20/12/2008

 
المواطن والدستور بين غاية المنى وإملاء الواقع
 
بقلم: رمضان جربوع

أرشيف الكاتب


 
ها قد عادت في ليبيا أخبار الدستور الموعود، وعسى أن يأتي ومعه ما يبعث على السرور والحبور. نستعرض بإيجاز ما يجب أن يكون عليه شكلا ومضمونا، ثم نبين ما قد يقف في طريق ذلك، أي الصيغة المثلى، من مصاعب ومعيقات سواء كانت تتعلق بثقافات سائدة أو مراكز قوى مفترضة قد تعترض الفكرة أصلا إما اعتقادا بعدم لزومها أو توخيا للحفاظ على مزايا استملكتها بعد أن شخصنت الوطن والنظام في ذاتها، وغضّت النظر عن الوطن والمواطن، ونختتم بالنظر في فكرة النهج الواقعي كما نعيشه مع التحذير من اللجوء إلى المعالجة بطريقة الصدمة، بل بالتدريج المتوافق مع ترسيخ الثقافة الدستورية، التي لا مفر ولا مناص منها، من حيث هي الفصل في شؤون الحكم والتشريع وقسمة العدل والمحاسبة، فمن المعروف في تاريخ البشر أن صياغة نصوص، مهما كانت مثالية، سوف لن تؤدي إلى حلول فورية لمشاكله، بل الأمر مرهون بالطرح والحوار ونشر مبادئ الحقوق والحريات والتجربة والتوقف لإعادة النظر والتقييم.
 
ثقافة القبلية وثقافة الدستور
 
نحن بلد بدو أصلا و لا يزال يعيش حياة البداوة الفكرية والعصبية القبلية حتى وإن كانت الغالبية العظمى من سكانه تعيش في الحضر، إن لم تكن كلها مولودة في حواضره إلا أن ظاهرة التعصب القبلي لا تزال تعيث فيه فسادا، وهي بالدرجة الأولى تسلط البعض ـ ضمن مواقعهم ـ على المناصب والوظائف والإدارات، وجانب كبير منهم لا يضمرون مودة حقيقية 'لعصبية قبيلتهم' ولكن يستغلون الظرف لنيل المكاسب ثم يعطون الفتات منها إلى من يسير في جادتهم، وهكذا نرى في ممارسات التصعيد الشعبي لمراكز القيادة في المؤتمرات الشعبية النعرة القبلية هي الطاغية دون حسبان لجدارة أو أهلية، ولقد رأينا ذلك قبل الثورة عندما كان هنالك انتخابات، فلقد كانت التجمعات القبلية هي صاحبة القرار، بالطبع كان ذلك يحدث لأن تنظيمات المجتمع المدني ـ بما فيها تلك المعبرة عن توجهات أو تيارات سياسية ـ كانت محظورة، ونحن هنا لا مطعن لنا في 'القبيلة' التي كانت مؤسسة اقتضتها ظروف وبيئة المعيشة، وكانت وسيلة حشد للجمع في سبيل دفع الكرب عن 'مملكة القبيلة' وضمانا لمصالحها.
 
استمرت عملية 'الحشد' في الحضر بدافع خشية البعض من التعرض للإقصاء أو حتى السلب لما تعتقده لها ومن حقها، ومن هنا صار الفصل في الولاء، فبدلا أن يكون هذا الولاء للوطن ككل، صار بشكل أو آخر للقبيلة، هذا التعصب يشكل بذاته أكبر العوائق لممارسة سلطة وديمقراطية تكرس الوطن كصاحب الولاء الأول، وهو أيضا ما يفرز الهياكل الإدارية الهشة حيث أن الأهلية والمقدرة المهنية تصبح ذات أهمية ثانوية، بينما كان يجب أن تصبح هي المعيار الأول في اختيار أو انتخاب القيادات بشتى صنوفها ودرجاتها، الديمقراطية المثالية أو المباشرة لا يمكن لها أن تنجح وتترسخ طالما بقيت هذه العصبية في وعينا، الباطن منه والظاهر.
 
من هنا نرى وجوب المباشرة في تدريس التربية الوطنية ومفهوم الدستور باعتباره الوثيقة التي تشمل الجميع، وبكونه العقد الاجتماعي الذي ينظم أمور البلاد والعباد، أنّى كانت مشاربهم وأهواؤهم. ويكون ذلك بحملة تنطلق من أدنى مستويات العمر، وتحديدا من المدرسة الابتدائية مع التشديد على فكرة القبول بالآخر، وبعقلانية الاختلاف في الرأي الذي لا يؤدي إلى تطاحن وتكالب، وبأن الضمانة الوحيدة للعدل هي المساواة المطلقة بين جيمع أفراد المجتمع أو الوطن.
 
من الملفت للنظر في تاريخنا، أن مؤسسات اجتماعية مدنية في بلادنا استطاعت التخلص من عصبية القبيلة، مما يؤكد إمكانية ذلك في حالة عقد النية والعزم، والتجربة ظاهرة للعيان في النوادي الرياضية والنقابات العمالية.
 
الطرف الآخر الذي قد يعيق مسيرتنا نحو دستور يضبط الأمور، هي الجهات أو الشخصيات المستفيدة من الوضع الراهن سواء من حيث المزايا أوالسلطة التي حازوها، وسيلي المزيد من الحديث عنها.
 
عن لزوم الدستور
 
لا نضيف جديدا عند القول بلزوم الدستور كمرجعية لممارسة السلطة أو الحكم والتحكم في أمور الدولة، فالحراك الاجتماعي والسياسي والاقتصادي وحتى الثقافي والأدبي معتمد أساسا، من حيث إيجابيته، على ما يصاغ في الدستور من حريات وحقوق وضمانات. ونص الدستور لا يجب أن يكون مقدسا لا يتبدل أو يتغير، بل يجب أن يكون قابلا لذلك وفقا لما يقرره الشعب ولما تستدعيه التطورات والمستجدات.
 
الأمر الأساس فيه:
 
فلننظر متلمسين المبادئ العامة في عالم الدساتير، ونبتدئ بما هو مطروح عندنا، حسب فهمنا النظري:
 
السلطة، كل السلطة، للشعب فهو المشرع والمقرر والمصنف، يصدر الأوامر والقوانين واللوائح، وفي سبيل ذلك، له أن يعين ويسمي من يتولى المهام ويحاسبه ثم يزيحه إن أخفق أو انحرف لمصالح شخصية أو شللية أو قبلية أو جهوية.
 
الثروة / الاقتصاد، وبمدلول آخر، الاقتصاد الوطني وما يشمله من مصادر وموارد، هي للشعب كافة، لكل مواطن حصة لا تزيد عن حصة آخر إلا بقدر تميز فرد في الاجتهاد والكد والتحصيل، بمنحى آخر، لكل إمرئ ما يستحق، مع الإصرار على مبدأ تكافؤ الفرص أمام جميع المواطنين دون استثناء أو تمييز من أي نوع كان.
 
والسلاح، وفي فهمنا، هو كل ما يتعلق بأمن الوطن والمواطن، يجب أن يكون تحت هيمنة الشعب المطلقة، له التقدير والتحكم ووضع الضوابط لتكون لدينا أجهزة لا تخضع إلا لسلطة الأمة، أي الشعب عبر مؤسساته، ولما كانت الآلة المفترض وجودها في مثل هذه المؤسسات جد خطيرة فيجب أن يكون قيادها في أيدي ذات الشعب الذي يقرر ويحاسب ويبادر... وعليه، أي على الشعب أن يضمن لأفراده عدم الاعتداء على حقوقهم بموجبات أمنية يضعها بعض من الذين ليسوا مخولين بالصلاحية!
 
المبادئ العامة
 
أما ما قد يخطر على البال من نصوص مبادئ عامة مثلى فنقول:
 
تكريس الحريات والحقوق بدون لبس أو إبهام، ومن بينها الحقوق في العمل والتعبير عن الرأي والخطابة المباشرة وعقد الاجتماعات العامة والتظاهر السلمي والإضراب عن العمل والحق في تكوين جمعيات أهلية حرة غير مقيدة وتجمعات سياسية معلنة بمسمى المنابر أو غيره، كذلك الحق في الإبداع والسفر والمشاركة في اتخاذ القرار بقوانين أو في تعيين من يتولى شؤون الأجهزة التنفيذية والحق في المطالبة بما يعنّ للمواطن من مسائل وفق نهج سلمي يحسم الأمر فيه بالتصويت. والحق في اقتضاء حقه، إن غُـمِط بفعل فاعل فرد أو بفعل سلطة، أمام قضاء مستقل عن كل تأثير، والحق في فرصة متكافئة للحياة الكريمة والحق في إعلام حر وصحافة مستقلة أو معبرة عن تيارات سياسية معينة.
 
الإقرار المطلق بمبدأ الفصل ما بين السلطات الرئيسية الثلاث، وضمان استقلاليتها بآليات محددة مع تبيان مرجعيتها للشعب عبر مؤسساته التعبيرية والتنفيذية، والسلطات أساسا هي:
 
التشريعية:
 
تختص بإصدار القوانين واعتماد السياسات والخيارات في مؤتمر ينعقد بدورات فصلية أو طارئة، وهو سيد قراره في متى ينعقد خارج التوقيت وكذلك ماذا يبحث في اجتماعاته، أي هو الذي يضع أجندته وينظر فيما يطرح عليه من السلطة التنفيذية من مقترح أو غيره.
 
التنفيذية:
 
وهي التي تنبثق من السلطة التشريعية الشعبية عندما تقوم بتعيينها، لتنفيذ برامج وسياسات وضعتها، وللأولى المحاسبة والتقييم والتغيير متى شاءت، ولا يجوز للسلطة التنفيذية الاجتراء على الصلاحيات التشريعية، أو أن تصدر لوائح تخالف قوانين موضوعة أو تنتهك مبادئ دستورية أو حقوق أو حريات مكرسة.
 
القضائية:
 
وتختص بشؤون القضاء والإدعاء العام وتعمل ضمن القوانين المعتمدة وبما لا يخالف نصوص الدستور، وترجع الرقابة عليها لمجلس الشعب أو مؤتمره ولا يجوز للسلطة التنفيذية أن تمتلك صلاحيات تتعلق بتعيينات من شأنها التأثير على مسار القضاء والتقاضي، ولا يجب أن تتعدى علاقة التنفيذية بالقضائية حدود التمويل وحفظ الحقوق ثم تنفيذ الأحكام، ولا بد من أن يكون للسلطة القضائية هيئة عليا تختص بالإشراف والرقابة الأولية على حسن سير تطبيق العدالة على أن تقدم تقاريرها واقتراحاتها لمجلس الشعب. 
 
المحكمة الدستورية
 
وهي هنا يجب أن يفصل تصورها عن المحكمة العليا الاعتيادية (آخر درجات التقاضي)، المحكمة الدستورية يجب أن تكون مطلقة الصلاحية في النظر بكل ما يتعلق بدعاوى انتهاك الدستور والحريات والحقوق المكرسة فيه، أعضاء المحكمة لا يجب أن يتبعوا أي سلطة أخرى بمجرد اعتماد تعيينهم من قبل السلطة التشريعية، بل قد نرى استقلالية المحكمة تماما من حيث التعيين والإدارة الداخلية، بما في ذلك استمرارية التكليف بغض النظر عن سن التقاعد الاعتيادية، ويكون انتهاء الخدمة فقط بعدم القدرة على أدائها، ولكل جهة أو طرف اللجوء إليها، وربما حتى من أفراد الشعب فقد أصبح هذا المبدأ مقبولا به في العالم الآن (تجربة هولندا أخيرا)، ونحن لدينا في شريعتنا ما يكرس هذا الحق في مفهوم دعوى الحسبة، والحسبة قد تكون قضية مرفوعة بسبب ضرر يلحق بالمجتمع حتى ولو كان المدعي غير متضرر شخصيا، ولكن الحجة في ذلك أن الضرر الذي يصيب المجتمع قد يمسه هو الآخر بشكل ما، وبالتالي يمكن القبول بمبدأ رفع قضية حسبة ضد قانون أو لائحة بدعوى احتمال أو وقوع ضرر ما للمجتمع أو لمجموعة من أطياف المجتمع.
 
من الطبيعي أن محكمة دستورية بهذا التصور المستهدف لاستقلالية كاملة والمتوخي لحماية الدستور والحقوق والحريات، يجب أن يكون اختيار أعضاء الهيئة بها ومستشاريها من ضمن صفوة المجتمع من حيث العلم والخلق وطهارة السيرة والنزاهة، على المجتمع أن يوفر لهؤلاء أرفع مستوى معيشة ممكن نظرا لجسامة مهمتهم وحتى لا تلحقهم الحاجة فتشغل بالهم أو يصيبهم عوز قد يفتح طريقا عليهم من قبل ذوي النيات غير الطيبة. 
 
العناصر المهمة
 
من أهم ما يجب أن يحتوي عليه الدستور:
 
بيان أن سلطة القانون: لا تعلوها سلطة، أيا كانت، وأيا كان المخول بها، ولا جدال في ذلك، فالمواطن هو الذي سيصدر هذا القانون، بفعل سلطته التشريعية، والقانون يسري على الجميع دون استثناء.
 
أن يُنَصّ في التشريعات صراحة على أنه: لا تهمة ولا عقوبة بدون قانون، ولا أثر رجعي لقانون، ولا اعتقال بدون محاكمة، ولا استمرار لاحتجاز بدون أمر قضائي، مبني على حجج ونصوص وقرائن، وعلى أن لا يستمر لأكثر من أسبوع أو ما شابه، والنص على حق المتهم والمشتبه فيه في الدفاع عن نفسه، ورقابة قضائية حاضرة، وبحضور محامين، ابتداء من جلسات التحقيق، وصولا إلى المحاكمة الأولى والاستئناف والمحكمة العليا.
يُنص في الدستور على أن لا جباية بدون قانون: ولا هبة ولا بيع لأملاك الدولة بدون قانون، وبأن السلطة التشريعية لا تملك الحق في تخويل سلطاتها لشاغل منصب لممارسة حق التشريع، أي أن السلطة التشريعية لا تملك حق التنازل عن اختصاصها، والجهات التنفيذية تكون صلاحياتها مقصورة على التخويلات المحددة بدقة، ولفترة زمنية معينة.
 
من البديهي أن الكثير من البنود والمبادئ المتعلقة بالدستور ستختلف حولها الرؤى ووجهات النظر، ومن ثم يجب، عند الصياغة، أن يؤخذ تعدد هذه الآراء في الاعتبار، ومحاولة إخراج نص توافقي. وفي حالة تعذر ذلك، تطرح عدة صيغ منفصلة، تكون بدورها عرضة للنقاش، بل وحتى للاختيار بينها عند الاستفتاء. وتعتمد الصيغة النهائية التي تفوز بالأغلبية.
 
الدستور يجب أن يكون نصاً دائماً وثابتاً بصفة عامة: فذلك شرط استقرار البلاد واطمئنان المواطن، فإن طرأ ما يقتضي تعديلاً أو إضافة، لظروف أو تطورات حدثت بالبلاد أو بالعالم، يكون لها محل وتأثير على مبدأ الاستقرار ذاته. في هذه الحالة يجب أن يتم الأمر بترو، ولا يلجأ إليه إلا عند الضرورة القصوى، وتوضع ضوابط مشددة، يكون الغرض منها التيقن من تلبيته لإرادة أغلبية ثلاثة الأرباع أو الثلثين، فيما عدا النصوص الأقل أهمية التي قد يصار إلى إنفاذها بالأغلبية المطلقة (أي 51%).
 
عن الواقعية
 
لما كان أي مشروع، عند التخطيط له، يستوجب النظر في واقع الحال المعاش، وما يراد له أن يكون، فلابد من الأخذ بالاعتبار ما هو موجود الآن، وكيفية الانتقال من مرحلته إلى المرحلة التالية المطوبة. ولما كانت البلاد تدير شؤونها بنظام معين، وافقت عليه في حينه، وهي تغيرت الآن، من حيث الخيارات ومن حيث التعامل مع ظروف وتطورات محلية ودولية، ولما صارت أمور البلاد والعباد في استقرار وصار من الممكن الحديث عن تطوير وإصلاح، ووضع اللبنة الأساسية لنظام دائم مستقر، يسوده دستور دائم مستقر ولا يكون عرضة للتحوير والتبديل، كما قد يحلو لمن حاز قوة ما أو نفوذ أو تأثير، سيكون من الواجب وضع نصوص في هذا الدستور ذات طبيعة انتقالية، الغرض منها تسهيل التحول والتطور المطلوب، وضمان الاستقرار في البلاد بدون زعزعة أو خلخلة، وتوضع هذه النصوص مشروطة بفترة زمنية معينة، لا تزيد عليها، وتنقضي بعدها.
 
مراكز قوى؟
 
ومن هنا فلعلنا لا نجازف مطلقاً بالقول بأن بعض المتنفذين الجانحين في بعض عناصر الدولة مثل أجهزة الإعلام والأجهزة الأمنية واللجان الثورية ومعهم البيروقراطية الوصولية المنافقة وبعض المنتهزين لعصبية قبلية ما من الذين استغلوا الفرصة، وشكلوا ما يشبه مراكز قوى، ليس لها من هم سوى التنافس على السلطة والجاه، وتكديس الثروات، على حساب الأهداف، والغايات، التي بشر بها البيان الأول للثورة، والذي أحب أن أكرر دوما ما يوجزه: 'لا مغبون ولا ومظلوم'، والسلطة، كل السلطة للشعب، هذه المراكز وإن كانت غير محددة الملامح بيقين، إلا أن شخصياتها واضحة إلى حد ما، ولا ندري ما الذي يستطيعون الإدلاء به في في مشروع يستهدف الربط والضبط وتكريس الحريات والحقوق؟
 
لا نجادل في فكر سلطة الشعب
 
ونحن هنا لا نجادل ولا نريد أن نتطرق لمناقشة الفكر الذي يقوم عليه النظام الذي يفــــترض أن البلاد تحـــكم الآن به، وهو نظام سلطة الشعب، ونعني الفكر الذي تضمـــنه الكتاب الأخضر وأطروحاته، فليس هذا محله في سياق هذه المــــقــالة، ولكنــــنا نستطيع بكل تأكيد تناول ومناقشة المؤدّى والمحصلة، أي ما صارت إليه الأمور، لكي نحاول تدارك المعوقات التي أدت لاستلاب الرؤى المطروحة. ولقد أسلفنا ذكر ما نرى أنه من أهم أسباب إعاقة التوصل إلى النتائج المتوخاة، وفي ضوء ذلك نبني قناعتنا بأن مشروع الدستور كفيل بالتغلب على تلك المعوقات، وتيسير السبل لبلوغ الأهداف المتوخاة، ذلك أن من شأنه أن يحقق سلطة الشعب، ضمن إجراءات واضحة المعالم، بتكريس قانوني، وتطوير إجرائي وتوافقي دائم، يحمل إمكانية التعديل والتحديث، ليلبي كل مستجد وطارئ، ويصحح كل ما يحيد عن جادة الصواب والجدوى، سواء محليا أو دوليا.
 
على القائمين بمشروع الدستور أن يأخذوا في حسبانهم تجربة العقود الثلاثة الماضية، لتدارك ما حل خلالها من وهن أو تجاوز، والاستفادة مما قد يكون مفيدا، باعتباره تجربة طبقت وعاشت ليبيا فيها لأكثر من ثلاثين سنة، ويتم ذلك بطرح الأفكار والمبادئ التي وردت سلفا، بعد تبسيطها، لكي تكون في متناول الجميع، ومن ثم يتكون الرأي لدى المواطن العادي، الذي يجب أن يعود 'سيدا'، فيذهب لتقرير مصيره، من خلال التعبير الحر عن رأيه وقراره، عبر صندوق الاقتراع السري.
 
الاقتراع السري: الاقتراع السري يعتبر من أساسيات الممارسة الديمقراطية، فالمواطن يجب أن يدلي بصوته في صندوق الاقتراع وهو في مأمن ممن يقوم بالرصد والمساءلة، أما الاقتراع داخل حلبة اتخاذ القرارات، فيجب أن يكون علنيا لأنه سيوضح لمن قام بانتخابه أو تصعيده كيف يدلي المعني بصوته ويحاسبه في دورة الانتخاب القادم.
 
منظمات المجمتع المدني: ومن الضروري أن يكون هناك جديد، لم يكن موجوداً، مثل اعتماد منظمات المجتمع المدني الحرة غير المقيدة والمنابر السياسية، وهي فكرة، في تقديري، لا مناص من طرحها مباشرة ودون مواربة، فهي من شأنها إثراء الحياة الاجتماعية والسياسية، ودفع أكبر عدد من المواطنين للمشاركة المباشرة في الشؤون العامة والسياسة عموما.  
 
صراع على السلطة؟
 
وقد يقول قائل بأن ذلك سوف يؤدي إلى قيام الصراع على السلطة، والرد هيّن يسير، وهو أنه لا بأس من الصراع على السلطة، شرط أن يكون سلميا ووفق ضوابط ومعايير وقوانين، والتصارع هنا هو تسابق لخير الوطن ولا يجب أن يكون في سبيل حيازة المكاسب والمناصب والجاه، فكل مجموعة من المواطنين لديها توجه ورأي من حقها أن يكون لها برنامج عمل فعلي تقوم به، إذا ما تم انتخاب أعضاء منها لقيادة أمر من الأمور العامة أو المشاركة فيها. و لا مناص من السماح للجميع بها دون قيد أو شرط، اللهم إلا احترام حرية الآخر وأمنه وسلامته، والأهم من ذلك كله، العلنية، بمعنى أن لا يكون النشاط سرياً، ويجب كذلك اشتراط عدم تأسيس تجمعات أو منابر بأهواء أجنبية أو على أساس قبلي أو جهوي، ويطلب من كل هيئة توضيح رؤيتها وبرنامجها وطرحه علنا. 
 
الشعب السيد؛ هو الذي يجب أن يصيغ الدستور بعد عرض الخيارات عليه
 
في سبيل الاستقرار ودائما، وفي سبيل توخي الاستقرار وعدم الاضطراب، وحتى تحزم الدولة أمرها وتتقدم بمشروع نقاش لدستور يطرح على المؤتمرات الشعبية لاعتماده، أي اعتماد مبدأ مناقشة موضوع الدستور وليس إصداره، فالإعداد يتم بنقاش عام، والاعتماد يتم باستفتاء عام، نستطيع استغلال المتاح للشروع في مسألة الحوار والتداول في بنية الدستور ومحتواه، ويمكن أن يتم ذلك مباشرة، على الصحافة الجديدة والقديمة، وعلى مواقع الإنترنيت منفردة، تخصص لكل مؤتمر أساسي في طول البلاد وعرضها، ولا بأس من السماح لكل مؤتمر أساسي بأن يصدر صحيفته الخاصة، يوثق فيها كل ما يتم تداوله بخصوص الدستور، ولعلنا لا نبالغ إذا نادينا بالسماح لكل مؤتمر أساسي بإذاعة خاصة به. وعندما تتاح الفرصة، ولا تربط بمواعيد جزافية، سوف يستطيع كل مواطن أن يشارك مباشرة في النقاش والحوار، ومن ثم يستوعب ما يدور، ويكوّن رأيه الخاص به، شريطة أن يتم ذلك علنا جهارا ويوثق أمام العامة.
 
وفي الخاتمة، ما نرمي إليه قد يكون بعيد المنال، إذ حتى لو تحقق نصوصا، إلا أن الممارسة الصحيحة مرهونة بتطور الوعي بأساسيات وأدبيات ممارسة السياسة، ولا بد من وضع برامج التوعية والنقاش والحوار ....
 
madanjarbou@yahoo.com
 
* نشر المقال أيضا بصحيفة قورينا (بنغازي) - القدس العربي (لندن) 18/12/2008
 
للتعليق على المقال
الإسم:
العنوان الإلكتروني:
التعليق

libyaalmostakbal@yahoo.com

 

جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع >>>> ليبيا المستقبل منبر حر لكل من يطمح ويسعى لغد أفضل لليبيا الحبيبة