22/07/2009
 

 
الأديب أحمد العنيزي "كانوا لا يغفلون حتى عن زيارة المقابر"
 
حاوره: خالد المهير

 

 

"بنغازي تعني لي الشيء الكثير، فهي التي ولدت ونشأت في أقدم أحيائها (سيدي خريبيش) العريق.."

 
حين كانت الحرب العالمية الثانية تدك حي أخريبيش، كانت أنامل هذا الشيخ ترصد اللحظة، ولهذا يعد أحمد العنيزي من أوائل القصاصين الليبيين الذين وثقوا عبر كتاباتهم أجواء الحرب في بنغازي وضواحيها.. وبعد عقود من الزمن نحاول نبش ركام هذه السنين عن هذه الذاكرة للتجلى الحقيقة الإنسانية دون غيرها.
 
قلت وثمة أسئلة كثيرة أحملها إلي عمي أحمد...
 
نعود معك إلى سنوات الطفولة، ماذا تتذكر منها بعد كل هذا الزمن؟
 
سنوات الطفولة لها ذكريات كثيرة، رسخت صورها في الذاكرة، منها ساعات اللعب التي لا تُنسى، حيث كنا نلعب كرة الشخشير في الشوارع المتربة التي يغطي ترابها أقدامنا الحافية بالغبار إذا كان الوقت صيفاً، وتغمرها مياه البرك التي تخلفها الأمطار إذا كان الوقت شتاءً، ونستنجد بالصبيان الذين هم أكبر سناً منّا ليصنعوا لنا قوارب من الورق ندفعها في تلك المياه الراكدة فتجري قليلاً بقوة الدفع ثم تدخلها المياه فتتفتت ونضحك من أعماقنا.. وذلك إلى جانب الألعاب الأخرى مثل (الطقيرة) و(البطش) و(الزغادي) وغيرها.. هذه لمحة عن الألعاب التي كنا نمارسها، ولايزال بعضها معروفاً حتى الآن.. وكان أجمل شيء طُبع في ذاكرتي منذ أيام الطفولة هو حياة أهلنا البسيطة التي كانت تسودها علاقات الود والمحبة والتواصل فيما بينهم، حيث كانوا يرسلون الأطعمة إلى بعضهم ويتناوبون الزيارات في أيام الأعياد والأفراح، وكانوا لا يغفلون حتى عن زيارة المقابر لقراءة الفاتحة والترحم على الموتى من أحبابهم.
 
وهل ولادتك في منطقة سيدي خريبيش كان لها دور في وعيك بالقصة الأدبية؟
 
مولدي بحي سيدي خريبيش فتح عيني على نمط الحياة في ذلك الحي الفقير، تلك الحياة التي تركت في نفسي رواسب من الذكريات طغت على سطح الذاكرة في سن الشباب المبكر وكان لها دور في الوعي بمهمة الأدب عموماً، وقد شكّلت نقطة تحول في حياتي.
 
توقفنا عند محطة مهمة في حياته حدثني عنها مجايليه،هاجس المكان المتمثل في سيدي خريبيش سألته: ماذا يعني لك (سيدي خريبيش) بعد كل هذه الرحلة مع القصة؟
 
سيدي خريبيش المكان المحبب إلى نفسي يعني لي بعد رحلة الإبداع التي توقفت عن مواصلتها فترة من الزمن ثم عدت إليها مصدر إلهام لازلت أشعر أن معينه لا ينضب.
 
وهل عملك (نجار) أثـّرت في تكوينك القصصي؟
 
عملي المهني في بداية حياتي العملية (خطاط) وليس (نجاراً) كما ذكرت في سؤالك، وليس لهذا العمل أي تأثير في تكويني القصصي، وإن كنت قد ارتبطت بالنجارين عند تشكيل النقابات العمالية.
 
ما هي الشخصيات التي تأثرت بها، وأثـّرت في كتابتك القصصية؟
 
لم أتأثر في كتاباتي بشخصية معينة من كبار القصاصين والروائيين الذين قرأت لهم، وهم كثيرون، منهم عرب وأجانب، وإذا صادف وجود تأثير في بعض أعمالي فذلك راجع للإطلاع الواسع على أعمال هؤلاء الرواد جميعاً ، إضافةً إلى ذلك أعتقد أن كتاباتي في ممارسة العمل القصصي تحمل طابعاً خاصاً بها.
 
كيف ترسم ملامح أعمالك القصصية التي تعنى بالمكان بالتحديد؟
 
أرسم ملامح أعمالي القصصية على النحو الذي سرت عليه بالتجاوب مع تأثير المكان وسلوك الناس، وذلك لأن المكان عندي هو المشهد الذي تجري به الأحداث وتتحرك فيه الشخصيات وتتولد فيه الأفكار والخواطر.. ولذا ترى أعمالي تعنى بالمكان تحديداً.
 
بين حين وأخر كانت تحط بنا الرحلة إلى نفس المكان قلت له: للمكان رائحة خاصة في أعمالك، ما هي محطات الرحلة مع الأمكنة، من سيدي خريبيش إلى الزريريعية في الصابري؟
 
هذا صحيح، للمكان رائحة خاصة في أعمالي القصصية وذلك يرجع إلى أنها تعبر عن هموم الناس وقضايا المجتمع بسماته الفارقة وخصوصيته وكل القيم التي تنبع من تقاليده وعاداته وتشكل ملامحه الذاتية وهويته الوطنية ؛ لأنني أعتقد أن مَنْ ليست له هوية ليست له جذور.. أما ما تسميه محطات الرحلة مع الأمكنة من سيدي خريبيش حتى الزريريعية فإنني أعتقد أن تلك الأمكنة لا تشكل ملامح مغايرة لبعضها أو بعداً آخر حتى يمكن تسميتها محطات، فهي لا تعدو أن تكون امتداداً لبعضها .. يجمعها ساحل بحرنا الجميل.
 
كيف بدأت رحلة الوعي بالأدب عموماً؟ وكيف تحدثنا عن أولى أعمالك؟
 
بعدما اطلعت على كتابات عمالقة الأدب العربي والعالمي، وتكوّنت لديَّ حصيلة من المعلومات والأفكار والرؤى ظلّت تتداعى في ذهني حتى تولّد عنها هاجس الكتابة، فبدأت أشعر بما يدور حولي في المجتمع .. وبهذا الرصيد المتواضع من الثقافة العامة بدأت أول خطوة في عالم الإبداع الرحيب فكتبت مقالة قصيرة كان عنوانها (احتكار السينما في برقة) نشرتها في مجلة (الفن) المصرية سنة 1951، وفي بداية سنة 1953 بالتحديد بدأت كتابة أول قصة قصيرة كان عنوانها (الشمعة الدائبة) مستوحاة من حالة عجوز مريضة، وهذه هي القصة التي شكّلت نقلة في أعمالي التي أعقبتها.
 
أنت من الكتاب الأوائل الذين كتبوا عن الحرب العالمية الثانية، وسجلوا قصص الحرب، كيف تصف لنا الأجواء التي عاشتها بنغازي أثناء الحرب العالمية الثانية؟
 
لا أذكر أن هناك مَنْ كتب قصة قصيرة عن أحداث الحرب العالمية الثانية التي عاصرت أيامها الرهيبة قبل أن أهتمَّ بالكتابة عنها، والذين كتبوا القصة القصيرة فيما بعد لم يتطرق أحد منهم للكتابة عنها حتى أولئك الذين عاصروها قبلي، وأقول هذا بدون فخر . أما عن أجواء الحرب التي عاشتها مدينة بنغازي فقد كانت أياماً رهيبة ساد فيها الجوع والخوف والموت الذي حصد الكثيرين من أبنائها والدمار الذي طال كثيراً من منشآتها ومعالمها بسبب الغارات الجوية والبحرية التي كان معظمها من هجمات الإنجليز.
 
وكيف تستقي قصصك؟ وهل الذاتية تسقط في الأعمال التي تتناولها؟
 
لم أفهم سؤالك عن إسقاط الذاتية، فإذا كنت تقصد أن المبدع يستوحي أعماله أحياناً من ذاتيته وأن ذلك يظهر من خلال عملية السرد، فإن هذا صحيح لأن بعض المبدعين كانوا يعبرون عن تجارب خاصة عاشوها، ظهرت في كتاباتهم وبدت ظلال شخصياتهم واضحة في بعض أعمالهم القصصية والروائية، وهذا صحيح لأن بعض أعمالي مستقاة من تجارب عميقة تظهر فيها الذاتية جلية للقارئ المستنير.
 
ماذا تعني لك القصة؟ وكيف تقيم القصة الليبية عموماً؟
 
القصة تعني بالنسبة لي الاهتمام بمشاغل الحياة اليومية وما يجري فيها من أمور تؤثر في حياة الناس وتحول بينهم وبين الحياة الكريمة التي يتطلعون إليها، وهذا ما يحتم على من يتصدى لممارسة الكتابة الانشغال بالتعبير عن المشاكل الملحة وإبراز معوقاتها حتى يمكن تفادي آثارها الضارة التي تحد من الانطلاق نحو عالم أفضل، والمهم كما أرى أن يكون القاص ملتزماً بقضايا الناس، واعياً بمعاناتهم، صادقاً في التعبير عن همومهم، وهذه هي القنا عات التي تكوّنت لديَّ منذ وعيت مهمة الكتابة وتأثيرها في الحياة.. أما تقييم القصة الليبية عموماً فأرى أنها بلغت مستوى عظيماً على أيدي بعض المبدعين خلال السنوات الأخيرة، فاق الكثير من الأعمال القصصية العربية التي سبقتنا في هذا المجال.
 
هل لديك إطلاع على أعمال الأجيال الحالية التي تكتب القصة؟ وما هو الفرق بين ما يُكتب الآن وما كانت تكتبه أقلامكم؟
 
اطلعت على البعض من أعمال الأجيال الحالية التي حاولت كتابة القصة وساهمت في إثراء المشهد الثقافي الليبـي، وقد لاحظت أن هناك فرقاً شاسعاً بين ما كان يُكتب خلال فترة الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي وما يُكتب حالياً ؛ وذلك لأن اهتمامات المبدعين في تلك الفترة كانت تعنى بمشاكل المجتمع وتلتزم بالشروط التي يقوم عليها التكوين القصصي.. أما أغلب ما يُكتب حالياً فهو خالٍ من تلك المقومات الأساسية التي عرفت بها القصة القصيرة منذ ظهورها في الأدب العربي واعتبارها من أجمل أشكال التعبير، والتحول الذي طرأ على القصة راجع إلى أن بعض المبدعين الحاليين لا يقيمون وزناً لِما درجت عليه حتى أصبحت مجرد (ومضة) خاطفة لا تحمل أفكاراً أو دلالات فقد تقلصت مساحتها وضاقت أبعادها وأصبحت لا تعدو بضعة أسطر لا يمكن في اعتقادي اعتبارها قصة؛ لأن القصة لها رسالة هامة في المجتمع.
 
نلاحظ اهتمامك بالشخوص والزمن، هل الزمن بالنسبة لكم سؤال الديمومة؟
 
هذا صحيح، أنا أهتم بالشخصيات والزمن إلى جانب المكان ؛ لأنهما من ضمن شروط كتابة القصة، والزمن بالنسبة لي هو المتابعة الدائمة لرصد حركته التي لا تتوقف، وهذا ما يشكل عندي سؤال الديمومة كما أعتقد.
 
نجلك (محمد) يكتب القصة، وتقريباً بنفس الأسلوب عن بنغازي والمنارة وسيدي خريبيش والأحياء القديمة والشخصيات القديمة، كيف ترى هذا؟
 
أسلوبي في كتابة القصة يختلف تماماً عن أسلوب ابنـي محمد، وإن كان قد بدأ مشواره في عالم الإبداع من نفس المكان الذي انطلقت منه بما فيه من مواقع وشخصيات، وهو حي سيدي خريبيش العريق الذي كان أول مشاغلي ومدار اهتماماتي، وسيلاحظ القارئ الذي يطلع على كتاباتنا مدى الفرق الشاسع بين الأسلوبين، ولا أرى في ذلك غضاضة.
 
هل كانت تربطك علاقات مع القصاصين من جيلك ؟ نود أن تعود بنا إلى ذكرياتك مع جيلك؟
 
هذه العلاقات كانت مقصورة على اللقاءات في مقهى المرحوم مصطفى العبود بشارع بن شتوان الذي كان بمثابة نادٍ ثقافي إضافةً إلى لقاءات أخرى متعددة كانت تجمعنا في نادي الهلال، حيث كانت تُقام المحاضرات والندوات الأدبية. لقد كانت حقبة الخمسينيات من أروع الفترات التي ازدهر فيها النشاط الثقافي، حيث ظهرت مجلة (الضياء) ثم مجلة (النور) وبرز فيها عدد من الكتاب والشعراء، ولا يتسع المجال لذكر أسمائهم جميعاً. هذه هي العلاقات التي كانت سائدة بين جميع المهتمين بممارسة الكتابة في مدينة بنغازي الرائعة.
 
ما هي أكثر القصص التي تأثرت بها وشكّلت نقلة في أعمالك؟
 
إذا كنت تقصد التأثر بقصص الآخرين الذين اطلعت على قصصهم، فأقول لك إنني كنت معجباً أشد الإعجاب في بداية ممارستي للكتابة بقصص أنطون تشيكوف وغي دي موباسان وسومرست موم، من أعلام القصة القصيرة في الغرب، ومحمود البدوي ويوسف جوهر وصلاح ذهني وأمين يوسف غراب من رواد القصة القصيرة في مصر.. ومع ذلك لم أتأثر بقصص هؤلاء الكتاب إلى الحد الذي شكّل نقلة في أعمالي القصصية ؛ وذلك بسبب تداخل هذه النصوص واختلاط ملامحها في ذهني.
 
لماذا تأخرت كل هذه الأعوام حتى صدرت مجموعتك القصصية الأولى؟
 
أعتقد أنني لم أتأخر في نشر قصصي لأنها سبق نشرها في حينها بصحيفة (طرابلس الغرب) وغيرها من المجلات الدورية التي كانت تصدر في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي ولم أكن أريد إعادة نشرها في إصدار واحد لولا إلحاح الأصدقاء كما أوضحت في مقدمة مجموعتي الأولى التي صدرت في العام الماضي..
 
هل كانت تربطك علاقات مع القصاصين عبدالقادر بوهروس وكامل المقهور كما يتردد؟
 
المرحوم عبدالقادر أبوهروس التقيت به مرتين أو ثلاثة في سنة 1957 في إدارة صحيفة (طرابلس الغرب) التي كان يترأس تحريرها، وقد كانت من أروع اللقاءات، أما المرحوم كامل المقهور فقد التقيت به مرتين، الأولى في بنغازي منتصف الخمسينيات، والثانية في طرابلس عندما اشتركنا معاً في الوفد الليبـي المكلّف بحضور ملتقى القصاصين المغاربة الذي انعقد بتونس في شهر الكانون (ديسمبر) 1968. وهكذا فإن مثل هذه اللقاءات القليلة لا تكون علاقات عميقة بين الناس على مختلف تطلعاتهم.
 
أنت من الكتاب الذين رصدوا المكان (بنغازي)، هل شكَّلت المدينة نقلة في قصصك؟
 
بنغازي هي المكان الكبير الذي تفرعت منه أمكنة عديدة ظهر بعضها في مجموعتي القصصية الأولى التي أصدرتها في العام الماضي وستظهر بقيتها في المجموعة الثانية التي تحوي قصصاً لم يسبق نشرها رغم مضي سنوات طويلة على كتابتها والتي أعدها وستصدر بإذن الله في القريب .. ولابدَّ أن تكون هذه الأعمال القصصية في مجموعها قد رصدت ذلك المكان الرحيب بما فيه من أمكنة متشابهة في مظهرها ومتقاربة في نمط الحياة بين سكانها.
 
وماذا تعني لك؟
 
بنغازي تعني لي الشيء الكثير، فهي التي ولدت ونشأت في أقدم أحيائها (سيدي خريبيش) العريق، وعرفت كل معالمها وأسواقها ومنشآتها وشوارعها التي طالما تجولت فيها، ومن بينها الشوارع الغربية التي كانت تحمل أسماءً إيطالية في عهد الاستعمار الإيطالي لازالت أذكرها بما في ذلك تفاصيل بناياتها سواء منها التي هدمت في الحرب والتي لا تزال قائمة تشهد على ماضي الاستعمار البغيض. وهذا ما شكّل نقلة في أعمالي القصصية التي كتبتها من منطلق الإحساس بقضايا الناس في بلادي.

 

راجع: الكاتب أحمد العنيزي في ذمة الله (تقرير: خالد المهير)

 

 

المنارة وسيدي خريبيش بعدسة: فاتح مناع

 
 
 

 
 
 
 

 

 

 

فتحي عاشور
هذه ليست سيدي اخريبيش هذه شارع البلدية وميدان البلدية. وسيدي اخريبيش التي تحدث عنها الراحل في طفولته مازالت كما هي الان برك المياه والشوارع الترابية واطلال البيوت المتداعية اعتقد انها لم تتغير كثيرا عن الحرب العالمية الثانية.
 
للتعليق على الحوار
الإسم:
العنوان الإلكتروني:
التعليق