة، فتفسح له المجال لعمل ما يراه صائبا، وهو أيضا ذو لسان فج، لا يستعمل إلا القبيح من الألفاظ، ثم تعطف على ممتلكاته فصيبك الهلع!
 
وإذا أمعنت النظر فسترى بعض "الوزراء" الذين لا يلهج لسانهم إلا بالمديح للسلطان أو الملك أو الرئيس أو الأمير، ويقسمون بالأيمان المغلظة بأنه لولا توجيهات المذكورين الرشيدة لما وصلوا لما وصلوا إليه من نعيم. وكلامهم هذا كذب وتدليس وإن كان فيه بعض صدق، فالنعيم الذي يتحدثون عنه لا يعرفه سواهم، ومن سار على منوالهم، أما نجاحاتهم في العمل وإدارة شؤون الحكومة والدولة والعناية بالرعية، فيكفينا أن نشاهد حال معظم بلدان العرب لنتعرف على مدى نجاعاتهم، على الأقل 70% منها واقعة في خط الفقر حسب تقارير التنمية البشرية التابعة للأمم المتحدة.
 
ثم ما علينا سوى مشاهدة وسماع معظم أجهزة الإعلام الرسمي العربي لتتعرف على نوع آخر من "العساكر سوسة"، حيث نجد هؤلاء الإعلاميين الذين يحررون النصوص ويتحدثون كأن سامعيهم أتوا من كوكب بعيد لا يعرفون عنا شيئا، والمشاهد والسامع يعرف تماما أن ما تقوله هذه الأجهزة بعيد جدا عن الواقع والحقيقة.
 
ولا ننسى نوعاً مهماً من "العساكر سوسة" وهم رفاق المذكورين أعلاه، من رجال أعمال، لهم الحظوة في سباق نيل الأموال بالأرقام الفلكية، وهم دوما من المستفيدين، سواء في أنظمة الاشتراكية أو الرأسمالية أو في مراحل الانفتاح "الانتفاخي"..الذي يزيد الأغنياء غنى والفقراء فقرا!
 
وغيرهم هؤلاء كثيرون لا مجال لسردهم، ولكن كيف انزلق هؤلاء إلى هذه السيرة ؟ ولكن..
 
ما هي الأسباب؟
 
هل هو غلاء المعيشة ؟ ضعف التربية الأخلاقية، إن لم نقل الوطنية ؟ ... طبعا لم يعد لهؤلاء أي انتماء للوطن، فهم لا ينتمون إلا لأنفسهم وما حملت جيوبهم وحساباتهم. طبعا هم لا يقولون بذلك جهارا، ولكن أفعالهم تتولى المهمة عنهم، ودليلها الحالة المتردية لأربعة أخماس بني يعرب إذا لم نبالغ.
 
مكمن الخطر الجسيم!
 
ونتساءل: هل انقلبت المعايير؟ هل صار "النجاح" شيئا آخر يرتبط "بالفهلوة"، أم أن "العساكر سوسة" يجدون في عملية ممارسة السلطة على عباد الله، فنوناً أخرى ترضي نزوات لا نعلم عنها - نحن العامة - شيئا؟ هل هم فئة مصابة بعقد نقص وأمراض نفسية؟ لماذا يطيبون لأولي الأمر في بلداننا؟ هل لإنهم لا يتورعون عن ارتكاب أشنع الأفعال في سبيل أن يصلوا هم ؟
 
كيف يبررون ما يفعلون؟ وكيف لنا الخلاص منهم ومن ثقافتهم؟ نعم أقصد تحديداً ثقافتهم! فقد صاروا للعديد من أفراد المجتمع مثالا يحتذى به ويقلد، وهنا مكمن الخطر الأشد، فأمة يتطلع، حتى ولو بعض شبانها، للوصول إلى ما وصل إليه أولئك "العساكر سوسة" بأساليبهم، فقل عليها السلام، فسيكون لدينا مجتمع ينخر سوس الفساد في عظامه، ولا يمكن توقع وصوله إلى انتعاش وازدهار.
 
أثرهم السيء وعاقبة سلوكياتهم لا تنعكس على المجتمع وعامة الناس فقط، بل ستلحق عاجلا أم آجلا بأولي الأمر فيه، فهم دوما يحبطون ما قد يود هؤلاء فعله من خير، ويضعون حاجزا مريعا بينهم وبين شعوبهم!
 
إذا سادت مثل هذه الثقافة، فماذا سيحدث للمتمسك بالخلق القويم؟ سيكون لدينا بنيانٌ هشٌ، لا ينظر فيه المرء إلا إلى نفسه، وما يمكن أن تناله، أما الآخر أو بقية مجتمعه فسيظل قابعا في فقره وتخلفه، اللهم إلا من ارتضى لنفسه الثقافة الجديدة. وطبعا ذلك لن يكون مضمون النجاح، فحتى "العسكر سوسية" فيها درجات ومراتب.
 
على مجتمعاتنا وأولياء بعض أمورنا في إدارات الدولة أن تعي هذه الظاهرة، فخطرها جسيم، يدمر الأمة والقيم والأخلاق وبنيانها الاجتماعي الذي يشدها. أما الاستغراق في أساليب "الحذّاق" و"الشطّار" و"العساكر سوسة" الذين استولوا على معظم أجهزة بلداننا العربية، وشدّدوا قبضتهم عليها لنيل أوطارهم، فالخسارة ليست فقط فيما نالوا ونهبوا من أموال وأطيان، ولكن الخسارة العظيمة هي تأثيرهم السيئ على المجتمع وقيمه، ومن ثم انهيار دولنا واحدة تلو الأخرى، وسنكون عما قريب لقمة سائغة لكل من يعنّ له الاستحواذ على ما تبقى لنا.
 
لدينا كفاية من الأعداء، قد لا نقدر على العديد منهم، ولكن هؤلاء ليسو صعبي المراس، فبنيانهم هشّ .. جد هشّ! فهم دوما في خوف ووجل من غضب ينزل عليهم أو من انكشاف أمرهم .... ولو بعد حين!
 
ramadanjarbou@yahoo.com

 


* سبق نشر المقال بصحيفة قورينا - بنغازي/ القدس العربي - لندن - بتاريخ 23/10/2008

 

للتعليق على المقال
الإسم:
العنوان الإلكتروني:
التعليق

libyaalmostakbal@yahoo.com

 

جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع >>>> ليبيا المستقبل منبر حر لكل من يطمح ويسعى لغد أفضل لليبيا الحبيبة