08/04/2009
 

 
 رأي في موقفِ من قضيّةِ !
عبدالرَّحمن باشا عزّام والقضيّة اللّـيبيّة  (سيرة ومسيرة)
بقلم: الصادق شكري

أرشيف الكاتب


 
 
وقعت في شهر أبريل/ نيسان من عام 1913م جملة من المعارك الجهادية الهامّة في تاريخ ليبَيا ضدَّ الإستعمار الإيطالي البغيض: معركة بنينة في 13 أبريل/ نيسان.. ومعركة الرّجمة في 22 أبريل/ نيسان.. ومعركة الأبيار في 26 أبريل/ نيسان.
 
ووقعت في 27 أبريل/ نيسان 1915م أهمّ معارك الجهاد في تاريخ ليبَيا ألا وهي معركة القـّرضـابيّة بسرت.
 
وفي شهر أبريل/ نيسان أيضاً زارت لجنة التّحقيق الرّباعيّـة (لجنة تقصّي الحقائق التّابعة للدّول الأربع الكبرى) إقليم برقة، وكان ذلك في عام 1948م.
 
وفي 5 أبريل/ نسيان 1950م، تأليف الـمجلس الإستشـاري لليبَيا (10 أعضاء)، وفي الخامس والعشرين (25) من نفس الشهر عقد المجلس أوّل جلسات عمله.
 
تكوّن المجلس الإستشـاري بناءاً على القرار التّاريخي رقم (289) الصادر عن الجمعيّة العامـّة للأمم المتحدة في الدورة الـرّابعة المنعقدة بتاريخ 21 نوفمبر/ تشرين الثّاني 1949م، والقاضي بإستقلال ليبَيا بأقاليمها الثلاث (برقة، وطرابلس، وفزَّان) في تاريخ أقصاه يناير/ كانون الثّاني 1952م، ومن عشرة (10) أعضاء يضم مندوب واحد عن حكومات الدول التاليّة: مصر، وفرنسا، وإيطاليا، والباكستان، والمملكة المتحدة، والولايات المتحدة الأمريكيّة.. وممثّل عن الشّعب في كلّ من أقاليم ليبَيا الثلاثة، وكذلك ممثّل عن الأقليّات في ليبَيا.
 
اشترطت هيئة الأمم تكوين جمعيّة وطنيّة تأسيسيّة، تُوكل إليها مهمّة وضع دستور لليبَيا قبل الشروع في تنفيذ قرار الإستقلال الصادر عن هيئتها الدّولـيّة. وجاء نصّ التوصيّة كمَا جاء في كتاب شيخ المؤرخين العرب الدّكتور/ نقولا زيادة كذلك في كتاب: (ليبيا الحديثة) للدّكتور/ مجيد خدوري، كالآتي:..(..أنّ يوضع دستور ليبَيا بما فيه شكل نظام الحكم والحكومة بواسطة ممثلي السكّان في برقة وطرابلس وفزّان الذين يجتمعون ويتشاورون في هيئة جمعيّة وطنيّة..).
 
تشكّلت الجمعيّة الوطنيّة التأسيسيّة من (60) ستّين عضواً برئاسة الشّيخ أبو الإسعاد العالم، واتفقت على النَّظام الإتحادي للدولة الجديدة قبل الشروعِ في إعدادِ الدستور. وعقدت أوّل اجتماعاتها في الثّاني من ديسمبر/ كانون الأوَّل 1950م بطرابلس، وأقرَّت الأمم المتحدة أعمال الجمعيّة وباركتها بينما عبدالرَّحمن باشا عزّام أمين جامعة الدّول العربيّة وقف ضدَّها وطعن في شرعيتها !. رفض عزّام باشا الاعتراف بأعمال الجمعيّة، ورفض قبول ليبَيا المستقلة كعضو في الجامعة إبان فترة ترأسه لها !!.
 
عبدالرَّحمن باشا عزّام
 
من هو عبدالرَّحمن باشا عزّام ؟.. وكيف كانت علاقته بالسّيّد إدرْيس السُّنوُسي؟.. ولماذا قام بما قام به؟.
 
عبدالرَّحمن باشا عزّام هو عنوان هذه الوقفة.. وموضوع هذه المقالة.
 
مقدَّمة
 
لأيّ نشاط أو عمل سياسي أنصار ومعارضون ولا شكّ أن الفرق شاسع بين من يناصر الخطأ والباطل، ومن يعارض لإصلاح الخطأ وإبطال الباطل وإحقاق الحق.. وهناك من يجتهد في العمل السّياسيّ من أجل الصالح العام، ويقبل من أصحاب المصلحة أن يراجعوه ويحاسبوه فإذا أصاب اجتهاده ما أنتقم من منتقديه ولا استغل وضعه هذا لينفرد بالقرار ويقصي معارضيه.. وإذا وقع في الخطأ اعترف بخطئه وقدم الاعتذار ثمّ تحمل المسئوليّة وأصلح ما كان أمر إصلاحه متاحاً. وهناك من السّياسيّين من يتشبث برأيه بالرَّغم من إخفاقه في تحقيق أيّ شيء يخدم المصلحة العامـّة وصالح النَّاس، بل منهم من سبب اجتهاده زيادة الأوضاع تردياً، وهنا يكمن الفرق – الفرق بين من يعمل من أجل المصلحة العامـّة، ومن يعمل من أجل أجندته الخاصّة والمصلحة المرتبطة شخصياً به..
 
وكثيراً، ما يجنح السّياسيّون إلى مصادرة رأي منتقديهم فإذا كانوا مطلقي الأيدي ويمتلكون السّلطة نكّلوا بمعارضيهم وغيبوهم بين السّجون والمنافي أو حتَّى بالقتل.. وإذا كانوا لا يمتلكون إلاّ الكلام، كالوا لمنتقديهم كلّ التهم والسباب – ولو كان هؤلاء من رفاقهم – مستخدمين كلّ الوسائل للافتراء عليهم والحط من شأنهم واغتيالهم معنوياً لأنّ الاغتيال المادي تعذر عليهم ولا سبيل لهم إليه. ومن هذا، نؤكد بأن العمل السّياسي إذ لم يرافقه النقد، وتضبطه القوانين والأحقية في المحاسبة والمراجعة، وتحدد دوارات المسئوليّة فيه فترة زمنيّة معلومة ومعروفة، فأن مصيره الخسارة والفشل.. ومآله الاستبداد والقمع.
 
وإبداء ى الرأي في رجال السّياسة وسلطة إتخاذ القرار مسألة هامـّة بل ضروريّة طالما استند صاحب الرأي على الحجة والمنطق، والتزم الموضوعيّة وتجنب هوى النفس.. والحكم سلباً كان أو بالإيجاب تؤكده وقائع الأعمال ونتائجها فوق الأرض ولا يبنى على رأي ملؤه الشطط والغلو وهوى النفس، فالحكم يصدر بعد تمحيص كلّ الوثائق وما سُجل من أقوال وأعمال ثمّ النظر في كافة الآراء المطروحة.
 
والحكم على شخصيّة من شخصيّات التّاريخ أو مسيرة حركة في الماضي القريب أو البعيد هو للتاريخ وملك له، فالتّاريخ ملف مفتوح لا تقفل صفحاته كمَا تقفل المحاكم صفحات القضايا المعروضة عليها بإصدار الأحكام النهائيّة، وكذا، لا تكون كل الأحكام بالضرورة نهائيّة في قضايا التَّاريخ لأنّ الملفات في التّاريخ سيرة مفتوحة وبعضها غير قابل للقفل !!.
 
ومن جانب آخر.. كثيراً ما يغفل المدونون دور أصحاب الريادة والفضل ويبرزون شخصيّات هامشيّة يعطونها أكثر ممّا تستحق !، فيتبع آخرون مسلكهم فيكتبوا رسائل الماجستير والدكتوراه عن تلك الشخصيّات ثمّ تطرح المكتبات عنهم الكتيبات والكتب. ومن هنا تتأتى أهميّة إبقاء صفحات التّاريخ مفتوحة حتَّى لا يضيع الحق ويُبخس بالتالي دور أصحاب الفضل، لتبقى مقولة: "لا يصح إلاّ الصحيح" حقيقة ساطعة أبد الدهر.
 
وفي المُـْبتَدَأ وفي المُنتَهـى فإنّ كلّ تجربة سياسيّة وسيرة كلّ رجل من رجالاتـها لها قـاضى طبيعي يحق له النظر والحكم، والتّاريخ هو الحكم وصاحب الحُكم...
 
وممّا تقدم نصل بالحديث إلى عبدالرَّحمن باشا عزّام لنقف أمام شخصيّة عربيّة كانت جزءاً من التّاريخ.. وجزءاً من وقائع وأحداث.. وجزءاً من قرار اتخذ في مطابخ صنعه. نقف أمامه لنبدى الرأي لا لنصدر الحكم، فالمنهج الذي ألزمت نفسي به يمنحني حق الرؤية والتحليل لا حق إصدار الحكم لأنّ ذلك من حق التَّاريخ وحده ولا يحق لغيره الاقتراب منه أو الاعتداء عليه..
 
ترك عبدالرَّحمن باشا عزّام بصماته في أكثر من مكان، وكان جزءاً من أحداث التّاريخ وجزءاً من دائرة إتخاذ القرار، ورجل بهذه المواصفات لابد أن يتشيع البعض له ويناصره آخرون كذلك يختلف معه من يختلف بل نرى حتَّى من يذهب إلى تصنيف بعضٍ من أعماله ومواقفه في مواضع الشكّ والريبة وعلامات الاستغراب والاستفهام، وهذا ليس شأنه هو وحده إنّما شأن كلّ صاحب موقف ورأي ومسئول في دائرة صنع القرار.
 

ولابُدًّ أن يكون عبدالرَّحمن باشا عزّام قدم لبلاده من موقعه كنائب في البرلمان ووزير في حكومات العهد الملكي بمصر شيئاً يحمد له ومحفوظ في صفحات تاريخ مصر.. ولابُدًّ أن يكون قد قدم لأمته من موقعه كأوّل أمين لجامعة الدول العربيّة شيئاً يذكر له، وفي المقابل لم تكن مواقفه حيال ليبَيا عادلة بعيدة عن الهوى كمََا يبدو في القرار الذي اتخذ بتاريخ 17 آذار/ مارس 1951 بخصوص الجمعيّة الوطنيّة التأسيسيّة.. ولابُدًّ أن يكون قد قدم للمملكة السّعوديّة ما يذكر له بعد أن عينته مندوبها في جامعة الدول العربيّة ثمّ في هيئة الأمم المتحدة ثمّ اختاره الملك مستشاراً له وممثلاً للمملكة في النزاع المتعلق بواحات البوريمي.
 
وصحيح أنّ عبدالرَّحمن باشا عزّام قد وقف في فترة أمانته لجامعة الدول العربيّة إلى جانب إستقلال إندونيسيا ولكنه في المقابل اتخذ موقفاً مغايراً من قضيّة إستقلال ليبَيا ومسألة قبولها في الجامعة !!.. وصحيح أنّه ناصر آل سعود ووقف إلى جانبهم ولكنه في المقابل وقف ضدَّ مبايعة السّيّد إدرْيس السُّنوُسي ملكاً على ليبَيا وما ترك مكاناً إلاّ وغمز وهمز من طرفه.. وصحيح أنّه كان صديقاً للطرابلسيين وتزوج منهم وعاش بينهم سنوات طوال، ولكنه في المقابل كان وراء تيار كاد أن يُفْشِل مساعي وحدة الصّف الوطنيّ اللّـيبيّ والتي لولا حكمة المخلصين وفطنة السّيّد إدرْيس السُّنوُسي وحصافته لما تحققت في الموعد الذي تحققت فيه أو ربّما حقق عزّام جزءاً من مآربه.
 
وعند المرور على سيرة عبدالرَّحمن باشا عزّام ومواقفه من السّيّد إدرْيس وقضيّة ليبَيا، نكتشف في شخصيته العديد من المتناقضات والتناقضات... فعزّام باشا الذي خرج من بلاده عام 1915م رافعاً شعار طرد البريطانيين من مصر والذي عند وصوله إلى برقة أنخرط في قوّات السّيّد أحمد الشّريف ليحارب القوَّات البريطانيّة عند الحدود المصريّة اللّـيبيّة، هو الشخص نفسه الذي كان مستشاراً للسيّد إدرْيس السُّنوُسي في مفاوضات الزويتينة – وفقاً لما جاء في كتاب: "الجمهوريّة الطرابلسيّة" للدّكتور مصطفى هويدي – في أواخر سنة 1916م التي شارك الإنجليز فيها إلى جانب الوفدين اللّـيبيّ والإيطاليّ، وكانت له صلات بالإنجليز طوال فترة إقامته في غرب ليبَيا إلى حد أنّ البعض وصفه بأنّه يعمل بالنيابة عنهم في طرابلس الغرب [1] !!.
 
وعبدالرَّحمن باشا عزّام الذي سوَّق للنّظام الجمهوريّ وكان مستشاراً للجمهورية الطرابلسيّة – جمهورية العرب الأولى، هو الشخص نفسه الذي دعا إلى تنصيب الأمير التركي عثمان فؤاد ملكاً على ولاية طرابلس ثمّ رأيناه يقبل بأنّ يكون نائباً في البرلمان الملكي بمصر بل من المقربين للملك فاروق ووزيراً للأوقاف ثمّ للشئون الاجتماعيّة في عهد حكومة على ماهر !!. ويذكر أن عزّام كان الوزير الوحيد (الوزير المفوض بوزارة الخارجيّة المصريّة) الذي رافق الملك فاروق في زيارته إلى المملكة السّعوديّة [2] في العاشر من صفر 1364 هجري الموافق 25 يناير/ كانون الثّاني 1945م، فالملك فاروق الذي اقتصر الوفد المرافق له على بعض المسئولين بديوانه الملكي، وهم: مراد محسن باشا ناظر الخاصّة الملكيّة، والفريق محَمّد حيدر باشا ياور الملك، ومحَمّد عبد العزيز بدر بك الأمين الثّاني للملك، وأحمد علي يوسُف مدير الإدارة العربيّة بالنيابة، وأمير البحر محَمّد سالم البدر باشا ياور الملك وقائد بحريته، والقائم مقام محَمّد محَمّد حلمي بك، وكريم ثابت، لم يضف إلى وفده شخصاً يحمل الصفة الوزارية إلاّ عزّام باشا، وفي هذا حسبما نعتقد ما يدل أو يشير إلى علاقة عبدالرّحمن باشا عزّام بالملوك والمكانة التي كان يحظى بها عند الملك فاروق كذلك الملك عبدالعزيز ملك المملكة العربيّة السّعودية.
 
وعبدالرَّحمن باشا عزّام الذي استنكر على السّيّد إدرْيس السُّنوُسي مفاوضاته مع الطليان كانت صلته قويّة وإتصالاته مستمرة بـ(محَمّد سالم) ابن أخته الذي كان يعيش متنقلاً بين روما وجزيرة العرب خلال الفترة ما بين عامي (1916م – 1922م) وكانت له علاقات وإتصالات هامـّة مع الإيطاليين لدرجة أنّه قابل رئيس وزرائهم آنذاك، أيضاً، سُجِل على عزّام أنّه زار إيطاليا وأدلى بتصريحات لصحفها متهجماً على السّيّد إدرْيس السُّنوُسي، ومدافعاً عن حقوق المواطنين الإيطاليين في ليبَيا [3] !!.
 
وعبدالرَّحمن باشا عزّام الذي كان محسوباً على التّيار القومي العربيّ، هو الشخص نفسه الذي لم يعترف بإستقلال دولة عربيّة ووقف بالمرصاد ضدَّ انضمام ليبَيا المستقلة لجامعة الدول العربيّة حينما كان رئيساً لها !!.
 
هكذا كان عزّام، وهكذا رأينا تناقضات مواقفه..
 
وفي الختام.. لاشكّ أن عبدالرَّحمن باشا عزّام ترك بصماته في صفحات حركة المقاومة بولاية طرابلس، ولكنه ترك أيضاً بصمات في صفحات تاريخ ليبَيا محاطة بالاستغراب وريبة تصل إلى حد الشك.
 
وبغض النظر عن انتماءات..{.. عبدالرَّحمن باشا عزّام السّياسيّة وعلاقاته مع الإنجليز والإيطاليين وارتباطاته مع الأتراك، فإنّ الرجل كان صديقاً لجموع الطرابلسيين الذين تأثر بحبهم حتَّى أصهرهم مرتين، وأصبحت لأولاده فيهم خوؤلة..}م1.
 
وعموماً، وكمَا سبق وأنّ أسْلَفت.. قد حاوَلت أن أكون موضوعياً قدر ما استطعت، ولم يكن هدفي الحكم على الرجل فالعَرْضَ العام الذي قدمته من حيث المعلومة والوقائع والأحداث إنّما هو من مراجع موثقة المصادر سمحت ليّ أن أضع رأيي حسب ما ظننت واعتقدت. وإن رأى البعض أنني منحازاً ضدَّ الرجل، فالانحياز إن وجد، لابُدَّ أن يكون انحيازاً لليبَيا الوطن.. وما أجمل أن يكون الإنسان منحازاً لوطنه..
 
وما تقدم وما سيأتي أسفله، هو مجرّد رأي رأيت من حقي الإدلاء به، وهو ليس بحكم على الرجل، فالحكم للتاريخ صاحب القول الفصل...
 
وأخيراً.. سنحاول في هذه المقالة، الإجابة على الأسئلة التي طرحها الدّكتور مصطفي علي هويدي في كتابه: "الجمهورية الطرابلسية.. جمهورية العرب الأولى"، وهي كالتالي: من هو عزّام ؟.. ولماذا جاء إلى ولايّة طرابلس الغرب ؟.. وماذا فعل هناك ؟.. وكيف كانت علاقته بزعماء وأعيان البلاد ؟. ونضيف إليها ما يلي: لماذا وقف عزّام ضدَّ السّيّد إدرْيس السّنوُسي !؟.. ولماذا لم يعترف بإستقلال ليبَيا، ووقف ضدَّ انضمامها إلى جامعة الدول العربيّة حينما شغل منصب أمينها العام !؟.
 
وللإجابة على هذه الأسئلة سنلقي بعضاً من الضوء على شخصيّة عزّام ومواقفه..
 
ومن هنا، نبدأ..
 
عبدالرَّحمن باشا عزّام.. سيرة وملف [4]:
 
ولد عبدالرَّحمن باشا عزّام يوم 8 مارس/ آذار 1893م بالشوبك الغربي ـ مركز العياط محافظة الجيزة بالقاهرة الكبرى، ومن أسرة ترجع في أصولها إلى الجزيرة العربيّة، وهناك من يقول أن أسرته ترجع في أصولها إلى الجذور اللّـيبيّة، وربّما يكون في اسم جده (سالم) ما يرجح هذا القول حيث أن اسم (سالم) شائع الانتشار في ليبَيا ولا يكاد يذكر في بلدان غيرها خصوصاً في مصر. والده هو الشّيخ حسن بك عزّام الذي كان عضواً بأوّل المجالس التشريعيّة بمصر. وجده هو الشّيخ سالم بك عزّام الذي كان ناظراً للجيزة، وقد نفته بريطانيا في عهد احتلالهم لمصر إلى السّودان التي توفي بها، ودفن في أحدى مقابر الخرطوم.
 
تلقى عبدالرَّحمن باشا حسن عزّام تعليمه الابتدائي والثّانوي بحلوان في مصر ثمّ درس الطب في الجامعة المصريّة ولكنه لم يبق طويلاً بالجامعة حيث اتهم بمحاولة إغتيال (الخديوي عباس) فساعده الإنجليزي (مستر انتوني) صديق والده في عام 1912م في السّفر إلى لندن لإكمال دراسة الطب في كلية سان توماس. وقد انشغل في لندن بالعمل السّياسي على حساب دراسته للطب حيث ترأس الجمعيّة المصريّة (أبو الهول) التي أسسها الطلبة المصريون ببريطانيا، وانخراطه في العمل السّياسي حال دون إكمال دراسته للطب، ليغادر بعدها إلى سويسرا بصفته مندوباً عن الطلبة في لندن لحضور المؤتمر الوطني المصري الذي انعقد بجنيف في يونيه/ حزيران 1914م. وعندما بدأت الحرب العالميّة الأولى في أغسطس/ أب 1914م، غادر عزّام إلى تركيا ليعمل مراسلاً صحفياً وبعدها غادرها ليشارك في حرب البلقان مع القوَّات العثمانيّة.
 
عاد عبدالرَّحمن باشا عزّام في نوفمبر/ تشرين الثّاني 1915م إلى مصر مكلفاً من الحزب الوطنيّ لجمع المال من أجل دعم الميزانية لضمان تمويل تحركات الحزب الهادفة لطرد الإنجليز وإستقلال مصر، فوضع الإنجليز عزّام تحت المراقبة الصارمة التي تمكن من الخلاص منها في ديسمبر/ كانون الأوّل من نفس العام حيث غادر القاهرة واختفى في الإسكندريّة وبعدها غادر إلى برقة التي وصلها في يناير/ كانون الثّاني 1916م. وصل إلى برقة، وكان عند وصوله إليها محملاً بعدة رسائل من أقطاب العرب وزعماء الحزب الوطنيّ بمصر إلى نوري باشا (شقيق أنور باشا) مندوب الحكومة العثمانيّة. تعرف على السّيّد أحمد الشّريف في برقة واقترب من الرجل ليشارك مع قوَّاته يوم 16 فبراير/ شباط 1916م في حرب ضدَّ القوَّات البريطانيّة عند الحدود المصريّة اللّـيبيّة فيما عُرف بمعركة (العقاقير).
لم تدم إقامة عبدالرَّحمن باشا عزّام طويلاً في برقة حيث طرد مع الضباط الأتراك أثر هزيمة قوَّات الشّريف مباشرة على يد قوّات الإنجليز بقيادة الجنرال بيتـون (Peyton)، ومن الضباط الأتراك: أنور باشا ومصطفى كامل ونوري السّعيد وجعفر العسكري وصالح حرب.
 
لجأ عبدالرَّحمن باشا في أواخر عام 1916م إلى مصراته هو وبعض الضباط الأتراك، فدعم هو والضباط الأتراك رمضان بك السّويحلي وحكومته – حكومة مصراتة التي أُعلن عن قيامها في 5 أغسطس/ أب 1916م. وبعدما قُتِل رمضان بك السّويحلي عام 1920م، حل ضيفاً على أحمد بك المريَّض (توفي بالفيوم عام 1941م) بترهونة، وبعدما عقد الأخير مؤتمراً بـ(غريان) عام 1920م وشكّل "هيئة الإصلاح المركزيّة" وترأسها، عينه سكرتيراً للهيئة.
 
وحينما كانت هناك مساعي تبذل من أجل توحيد جهود قادة وأعيان ومشايخ طرابلس للوصول إلى توحيد جهود أبناء المنطقة الغربية برمتها، وقع صراعُ عام 1916م بين أهالي مصراتة وترهونة فتدخَّل عبدالرَّحمن باشا عزّام والمجاهد سليمان الباروني (توفي بالهند عام 1941م) للصلح بين الإثنين في منطقة (مسلاتة) التي أُعلنت منطقة محايدة. وبعد عقد الصلح، انتهز زعماء المقاومة في طرابلس الفرصة وعقدوا في مسجد المجـابرة في بلدة (مسلاتة) اجتماعاً ضم كافة أعيان ومشايخ المنطقة الغربيّة نتج عنه إعلان الجمهورية الطرابلسية يوم 16 نوفمبر/ تشرين الثّاني 1918م والتي استمرت حتَّى عام 1922م. انتخب الحاضرون أربعة أعضاء (4) يمثلون أعلى سلطة في الجمهورية (المجلس الجمهوري)، واختاروا أربعة وعشرين (24) يمثلون كافة المناطق الغربية لعضوية مجلس الشورى للجمهورية، وعُيِنَ عبدالرَّحمن باشا عزّام مستشاراً للجمهورية.
 
كانت فترة إقامة عبدالرَّحمن باشا عزّام في المنطقة الشرقيّة قصيرة جداً حيث انتقل إلى المنطقة الغربيّة التي استقر بها عدة سنوات، وتزوج مرتين هناك: كان زواجه الأوَّل من امرأة ليبيّة من غريان في فترة إقامته في ضيافة السّيّد الهادي كعبّار حاكم غريان، وكان زواجه الثّاني من كريمة الزّعيم الكبير خالد بك القرقني.
 
عاد عزّام باشا إلى مصر عام 1923م، وانتخب عام 1924 عضواً بمجلس النوَّاب المصري بعد إعلان دستورها عام 1923م، وأُعيد انتخابه مرَّة أخرى لعضويّة المجلس ليبقى في عضوية المجلس حتَّى عام 1936م. عينه الملك فارق عام 1936م وزيراً مفوضاً وممثلاً فوق العادة للمملكة المصريّة في العراق وإيران. وعينه علي ماهر في عام 1939م وزيرً للأوقاف في عهد ترأسه للوزارة ثمّ وزيراً للشئون الاجتماعيّة، وبعد استقالة حكومة على ماهر عاد إلى العمل بوزارة الخارجيّة بدرجة وزير.
 
شارك عزّام باشا عام 1939م ضمن الوفد المصري في مؤتمر فلسطين الذي عُقِد في لندن عاصمة بريطانيا العظمى. وأصبح في 22 مارس/ آذار 1945م أوّل أمين عام لجامعة الدول العربيّة في قمة أنشاص، وظلّ في منصبه حتَّى عام 1952م، وقد خلفه في منصبه السّيّد/ محَمّد عبدالخالق حسونة (1952م – 1972م).
 
وفيما يخص المسألة اللّـيبيّة.. وقف عبدالرَّحمن باشا عزّام في مرَّات عديدة ضدَّ مبايعة السّيّد إدرْيس السُّنوُسي والقبول بزعامته بهدف تحقيق الوحدة الوطنيّة وتحرير البلاد، وسعى من خلال علاقاته بالزَّعامات الطرابلسية ووضعه السّياسي كأمين لجامعة الدول العربيّة، إلى تحقيق مسعاه القاضي بإبعاد السّيّد إدريس عن المشهد السّياسي كذلك المطالبة بوضع ليبَيا تحت الوصاية العربيّة والذي استمر حتَّى عام 1947م. لم يتمكن عزّام من تثبيط عزيمة السّيّد إدرْيس وتأليب رأيّ اللّـيبيين ضدَّه، وبفضل نشاطه وإصرار القوى الوطنيّة على التحرك تحت قيادته لأنّ الوحدة اللّـيبيّة ما كان بالإمكان تحقيقها آنذاك إلاّ تحت زعامته، لم يجد عزّام باشا بعدئذ مفراً من القبول بمبدأ وحدة الإقليمين البرقاوي والطرابلسي ولكنه وضع هذا القبول في إطار محير أو (سلبي) إذا ما اخترنا أقل الأوصاف لتوصيف موقفه، فقال: ..".. إذا استحالت وحدة المنطقتين واستقلالهما فإنّه من المناسب ضم برقة إلى مصر..". (أنظر إلى كتاب: " ليبيا الحديثة" للدّكتور مجيد خدوري).
 
ويذكر أن عزّام أصيب بخيبة أمل كبرى بعد مبايعة أهل طرابلس للسّيّد إدرْيس السُّنوُسي، والتي لعب السّيّد بشير السّعداوي أحد الزعامات الطرابلسيّة آنذاك الدّور الأساسي فيها فتمكن من تغيير موقف المعارضين الطرابلسيين المتأثرين بآراء عزام إلى موقف داعم للسّيّد إدرْيس وإعلان الانضواء تحت قيادته..".
 
وأثناء وجود الأمير إدرْيس السُّنوُسي، وقبل الحرب العالميّة الثّانيّة، أصدر الشّيخ الطاهر أحمد الزاوي (ولد عام 1890م، وتوفي 1986م) تحت اسم مستعار (محَمّد محمود) كتاباً تحت عنوان: (عمر المختار: الحلقة الأخيرة من الجهاد الوطنيّ في طرابلس الغرب). جاء كتاب الزاوي غير موضوعي من ناحية تناوله لمسألة الجهاد اللّـيبيّ ورموزه، ومن ناحية تقييمه لدور السّيّد إدرْيس السُّنوُسي حيث ملأ صفحات كتابه بالاتهامات والغمز والهمز في طرف السّيّد إدرْيس. أثار كتاب الزاوي جدلاً وغضباً واسعاً بين اللّـيبيّين، وممّا زاد من غضب اللّـيبيّين واستفزازهم، هو صدور الكتاب مصدراً بمقدمة من عبدالرَّحمن باشا عزَّام. رفع السّيّد إدرْيس السُّنوُسي قضيّة ضدَّ الشّيخ الطاهر أحمد الزاوي في المحاكم المصريّة، وأصدر الشّيخ محَمّد الأخضر العيساوي ( من مدينة الزنتان، وأحد علماء ليبَيا وكبار الإخوان السُّنوُسيين) في عام 1936م كتاباً تحت عنوان: (رفع السّتار عمّا جاء في كتابِ عمر المختار)، وهو الكتاب الذي رد فيه على الشّيخ الطاهر الزاوي بالحجة والإثبات مفنداً ما جاء في كتابه من تحريفات وتهم واتهامات.
 
كان السّيّد إدرْيس السُّنوُسي يحسن الظنّ بعزّام باشا حتّى لحظة صدور كتاب الزاوي حيث اعتبر ما كان دائر بينهما مجرّد اختلاف شابه شيء من الشطط من جانب عزّام، ولكن تقديمه للكتاب اعتبره بمثابة إعلان حرب أو..(.. بمثابة مسمار يدقه عزَّام باشا بيده في نعش حسن الظن به..) على حد وصف الأستاذ الطيب الأشهب.
 
أثار ما قام به عزَّام باشا استغراب السّيّد إدرْيس ودهشته، فهو الذي استمع إلى عزّام وجعله مستشاراً في مفاوضات الزويتينة عام 1916م.. وهو الذي استقبله أحسن استقبال حينما حضر إلى برقة في 22 أغسطس/ أب 1922م كعضو في الوفد الطرابلسي [5] الذي حمل إليه البيعة (مبايعة زّعماء المنطقة الغربية لسيادته) بصفته المستشار العام لهيئة الإصلاح المركزيّة.. وهو الذي رفض الدخول إلى مصر بدون عبدالرَّحمن باشا عزّام في أواخر يناير/ كانون الثّاني 1923م بعدما تمكن بصعوبة من الإفلات من قبضة الطليان ووصل إلى الحدود المصريّة وهو في حاجة بالغة (للمداواة) بعد تعرضه لتسمم من قِبل الطليان الذين أرادوا التخلص منه. وصل السّيّد إدرْيس ونوري السّعداوي وعبدالرَّحمن عزّام ومحَمّد الصّادق بن الحاج إلى الحدود المصريّة فرفض الإنجليز إدخال عزّام إلى مصر فأجرى السّيّد إدرْيس إتصالات عديدة بالمسئولين المصريين والإنجليز وأصر إلاّ يدخل مصر إلاّ وعزّام معه، وبالفعل تحقق له ما راد ووصل إلى القاهرة يوم 27 يناير/ كانون الثّاني 1923م وكان عزّام برفقته.
 
ومن جديد، وبالفعل.. كان تقديم عزّام لكتاب الشّيخ الطاهر الزاوي بمثابة المسمار الأخير في نعش حسن ظن السّيّد إدرْيس به. وترجمة مواقف عزّام بعد ذلك على صحة موقف السّيّد إدرْيس منه.
 
ففي يوم 9 أغسطس/ أب 1940م، وقف عبدالرَّحمن باشا عزّام ضدَّ مسألة تأسيس الجيش السُّنوُسي (جيش التحرير) الذي تأسس بمصر في ذلك اليوم، وانضم إلى الحلفاء ضدَّ المحور. اعتقد عزّام في انتصار المحور على الحلفاء في الحرب العالميّة الثّانية بل راهن على ذلك، وحث اللّـيبيّين على هذا الأساس بعدم انضمامهم إلى جيش التحرير واقفاً ضدَّ رؤية السّيّد إدريس السّنوسي ومراهنته. صدقت رؤية السّيّد إدرْيس وخسر عزّام الرهان وانتصر الحلفاء، وقد اعترف عزّام بهذه الواقعة حينما زاره وفد من الجمعيّة الوطنيّة التأسيسيّة في بيته في القاهرة مساء يوم الجمعة 25 ربيع الثّاني 1370 هـجري الموافق 2 فبراير/ شباط 1951م، وبالرَّغم من ذلك استمر في تشكيكه ومواقفه المناوأة للأمير إدرْيس السُّنوُسي فقال لزائريه:.."..أن بريطانيا لن تلتزم بوعودها وأن ما قدمته لكم من وعود ليس كافياً..".
 
وربّما استطردت هنا لأقول أن عزّام باشا حمل في نفسه شيئاً ضدَّ السّيّد إدرْيس السُّنوُسي منذ مجيئه إلى برقة ومشاركته ضمن قوَّات السّيّد أحمد الشّريف في معركة الأخير مع القوَّات البريطانيّة عند الحدود المصريّة اللّـيبيّة في فبراير/ شباط 1916م. ففي الوقت الذي كان عزّام متحمساً مندفعاً نحو مواجهة الإنجليز ومراهناً على الانتصار عليهم، كان للسّيّد إدرْيس السُّنوُسي موقفاً مغايراً لرأي عزاّم وموقف إبن عمّه أمير المجاهدين آنذاك حيث نصحه بعدم الاستجابة لطلب الأتراك والدخول في مواجهة مع الإنجليز. رأى السّيّد إدرْيس أن المواجهة مع القوَّات البريطانيّة ستنتهي بكارثة على اللّـيبيين ولن تفيد الأتراك في شيء لأن انهيار امبرطوريتهم قادم لا محالة علاوة على أن موقف الإنجليز الحالي بالإمكان التعويل والبناء عليه ويمكن توظيفه إيجابياً لصالح قضيّة الشّعب اللّـيبيّ. من هنا، رأى السّيّد إدرْيس عدم الجدوى والفائدة من مواجهة الإنجليز حتّى لا تذهب ليبَيا ضحية لغيرها. وقد اعترف المجاهد الكبير السّيّد أحمد الشّريف بخطئه وعدم تقديره للموقف السّياسي على نحو صحيح وقتذاك في رسالة كان قد بعث بها إلى السّيّد سليمان الباروني بعد تعيينه والياً على طرابلس، وفي رسائله المتبادلة حول المسألة نفسها مع ابن عمّه السّيّد إدرْيس. وبعدما صدقت رؤية السّيّد إدرْيس ومراهنته على انتصار الحلفاء على المحور في الحرب العالميّة الثّانية، لم يجد عزّام أمامه إلاّ الطعن في شخص السّيّد إدرْيس والتشكيك في شرعيّة الجمعيّة الوطنيّة اللّـيبيّة التأسيسيّة !.
 
بعدما عقدت الجمعيّة الوطنيّة اللّـيبيّة التأسيسيّة المناط إليها مهمّة وضع دستور الدولة المستقلة، أولى جلساتها في نوفمبر/ تشرين الثاني 1950م بطرابلس، طعن عزّام باشا في الجمعيّة وشكك في شرعيتها، وهو أمرُ اُعتِبر حينئذ تدخلاً سافراً في الشأن اللّـيبي الدّاخلي، وذهب بعدئذ إلى ما هو أبعد، فحينما سألته صحيفة "تيمبو" الإيطاليّة عن قضيّة ليبَيا قال لها:..".. أنّ الجامعة لن تعترف بمقررات هذه الجمعيّة التأسيسيّة، وأنّ جامعته لن تقبل في عضويتها دولة لم تؤسس بطريقة مشروعة..".
 
وفي كتاب: "ليبيا في العصور الحديثة" علّق شيخ المؤرخين العرب الدّكتور نيقولا زيادة على مواقف عبدالرَّحمن باشا عزَّام من المسألة اللّـيبيّة، ووصفها بالتالي:.. (.. إنّ موقف جامعة الدول العربيّة – ممثلاً بأمينها العام يومئذ – لم يكن دوماً موقفاً عادلاً بعيداً عن الهوى كمَا يبدو في القرار الذي اتخذ بتاريخ 17 آذار/ مارس 1951 بخصوص لجنة الستين أيّ الجمعيّة الوطنيّة التأسيسيّة..).
 
وربّما استطردت هنا أيضاً لأؤكد على موقف عزّام باشا المنبعث من هوى النفس لا من موقف العدل والإنصاف، ونذكر موقف اتخذه مبكراً يتناقض مع موقفه الرافض لإجماع الجمعيّة على تتويج السّيد إدرْيس السُّنوُسي ملكاً على ليبَيا إلاّ وهو دعوته إلى تنصيب الأمير عثمان فؤاد ملكاً على ولاية طرابلس !. يقول عزَّام الذي كان مرافقاً للأمير عثمان فؤاد ومستشاراً له:..{.. بادرت بعرض فكرة إعلان إستقلال طرابلس الغرب والمناداة بالأمير عثمان فؤاد ملكاً عليها بدلاً من أن يؤدي اختيار إنسان آخر لها إلى إثارة الفتن المحلية فلم يتحمس الأمير لذلك، وفي اليوم الثّاني أعدت عليه الفكرة ولكني فوجئت به يصرخ في وجهي قائلاً:..".. هذه مهزلة.. وفي رأيي أنّها لن تؤدي إلى نتيجة، وحاولت إقناعه بوجهة نظري إلاّ أنّه قاطعني بحدة وهو يطلب مني عدم إثارة الموضوع معه مرَّة ثانيّة، وفهمت أن موافقته على هذه الفكرة قد تكون سبباً في فقدانه لبعض امتيازاته أو حقوقه كأمير من أمراء البيت العثماني..}م2.
 
نرى في موقف عزّام هذا تناقضاً لا تخطئه العين حيث دعا من جهة إلى تنصيب الأمير عثمان فؤاد ملكاً على طرابلس، وحينما رفض تتويج السّيد إدرْيس السُّنوُسي ملكاً على ليبَيا تحجج بأنّه لا يقبل مبدئياً النظام الملكي ويؤيد النظام الجمهوري في الحكم، وأدعى أنّه صاحب فكرة إنشاء أوّل جمهورية عربيّة في المنطقة – الجمهورية الطرابلسيّة !!. هذا الإدعاء اثبت بطلانه وعدم صحته بالدلائل الدامغة المؤرخ اللّـيبي الدّكتور مصطفى علي هويدي، حيث قال:..{.. تقلب عزّام بين الدعوة إلى الجمهورية والملكية فقد دعا إلى تنصيب الأمير عثمان فؤاد ملكاً على ولاية طرابلس، وهو حفيد السّلطان مراد، الذي اختاره أنور باشا وأرسله إلى ليبَيا بصفته القائد الأعلى للقوّات الإفريقيّة، وقبل وصوله إلى مصراتة في مايو/ أيار 1918م كان قد طلب من عبدالرَّحمن عزّام الذي قابله في الآستانة أن يجمل صورة الأمير عثمان فؤاد في ولاية طرابلس وينصبه أميراً عليها. رفض الأمير عثمان فؤاد فكرة تنصبه أميراً على طرابلس، فعاد عزّام مرَّة أخرى لفكرة الجمهورية، وتذكرنا فكرة الإمارة والملكية بمحاولة تتويج سابقة كان عزّام قد اقترحها إذ رشح الملك فؤاد لعرش ألبانيا.
 
.. وإننا لا نجد في مقالات عزّام التي حررها على صفحات جريدة "اللواء الطرابلسي" [6] ما يفصح عن أية دعوة من هذا النوع إلى الجمهورية أو ما يشبه ذلك.
 
يتطرق عزّام في مذكراته لاجتماع مسلاته فيقول:..".. كان عليّ أنّ أمهد لإعلان الجمهورية الطرابلسية، لذلك بادرت بالإتصال بالقوى المتصارعة من أعيان البلاد وزعمائها..".
 
والسّؤال الذي يطرح نفسه: كيف مهد عزّام لإعلان الجمهورية الطرابلسية؟. ثمّ كيف بادر بالإتصال بأعيان البلاد؟. وهو لم يغادر أو يبرح مصراتة التي سارع زعمائها للتقاطر إلى منطقة مسلاته لحضور عقد اجتماع الزَّعامات الوطنيّة هناك، اللهم إلاّ إذا كان عزّام يقصد مهد لإعلان الجمهورية عن طريق تلك الاجتماعات التي كانت تحت إشراف زعيم مصراته (السّويحلي) !!.
 
.. إنّ الجمهورية كفكرة لم تكن غائبة أو غير مستوعبة من طرف مثقفي ولاية طرابلس وأعيانهم وزعمائهم.. ونشير إلى ما ذكره (فشيكة [7]) من.."..أنّه لا غرابة في أنّ فكرة مجلس إدارة الجمهوريّة الطرابلسية التي جعلت من أربعة أعضاء كانت مستقاة من كيفية نشوء الثورة الفرنسيّة التي لم يكن تاريخها مجهولاً لدى مثقفي أبناء طرابلس الدّارسين في معاهد الترك المدنية والعسكرية..". ولعلّ ما يؤكد ما ذكرناه، ما ذهب إليه فشيكة من أن فكرة الجمهورية لم تكن مجهولة لدى الطرابلسيين، صدور كتاب في فترة سابقة لإعلان قيام الجمهورية بخمس سنوات (1913م) لمؤلف فرنسي قام بزيارة طرابلس الغرب وعاش فيها قرابة النّـصف الأّوّل من عام 1912م حيث قابل العديد من الزّعماء والأعيان الطرابلسيين، وفي لقائه مع الشّيخ "محَمّد فرحات" الذي كان يجيد اللغة الفرنسيّة لدارسته بكليّة الحقوق بفرنسا، وقد دار حوار رائع بين الرجلين يدل دلالة واضحة على أنّه إلى جانب ألوف المجاهدين كان يوجد رجال ذوو فكر ثاقب وثقافة عالية عميقة، منهم الطبيب المختص، والقاضي، والضابط، والأستاذ، والمهندس، والسّياسي... وغيرهم.
 
.. وهذا ما يراه أيضاً (محَمّد لطفي) الضابط المصري الذي كان حاضراً لتلك الأحداث بولاية طرابلس ومشاركاً فيها، إنّ صاحب فكرة الجمهورية الطرابلسية هو سليمان الباروني الذي فاز في انتخاباتها بالرّئاسة، ولم يكن نجاحه إلاّ نتيجة لمحبة الشّعب له فقد كان سلطاناً على طرابلس في أوّل حكومة وطنيّة أقيمت بها سنة 1913م.
 
.. أمـّا الشّيخ الطاهر الزاوي فلم يقل في كتابه: "جهاد الأبطال" أنّ عبدالرَّحمن باشا عزّام هو صاحب فكرة الجمهورية أو هو الذي اقترح إنشائها على بقية الزّعماء والأعيان، وكلّ ما قاله..".. كان عزّام أشد النَّاس تحمساً لها وفي مقدمة الداعين لتأسيسها..".
 
ولا يؤكد على أفكار عزّام إلاّ (محَمّد فؤاد شكري) صاحب كتاب: "السُّنوُسيّة دين ودولة"، ويؤكد على ذلك بقوله:..".. استطاع عبدالرَّحمن عزّام صاحب الرأي دائماً كلما ادلهمت الأمور أن يدعو لإنشاء جمهورية في طرابلس تأخذ على عاتقها توحيد الصّفوف ومواصلة الجهاد.."...}م3. (انتهى النقل عن كتاب: الدّكتور مصطفى علي هويدي)
 
كان عبدالرَّحمن باشا عزّام مصنفاً ضمن أتباع أو مدرسة الشّيخ محَمّد عبده (1849م – 1905م) الموصوفة بالعقلانية والمنهجية العصريّة بين الْمُسْلِمِينَ، وإلى جانبه الكاتب والمؤرخ المصري محَمّد حسين هيكل (المتوفي 1376 هجري الموافق 1956م).. وآخرين. أصدر عزّام بعد عودته إلى مصر كتابين، الأوّل: (بطل الأبطال) الذي تحدث فيه عن الرسول صلى الله عليه وسلم.. والثّاني تحدث فيه عن الإسلام كدين ودولة ونظام حكم، واختار اسم (الرّسالة الخالدة) عنواناً له. وكتب مقالات كثيرة في الصحف والمجلات المصريّة، وقد سبق له أن كتب في جريدة (اللواء الطرابلسي) إبّان وجوده بطرابلس، وكان من ضمن أشهر وألمع كتّابها، والآخرون هم: عثمان القيزاني، أحمد الشّارف، أحمد الفقيه حسن، أحمد قنابة، عبدالله الماعزي، محَمّد الفقيه حسن [8]. كمَا كتب من مصر في الصحافة العربيّة، وفي الصحف والمجلات السّوريّة والعّراقيّة واللبنانيّة على وجه التحديد.
 
نشر عبدالرَّحمن باشا عزّام مذكراته في مجلّة (المصور) المصريّة خلال شهر مارس/ آذار من عام 1950م، ونالت ليبَيا نصيباً لا باس به من سلسلة حكاياته، وهي حكايات استفزت الكثيرين لأنّها صورت الوقائع على نحو غير موضوعي أحياناً، وجاءت بتفسيرات لم تخلو من هوى النفس، وفي أحدى الصّفحات من مذكراته اتهم السّيّد إدرْيس بهتاناًَ وظلماً بالسرقة وترك النَّاس تموت جوعاً، فقال:..{.. "..أخد السّنوُسي – إدرْيس – الذهب والأسلحة، وتركنا نموت من الجوع.."، وبعدها قال..".. عطفت على السّنوُسي – إدرْيس – فتحرج موقفي.."..}م4.
 
رَّد الأستاذ/ الطيب الأشهب على ما جاء في صّفحات مذكرات عزّام في سلسلة من المقالات نشرها في جريدة التاج[9] التي كانت تصدر من بنغازي وقتذاك.
 
ظلّت مواقف عزّام باشا غير مقبولة من مسألة إستقلال ليبَيا وشخص السّيّد إدرْيس السّنوُسي، فحينما أعلنت ليبيا عن إستقلالها في 24 ديسمبر/ كانون الثّاني 1951م، لم يقم بواجب التهنئة الذي كان من المفروض أن يقوم به على اعتبار المسئوليّة الأخلاقيّة وموقعه السّياسي بصفته الأمين العام لجامعة الدول العربيّة، وبحكم العشرة وصلة النسب التي ربطته باللّـيبيّين !، بل، لم يكتف بهذا الحد فحسب، فحينما تقدمت ليبَيا بعد استقلالها بطلب الانضمام إلى جامعة الدول العربيّة رفض قبول انضمامها، ولم تتمكن ليبَيا من الحصول على عضوية الجامعة إلاّ في 10 رجب 1372 هجري الموافق 28 مارس/ آذار 1953م أي بعد خروجه من الجامعة في أواخر عام 1952م وبعد أن أجبره مجلس قيادة الثورة المصري على الاستقالة لخلاف كان سائداً بينه وبينهم يومئذ، وهو خلاف لم يكن لليبَيا واللّـيبيين علاقة به.
 
وهناك نقطة أخرى ذكرها الأستاذ الطيب الأشهب في كتابه "إدرْيس السُّنوُسي" ربّما يكون من المهم إضافتها في هذا الصدد، وهي تشجع الملك فاروق على حلم "الخلافة الإسلاميّة" الذي كان يراوده ويسيطر على ذهنه ومنامه !، فقال الأشهب بالنصّ في كتابه المذكور:..{.. كانت للملك فاروق اتجاهات معينة حول ليبَيا شجعه عليها عزّام باشا وعبدالله لملوم باشا. كان فاروق يرى أن اتجاهاته هذه المعينة في ليبَيا قد تكون الخطوة الأولى للخلافة الإسلاميّة التي كان يحلم بها في منامه وكان من بين المفسرين لأحلامه وفق رغباته: عزَّام ولملوم..}م5.
 
ومن جهة أخرى، كان عزّام باشا على خلاف متصاعد مع رئيس وزراء مصر محمود باشا فهمي النقراشي الذي اقنع وفد هيئة تحرير ليبَيا – والذي كان محسوباً على عزّام – المبعوث إلى هيئة الأمم المتحدة سنة 1949م، بالقبول بإمارة السّيّد إدرْيس السُّنوُسي فاقتنع وفد التحرير وقبل بالشرط الثالث الخاصّ بملكية إدرْيس السُّنوُسي بعد محاولاتهم المتكررة لإبعاده أثناء مفاوضاتهم مع الوفد البرقاوي، وهو الشّرطُ الذي أصر البرقاويون عليه، ووضعت الشّروط على النحو التالي: الإستقلال.. الوحدة الوطنيّة.. ملكية إدرْيس السُّنوُسي.
 
ومن جديد.. ظلّ عزّام باشا على موقفه من السّيّد إدريس السُّنوُسي طوال حياتـه، بينما سرعان ما عدل عبدالله لملوم باشا موقفه من إدرْيس السُّنوُسي والقضيّة اللّـيبيّة على وجه العموم، وكتب بالخصوص تقريراً مفصلاً سلم نسخة منه إلى رئيس وزراء مصر محمود باشا فهمي النقراشي، وحاول مقابلة الملك فاروق لإبلاغه بتحوله الطارئ ولم يتمكن من مقابلته. يقول الأستاذ الطيب الأشهب حول هذا التحول..{.. صرح لملوم باشا أكثر من مرَّة في عدد من النَّاس بالقاهرة منهم اللّـيبيّون ومنهم مصريون ومنهم من ينتسب إلى البلاد العربيّة الأخرى قائلاً:..".. إن ليبَيا هي إدرْيس وإدرْيس هو ليبَيا، ومن يظن غير ذلك فقد أخطأ ومن يعمل ضدَّ ذلك فمئاله أحد أمرين: إمّا الفشل الذريع، وإمّا ضياع مصلحة ليبَيا.."..}م6.
 
وفي الختام.. خرج عبدالرَّحمن باشا عزّام من جامعة الدول العربيّة في أواخر عام 1952م، وخلفه في منصبه السّيّد/ محَمّد عبدالخالق حسونة، ومثل المملكة العربيّة السّعوديّة في جامعة الدول العربيّة ثمّ في هيئة الأمم المتحدة إلى أن أختاره ملك السّعودية مستشاراً وممثلاً له في النزاع المتعلق بواحات البوريمي، وبقى في السّعوديّة العربيّة حتَّى عام 1974م، ليعود بعد ذلك إلى بلاده مصر.
 
انتقل إلى رحمة الله في مصر يوم 2 يونيه/ حزيران 1976م، ودُفنَ في حلوان بمسجد عزّام إلى جوار أحد أبناء عمومته والصّوفي والمترجم الأديب الشاعر السّفير الدّكتور عبدالوهاب عزّام (توفي بالسّعوديّة يوم 8 يناير/ كانون الثّاني 1959م، وتمّ نقل جثمانه إلى القاهرة حيث دُفِنَ في مسجده بحلوان).
 
رحم الله عبدالرَّحمن باشا عزّام، وهذا ما لزم...
 

الصادق شكري

 

 

صورة نادرة خاصّة للملك وهو يتكلم في التلفون

 

 

الملك مع الجمعيّة الوطنيّة التأسيسيّة (لجنة الستين)

 

 

الملك وخلفه أعضاء (لجنة الستين)

 

 

عبد الرحمن عزام يتوسط فاروق وابن سعود

 

المرفق:
 
الصور لـ(3) التي يظهر فيها الملك إدرْيس السُّنوُسي هي صور خاصّة للملك من أرشيف العائلة السُّنوُسيّة – الأولى: صورة نادرة خاصّة للملك وهو يتكلم في التلفون.. والثّانيّة: يظهر الملك مع الجمعيّة الوطنيّة التأسيسيّة (لجنة الستين) ويقف خلفه مباشرة الشيخ محَمّد أبوالإسعاد العالم رئيس الجمعيّة، وإلى يساره السّيّد/ عمر فائق شنيب رئيس لحنة الدستور، وإلى يمنيه السّيّد بشير السّعداوي رئيس حزب المؤتمر، ويظهر في طرف الصورة على يمين الملك السّيّد أحمد محي الدّين السُّنوُسي يحمل صندوق به وثيقة مبايعة اللجنة (17 ديسمبر/ كانون الأوّل 1950م) ملكاً دستوراً على ليبَيا.. والصورة الثالثة: يظهر الملك وخلفه أعضاء (لجنة الستين) وقوفاً على السلم (الدرج) بينما كان السّيّد أحمد محي الدّين السُّنوُسي يقف إلى جانبه يميناُ. ويظهر عبدالرَّحمن باشا عزّام في صورتين، الأولى بمفرده.. والثّانيّة: يتوسط الملك فاروق وملك العربيّة السّعودية.
 
ملاحظات وإشارات هامّة
 
1) علاقة عزّام بالإنجليز: راجع ما قاله محَمّد رجائي ريان في صفحة (70) من دراسته المعنونة بـ(الجمهورية الطرابلسيّة) في العدد (69/ 70) في مجلّة (المجلة التّاريخيّة المغربيّة)، الصادرة بتاريخ شهر مايو/ أيار 1993م. وما نقلناه عن نفس المصدر الدّكتور مصطفى علي هويدي في صفحة (38) من كتابه: "الجمهورية الطرابلسية"، الصادر عن "مركز جهاد اللّـيبيين للدراسات التّاريخيّة" عام 2000م.
 
2) زيارة الملك فاروق إلى السّعوديّة: أنظر ما جاء في الشبكة العنكبوتية عن زيارة الملك فاروق لمملكة العربيّة السّعوديّة.
 
3) علاقة عزّام بالإيطاليين: أنظر ما نقلناه عن الدّكتور مصطفى علي هويدي في صفحة (39) من كتابه: "الجمهورية الطرابلسية"، الصادر عن "مركز جهاد اللّـيبيّين للدراسات التّاريخيّة" عام 2000م، وكتاب: (من الأفق السُّنوُسي) للسّيّد/ يوسُف عيسى البندك الصادر عن مركز الدّارسات اللّـيبيّة/ أكسفورد في أبريل/ نيسان 2002م.
 
4) ملف عزَّام وسيرته: استندت في هذه الوقفة على المراجع التاليّة: كتاب: "الجمهورية الطرابلسية" للدّكتور/ مصطفى علي هويدي، الصّادر عن "مركز جهاد اللّـيبيّين للدراسات التّاريخيّة" عام 2000م.. وما جاء حول عبدالرَّحمن عزّام في باب (مختصرات) في موقع (نبأ) وكالة الأخبار الإسلاميّة، وموسوعة المقاتل Almoqatel على شبكة الإنترنت.. وكتاب: "المجتمع والدولة والإستعمار في ليبَيا" للدّكتور/ علي عبداللطيف حميدة، الصّادر عن "مركز الدّراسات العربيّة" في طبعته الأولى يناير/ كانون الثّاني 1995م.. وكتاب: "إدرْيس السُّنوُسي" للأستاذ/ محَمّد الطيب الأشهب، الصّادر عن "دار العهَـد الجـديد للطبَـاعة" – الطبعة الثّانيّة عام 1957م.. وكتاب: "السُّنوُسية.. دين وَدَولة) للأستاذ/ محَمّد فؤاد شكري، الصّادر عن مركز الدّارسات اللّـيبيّة – أكسفورد/ الطبعة الأولى (المحققة) 1426 هجري الموافق 2005م.
 
5) الوفد الطرابلسي: ترأس وفد هيئة الإصلاح المركزيّة السّيّد بشير بك السّعداوي، وضم في عضويته كلّ من: الشّيخ محَمّد عبدالملك، السيّد نوري السّعداوي، السّيّد محَمّد الصّادق بك الحاج، عبدالرّحمن عزّام (المستشار العام للهيئة).
 
6) جريدة اللواء الطرابلسي: صدرت جريدة (اللواء الطرابلسي) كجريدة ناطقة باسم حزب الإصلاح الوطنيّ في 9 أكتوبر/ تشرين الأوّل عام 1919م، واستمرت في الصدور حتى وصول الحزب الفاشستي إلى السّلطة في إيطاليا وظلّت تصدر لمدة سنتين ونصف. اللواء الطرابلسي جريدة سياسيّة أدبيّة اجتماعيّة وإقتصاديّة، كانت تصدر يوم (الخميس) من كلّ أسبوع في أربع (4) صفحات من الحجم الكبير، وكان مديرها المسئول الأستاذ/ عثمان القيزاني، وتساعده هيئة رسميّة تمثلت في حزب الإصلاح الوطنيّ الذي أدار الجريدة من مقره بمحلة (أبي الخير)، واعتمدت في تمويلها على ما يرد إليها من حزب الإصلاح والأعيان عن طريق التبرعات والاشتراكات. وطبعت الجريدة بداية الأمر بالمطبعة الشّرقيّة التي تقع بمحلة الأربع عرصات ويملكها اليهودي فرايم تشوبة ثمّ تولت مطبعة الترقي الوطنيّة لصاحبها محَمّد البوصيري. وكان للجريدة مندوبون ومراسلون صحافيون للإلمام بإخبار المناطق المختلفة، ومن هؤلاء:
 
1- محَمّد بشير بن حمزة مندوب الجريدة في طرابلس.
2- صالح الصّقر مندوب الجريدة في ترهونة.
3 - أبوبكر الصديق مندوب الجريدة في غدامس.
4- ساسي بن شتوان مندوب الجريدة في بنغازي.
5- محَمّد البوسيفي مندوب الجريدة في غات.
 
وقد تعرضت جريدة اللواء لضغوط كبيرة من الحكومة الإيطاليّة التي مارست الرقابة على مضامينها فخرجت بعض الأعمدة في العديد من الأعداد وهي باللون الأسود أو خالية من المادة الإخبارية أو بترت أجزاء من أخبار ومقالات بعد أن منعت الرقابة نشرها. وكان من أهمّ كتّاب الجريدة: عثمان القيزاني، أحمد الشّارف، أحمد الفقيه حسن، أحمد قنابة، عبدالله الماعزي، عبدالرَّحمن عزّام، محَمّد الفقيه حسن (ربّما علي). هذا التعريف منقول حرفياً عن الأستاذ/ المختار الجدال في مقالة نشرها تحت عنوان: " تاريخ الصحافة اللّـيبيّة" في مدونته الخاصّة بتاريخ 11 نوفمبر/ تشرين الثّاني 2007م.
 
7) فشيكة: أصدرت المطبعة الحكوميّة في عام 1956م للمؤرخ: محَمّد مسعود فشيكة كتاباً عن تاريخ ليبَيا تحت عنوان: "تاريخ ليبَيا الحديث". يقول الدّكتور مصطفى علي هويدي،.."..أن محَمّد مسعود فشيكة أكد في صفحة (49) من كتابه: (تاريخ ليبَيا الحديث)، بأنّ سليمان باشا الباروني هو صاحب فكرة لمّ شمل البلاد وقيام جمهورية تقاوم المستعمر وتنزع الإستقلال من إيطاليا وأبدى فكرته لزعماء البلاد فأيدوها جميعاً. ولكن فشيكة بعد حوالي عشرين عاماً غيّر رأيه ونسب فضل ابتكار النَّظام الجمهوري في طرابلس الغرب إلى الزَّعيم رمضان السّويحلي..".
وهنا نرى وفي الحالتين، أن فشيكة لم ينسب فضل ابتكار النَّظام الجمهوري إلى عبدالرَّحمن عزّام.  وتجدر الإشارة أيضاً أنّ الدّكتور مصطفى علي هويدي رشح كفة أن يكون الشّيخ محَمّد فرحات هو من اقترح فكرة النَّظام الجمهوري، فقال:..".. قبل أن ينجح الإيطاليون في معركة (جندوبة) في مارس/ آذار 1913م كانت هناك حكومة وطنيّة بالولاية حيث قامت بعد انسحاب الأتراك في أكتوبر/ تشرين 1912م، وانتهت تلك الحكومة بهجرة زعاماتها الوطنيّة إلى خارج ولاية طرابلس. ويبدو أن عزّام لم يعرف أن الشّيخ محَمّد فرحات قد اقترح إنشاء حكومة الجمهورية الطرابلسيّة منذ عام 1913م..".
 
8) السّيّد/ محَمّد الفقيه حسن: نقلت الاسم كمَا جاء في مقالة: "تاريخ الصحافة اللّـيبيّة" للأستاذ/ مختار الجدال، وربّما يكون الاسم المقصود هو (علي) وليس (محَمّد) كمَا ورد. ترأس الأستاذ علي الفقيه حسن رحمه الله (حزب الكتلة) قبيل فترة إستقلال ليبَيا.
 
9) جريدة التَّاج: صاحبها الأستاذ عمر الأشهب، صدر العدد الأوّل منها في نوفمبر/ تشرين الثّاني 1950م، واستمر صدور أعدادها لمدة (10) عشرة أشهر حيث قفلت بقرار صادر عن حكومة برقة آنذاك.
 
مصادر ومراجع :
 
م1) الدّكتور مصطفى علي هويدي – كتاب: "الجمهوريّة الطرابلسيّة" الصادر عن "مركز جهاد اللّـيبيّين للدراسات التّاريخيّة"
     عام 2000م.
م2) نفس المصدر السّابق.
م3) نفس المصدر السّابق.
م4) نفس المصدر السّابق.
م5) الأستاذ/ محَمّد الطيب الأشهب – كتاب: "إدرْيس السُّنوُسي"، الصّادر عن "دار العهَـد الجـديد للطبَـاعة" – الطبعة الثّانيّة
     عام 1957م.
م6) نفس المصدر السّابق.

 

 

 

نشأت حسن عزام: لا أعرف لماذا تصر في كل عباراتك علي القول بانك لا تحكم علي عزام باشا وانما تقيمه وفي ظني أنك تشعر بانك تحاول اخفاء قلة المقتنعين بفكرتك والترويج لاسرة السنوسى. ان تاريخ عزام باشا لا ىحتاج الي تعريف وليس هناك دليل أقوى من جهاده ضد الايطاليين سوى انه مؤمن بالقضية التي شغلت حياته وعاش لها ومن اجلها وهي الخلافة الاسلاميه عن طريق القومية العربية.وفي طرابلس العاصمة يوجد شارع باسمه ان دل لا يدل الا علي عرفان الحكومة الليبية بدوره في سبيل استقلال ليبيا.

الإجدابي: الاستاذ المحترم الصادق شكري.. اشد على يديك وادعوا الله ان يحفظك ويرعاك.. لقد سعدت بوجود من هو مثلك يرصد التاريخ ويسجله في وجه العبث والتشوية الذي يجثم فوق ذاكرة ليبيا الغالية.. ان نظام الفاشيين الذي يحتل ليبيا لايزعجه شيء قدر ماتحفظه سطور التاريخ المشرف والمجيد لليبيا ولبناة دولة الاستقلال التي بها نفتخر.. حفظك الله ورعاك.. ومزيدا من العمل الوطني المخلص من اجل اجيال ليبيا القادمة التي تنتظر فجر  الخلاص الذي يعلن انتهاء ظلام  ليل الاستبداد وعبث  وافتراءالكذب والتزوير.

مصدق بوهدمة: شكرا للصادق شكرى لأثارته  الحديث عن هذه الشخصية العربية التى يلف الغموض موقفها من أستقلال ليبيا وأيضا حيال الدستور الليبى والجمعية الوطنية التى أخرجته. هل تحطم حلم السيد عبد الرحمن عزام فى أن يكون المندوب السامى المصرى على برقة فى حالة ضم المملكة المصرية تحت تاج الملك فاروق الأول الأقليم  الى مصر "الخلافة الإسلاميّة التي كان يحلم بها في منامه" عندما رأى أن الليبيين قد عقدوا العزم على الأستقلال ومبايعة الأمير ملكا على ليبيا الأتحادية وأعداد الدستور؟. ربما هذا يفسر مواقفه المتناقضة من المسألة الليبية فى تلك الفترة وهو شخصية ذات طموح سياسى يدعمه قدرته على التعامل وخدمة مراكز الثقل فى السياسة العربية فى ذلك الوقت والتى كفأته بأن يكون أول أمين للجامعة العربية التى نشأت بعيد نهاية الحرب العالمية الثانية.

سالم  محمد بن ساسي: اثلجت صدورنا ياصادق .بارك الله فيك وقد استمتعت بالمقالة وخصوصا المقدمة لما احتوته من معاني ياريت يستفيد منها اصحاب الشأن. اوافقك على ماجاء في عبارتك الجميلة حول اهمية بقاءصفحات التاريخ مفتوحة لإحقاق الحق وحفظ الحقوق واضيف وحتى نفضح من يحاول تزوير التاريخ أو توثيقه بما يرضي هواه ونفسه المنحرفة ظنا منه اننا لانقرأ ولانتابع. تابع روائك ايها الصادق اسما على مسمى وحفظك الله وثبتك و جزاك خيرا في الدنيا والأخرة.
 
للتعليق على المقال
الإسم:
العنوان الإلكتروني:
التعليق