13/02/2009

 


 
 عجاج الأربعين "قصة بلادي لأولادي"
أيوب المهاجر..
 

قلت لأولادي:
 
سفالات غريبة
طفت بأرض متوعكة
يتداوى أهلها بقشة الصبر
والبحر رمال وملح
لا ماء إلا للغرق بالأمام
والوراء عيش بالعطش
ثم جاء الغوث نوافير سرور
فاستثارت ريح الحسد
وأطماع العجم
 
******
جاؤوا من تحت الظلام
من حصون الصون
حيث كنا نغتبط فيها البطل
زحفت خوذات ثملة بالنحاس
ملزوزة حول عقر الدار
تعربد بليلة الخصب الأخيرة
وتحرق فواكه السماء
هلال ونجم
******
نهضوا مبكرين
كسراق الغنم
يرفسون نعمتنا المقيمة
السنابل وعراجين الفل
والتمر وعقود الياسمين
تحت مداس السواد
 
مثلوا بالنور في ثقوب العدم
واحترق علم التحرير
خيوط رماد بأقدام الجنود
 
روح الشيخ الجليل ودعتنا
رفرف الدعاء بالعباءة من بعيد
واستقبلتنا دستة (12) العيال بالقيود
 
المسروق دسوه بطن الحلال
وضعوه على الرأس والعين رقم (1)
 
******
كانت الديار مشرعة النوافذ
الصحون يشبعها القمر ضياء
تسامر الآمان بدندنة الغصون
تحضن الهديل وزقزقة المبيت
وتغني للنسيم كي يدور ويمر
حطت عصا الراعي بوسط المدينة
فتهاوى الطهر في روث القطيع
وتكسر جناح الفرح بالعش السعيد
وشوشات لا تطير
******
مروا كالغيلان في ريعان العناد
فاغرين أفواه البنادق
نحو مروج الضمير
ومواكب الخلاص المزور
تسوق أفكار الخراب
كالمسوخ اعتراهم شبق الجريمة
ينشرون سرايا الرصاص
تقنص الأرواح وهمم الصدور
وبالسوق تعرض سلعتها
بارود ودم
******
في ليلة من ليالينا الملاح
بذاك الزمان الأصيل
نمنا كما كنا ننام
كنا ننعم بالهناء
والرفاه أمل قريب
ينادي العيون
حتى كدنا أن نراه...
كنا ننتظر الصباح
والحبور فطور الوجوه
فجأة هبت ريح الأربعين
بأرض النجوم
ينهش صفو العشايا همج الجراد
ومن الظلمة انشق الغراب
نفخ شموع الأنس بمنقار الصفير
وطير هدهدنا الحكيم
فتربى ليلنا اللقيط بأحضان الغبار
وتكرس فينا ولازال هول المحن
 
******
صيروا الليل للثعالب
تزرع فيه فخاخ الشكوك
زيفوا لنا وجه الحلول
غيبونا وراء الشمس
يحرقنا الركود
كالعميان نجس الظلام
والصباح يشبهه المساء
تقترفنا فيهما تقاليد الصياح
كمناجاة وصلاة للزعيم الإله
بعد أن ذبحوا حقوق الطباعة
واغتصبوا ورق البلاد
******
أيها الليبي هاأنتذا
صرت للأوباش مطية
مسكين أنت
في الوطن شريد
كن غريبا في ليبياك
يا طريد الاضطهاد
تعبر من هنا إلى هناك..
معسكرات... ومعابر...
وحدود الثورة شريعة
بين بوابات المدن
يحتويك سجن كبير
ونيابات الثورجية
بكفة شيطان تميل
يستلمك الوغد منهم بالمذلة
والقواد والمخبر يسمعك السباب
يتفحص سحنتك العجيبة
يتربص بنات الشفاه الزلل
إن تسرب منها زفير ملل
يسألك السكوت وإبراز الهوية
كي تنتصب سليما من وكز عصاه
هذه بلدي.....
كنت في الصدر أتمتم !
كيف تفتش أطرافي وباطني كالغريب؟
وهذي الحقول ورثناها
وذاك النخيل لنا
وتلك القباب والمآذن فيها صلاتي
وهذا التراب من رهج الجدود
******
يسألوننا اليوم الصفح وابتلاع القيود
ونسيان الصفع والركل المذل
وهاتيك الجراح تعاودها الجراح
كالشروخ في الجسد لم تندمل
يتصارخ الألم في النفس
خلجات انتقام
والدموع والنواح والعويل
والعذاب من بعض الهدايا
خصنا بها شداد السراب
مذ تغولت فينا أنياب الكلاب
وحاصرتنا بالنباح
في زنازين الموت البطيء
بين دهاليز أمن الثورة
ومثابات القراد
******
خبرونا اليوم يا أنسال الجماد
هل يضيع ضيم الأمس
واليوم دون قصاص
هل حرام فينا أن نقول لكم
في وضح النهار
وأصابعنا تشير
أنتم من سفك الدماء وأسلتم الدموع
إنكم من رَمل النساء
وجعلتم الأمهات شموعا تذوب
عند بوابات الغياب
ينتظرن إذن جلاد بليد
بعد أن ضربتم أعناق الرجال
في ميادين الصمم
قرابين لمرضاة الصنم
خبروا عنها أيتام البلاد
وصغارا في الأرحام كالبذور
لم يروا أبائهم إلا في الصور
لم تتركوا لهم حتى أحجار القبور
 
******
هل يمر القاتل بتابوت القتيل
مختالا فخورا
دون أن يسأله ذويه وبنيه حق العقاب؟
كيف ننسى وبينكم من يفاخر بالحبال والعيار؟
ويرى في رؤوسنا للقطف نصاب!
وفي ألسنتنا خيانة وجنون
انظروا الفراغ في دلو الكلام
يسكب في الأذان فريته القديمة
"نحن البناة الطيبين ودعاة الحكم الرشيد"
ويحكم كم تجبرتم يا سقط الإبل
ويلنا ما أتعسنا
إن ظللنا منصتين للطغاة
إن تركنا الجهر بالحق
والجور يمر
******
قال لي أولادي:
 
يا أبانا لا تبال
صبرك قد بلغ مداه
والفرج قد بان ولاح
سوف يأتينا الشعاع
ونعود للنهار
ننزل وطننا الأبي
كالنسيم كالعبير نرنو
على متن الجناح
كالصقور كالنسور
نعتلي سماوات الرخاء
نزرع شمس الصباح
وأشباح الظلم حتما
سيطويها القدر
أبشري ياليبيانا بالربيع
نحن أبناء المطر
رواة الحطب اليباس
وبراعم الصبر الجميل
كالفروع يا أم الغصون
نطرح حلو الهيام

أيوب المهاجر